قيس سعيد وإسرائيل.. الأقوال والأفعال! - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 أبريل 2020 10:11 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

قيس سعيد وإسرائيل.. الأقوال والأفعال!

نشر فى : الأربعاء 12 فبراير 2020 - 11:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 12 فبراير 2020 - 11:05 م

فى يوم الخميس ٣٠ يناير وصف الرئيس التونسى قيس سعيد «صفقة القرن» الأمريكية بشأن الصراع الفلسطينى الإسرائيلى بأنها «مظلمة القرن».
سعيد قال ذلك فى حوار تليفزيونى بعد مرور مائة يوم على توليه منصبه، وقال أيضا: «الفكر المنهزم لن يكون مقدمة للنصر، والقضية اليوم، هى الكيان المغتصب، الذى يجب أن ننهى أفعاله وتشريده للشعب الفلسطينى، والتطبيع خيانة عظمى، ومن تكون له علاقة مع الكيان المغتصب، فهو خائن، وفلسطين ليست ضيعة أو بستانا، حتى تكون موضوعا لصفقة».
وطبقا لوسائل إعلام تونسية فإن سعيد لم يكن راضيا عن البيان الذى أصدرته وزارة خارجيته بخصوص الصفقة، والذى اكتفى، بالتعبير عن القلق، مشددا على أنه من البيانات التى مجها التونسيون، وأنه تدخل شخصيا لإصلاح هذا البيان.
شخصيا كنت سعيدا جدا بما قاله الرئيس التونسى، باعتبارى أصنّف نفسى قوميا عربيا، وتمنيت أن يقتدى القادة العرب بما قاله قيس سعيد.
لكن ــ وآه من لكن ــ وبعد هذا الكلام الضخم كانت الصدمة الكبرى، حيث قررت الحكومة التونسية إقالة مندوبها الدائم فى الأمم المتحدة «المنصف البعتى». وزارة الخارجية التونسية استدعت البعتى بصورة عاجلة، وقالت يوم الجمعة الماضى إن قرار الإعفاء يعود «لاعتبارات مهنية بحتة، تتعلق بضعف الأداء وغياب التنسيق والتفاعل مع الوزارة فى مسائل هامة مطروحة للبحث فى المنتظم الأممى، وأن عضوية تونس غير الدائمة فى مجلس الأمن تقتضى التشاور الدائم والتنسيق المسبق مع الوزارة بما ينسجم مع مواقف تونس المبدئية، ويحفظ مصالحها».
لكن ما هو السبب الحقيقى لإقالة البعتى؟!
فى البداية ظننت، وظن كثيرون غيرى أن البعتى ــ من وجهة نظر حكومته ورئيسه ــ لم يكن شديدا بما يكفى فى الدفاع عن الفلسطينيين.
لكن المفارقة أن غالبية التقارير الدبلوماسية تقول إن السبب الجوهرى هو أن المندوب التونسى صدّق كلام رئيسه قيس سعيد وساهم فى صياغة وتقديم قرار قوي قدمته اندونيسيا يدين خطة ترامب وصفقته بلغة شديدة. وقال مصدر فى نيويورك إن البعتى ذهب إلى أبعد مما أرادت السلطات التونسية، وقدم دعما كبيرا للفلسطينيين، يهدد بإفساد العلاقات بين تونس وواشنطن. وهناك تقارير تقول إن جاريد كوشنر مهندس الصفقة، وزوج ابنة الرئيس، قد استمع فى الجلسة المغلقة بمجلس الأمن لكلام البعتى المؤيد للفلسطينيين، وقدمت إدارته احتجاجا شديدا لتونس.
المنصف البعتى كان دبلوماسيا محترفا ومهنيا وطبقا لزملائه فى الأمم المتحدة، فقد كان مفاوضا بارعا، وهو الشخص المناسب لإجراء مفاوضات بشأن مشروع القرار الذى يرغب فيه الفلسطينيون. والغريب أن بيان «الخارجية» يلمح إلى أنه ليس مهنيا فى حين أنه كان متقاعدا، وجرى استدعاؤه قبل شهور لتولى منصب المندوب الدائم فى الأمم المتحدة، خلال عامى عضوية تونس فى مجلس الأمن.
طبعا الخارجية التونسية ومعها مؤسسة الرئاسة لم تعلن حتى الآن السبب الحقيقى لإقالة البعتى، وقالت كلاما عاما ومطاطا عن تأييدها للقضية الفلسطينية وإذا صحت التقارير المتداولة فى نيويورك، فإن التهمة الحقيقية التى ارتكبها المندوب التونسى، أنه صدّق تصريحات رئيسه وتصريحاته الساخنة عن فلسطين والعروبة والقومية، والخيانة العظمى!!
ما حدث يكشف عن خلل فادح، فإما الرئيس التونسى شديد الرومانسية، ولا يدرك خطورة تصريحاته، أو لم يكن جادا فيما قاله بشأن دعم الفلسطينيين!
سيقول البعض إنه على الأقل فإن الرئيس التونسى أطلق تصريحات غاضبة ضد صفقة القرن، ولم يلتزم الصمت كما فعل بعض الرؤساء، ولم يتواطأ كما فعل آخرون.
والحقيقة أننى أرى أن من التزموا الصمت كانوا عمليا أفضل حالا مما فعله قيس سعيد. على الأقل لم يرفعوا سقف توقعات شعوبهم، ثم يهبطوا بها إلى أسفل سافلين!
كلام قيس سعيد عن صفقة القرن أرضى «جمهور الترسو» العربى، لكن قراره بإقالة مندوب فى الأمم المتحدة، أظهر حجم المسافة البعيدة بين الأقوال والأفعال العربية.
تجارة الكلام رائجة فى منطقتنا منذ عقود طويلة، وكنا نظن أنها انتهت أو تراجعت، لكن ما حدث مع المنصف البعتى، يكشف أنها ما تزال رائجة.
الفارق الوحيد أن الضحك على الجماهير لم يعد ممكنا كما كان فى السابق، بفضل وسائل التواصل الاجتماعى التى تكشف وتفضح كل شىء.
خطاب قيس سعيد الحماسى جدا، كان يفترض ترجمته إلى قطع تونس لعلاقتها بالولايات المتحدة، لأن إدارتها صارت أكثر صهيونية من إسرائيل، لكن الذى حدث أنه أقال مندوب بلاده فى نيويورك، لأنه صدّق كلام رئيسه.
إن نموذج قيس سعيد ليس الوحيد، فالمعلم الأصلى موجود فى تركيا.. يهاجم واشنطن وإسرائيل ليل نهار، لكن علاقته بهما على أرض الواقع ما تزال جيدة جدا!

عماد الدين حسين  كاتب صحفي