فلسفة القهوة بالشيكولاتة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 2:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


فلسفة القهوة بالشيكولاتة

نشر فى : الأحد 12 يناير 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 12 يناير 2014 - 8:00 ص

هل ثمة علاقة بين ما يأكله الشعب وطريقة تفكيره؟ هل هناك دلالة ما لحب المصريين مثلا لمطاعم اشتهر أصحابها بالغريب من الأسماء كالبغل والعبيط وتلوث ونتانة، إلى ما غير ذلك؟ مجرد خاطر طرأ على بالى وأنا أجلس بأقدم مقهى أدبى عرفته باريس منذ القرن السابع عشر الميلادى، وهو البروكوب نسبة إلى مؤسسه الإيطالى الأصل فرانشسكو بروكوبيو دى كولتيللى، والذى قام فيما بعد بفرنسة اسمه ليتحول إلى بروكوب. الرجل جاء من باليرمو إلى باريس، وأسس مطعمه ومقهاه الشهير، سنة 1686، بعد حوالى عشرين عاما من اكتشاف مشروب القهوة، تحديدا بعد أن قام سليمان أغا، أحد سفراء الباب العالى العثمانى بإدخاله إلى فرنسا عام 1669، وتولى بعدها شخص أرمينى يدعى باسكال تقديمه للزبائن بمطعمه فى حى السان جيرمان.

•••

المفكر الفرنسى فولتير اتخذ فى الدور الأول من مقهى البروكوب مكتبا له، إذ كان من الزبائن الدائمين.. يشرب حوالى أربعين فنجان قهوة فى اليوم، ويمزجها بالشيكولاتة، ويقول إن الطعام الجيد هو طريقه للتفكير الصائب أو المتعقل.. فهل تكون المعدة فعلا هى بيت الداء؟

جدران المقهى والمطعم تحمل صورا ورسومات لأهم الكتاب والمفكرين الفرنسيين، خاصة هؤلاء الذين صنعوا الثورة الفرنسية ومهدوا لها.. مارا، أحد أبطال الثورة الفرنسية قبل أن تلتهم نفسها ويدب الخلاف بينه وبين زملائه روبسبير ودانتون، كان يمتلك مطبعة على بعد خطوتين.. يهرع لمقابلة الأصدقاء هنا ويعكف على تأليف أول «انسكلوبيديا» مع ديدروا وآخرين. أما هذا الرجل الذى تشعر بأنك تعرف شكله، وتحاول أن تتذكر أين رأيت ملامحه من قبل، حتى يأتيك الجواب: على فئة المائة دولار.. هو المؤلف والعالم والدبلوماسى ــ بنيامين فرانكلين ــ واحد من أهم وأبرز مؤسسى الولايات المتحدة الأمريكية.. كان هو الآخر من المترددين على المكان وضمن وجوهه الدائمة، بل صاغ فصلا من الدستور الأمريكى فى المقهى.. وهو من لعب دورا أساسيا فى تحسن العلاقات بين بلاده وفرنسا فى الفترة ما بين 1775 و1776.

•••

فى المدخل، وضعت قبعة الملازم بونابرت، وقتها، كان يطلب المشاريب ويأكل الآيس كريم ولا يسدد الثمن أحيانا، فيترك قبعته كرهن حتى تأتيه النقود.. الصور والكتب وورق الحائط الذى حفرت فيه كلمات مثل الحرية والمساواة.. وكذلك مبادئ حقوق الإنسان والمواطنة كما وردت فى إعلان 1789، والتى زينت جدران إحدى القاعات، تجعلك تشتم عبير زمن مختلف.. نحاول نحن استنشاقه فى مصر حاليا بصعوبة.. نتمنى أن تتم محاسبة البعض أو حتى كل من تسبب فى تعاسة الشعب، عندما نرى آخر وصايا الملك لويس الرابع عشر ومارى أنطوانيت، وهما فى طريقهما إلى المقصلة.. شهادات موثقة تحملها جدران الدور الأول من المطعم.

•••

يمر أحد الجرسونات وبين يديه «ديك» صغير منقوع فى النبيذ من ثلاثة أيام، أو قطعة من صدر البط وحولها ما يكفى بالضبط من صوص البرتقال.. وصحن البطاطس المقلية على هيئة شبابيك صغيرة، شبابيك الحرية.. الأطباق نفسها كان يأكلها خلال القرن الثامن عشر موليير وراسين والممثلون أعضاء فرقتهم، عندما احتفلوا بالعرض الأول لمسرحية «طبيب رغم أنفه» أو «فيدرا».. الطعام هنا أصبح شبيها بجلسة استحضار الأرواح.. وعندما تتحرك لغسل يديك، فى استراحة قصيرة من تداعيات الحاضر والماضى، يشير السهم إلى الأماكن المخصصة للرجال والسيدات كالتالى: «المواطن» من هنا، و«المواطنة» هناك.. فحتى عندما تذهب للحمام فى البروكوب أنت مواطن.. لك طبعا كامل الحق فى الدخول للحمام والتجول فى المكان كيفما تشاء، لتجد ربما إعلانا عن مسابقة المقهى الأدبية والتى تنظم سنويا منذ 2011.. وستقام احتفاليتها فى 28 يناير الحالى، ليتم اختيار فائز العام.. استوقفنى موضوع الكتاب الذى حصد الجائزة من سنتين وهو لباحث فى الفلسفة والاجتماع يدعى روان أوجيان.. كان عن تأثير روائح مخبوزات الكرواسان على طبائع البشر.. وتساءلت مجددا: هل المعدة هى الداء.. وهل تؤثر على المخ؟.. ثم تذكرت مصير مارى أنطوانيت وشهادتها للتاريخ ــ فى الدور الأول ــ قبل أن تذهب إلى المقصلة، وآثرت الصمت.

التعليقات