لماذا مدائن العقاد؟! (3) - رجائي عطية - بوابة الشروق
السبت 25 يناير 2020 7:08 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

لماذا مدائن العقاد؟! (3)

نشر فى : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:20 م

فى تشعبات الأستاذ العقاد، كتب فى 23 مايو 1922 مقالا نُشر بالأهرام عن «معرض الصور»، شاملة اللوحات الفنية التى كان يطلق عليها هذا الاسم، خلافًا للصور الضوئية أو الفوتوغرافية.
ولا شك أن القارئ الذى لم يطلع إلا على إنتاج العقاد فى الثلاثين سنة الأخيرة من حياته، سيدهشه أن يرى العقاد ناقدًا فنيًّا، فهو لم يعهده ــ فيما طالعه له ــ إلا مفكرًا يهتم بالأديان بعامة، وبالإسلام بخاصة، ويغوص فى بحار الفلسفة والشعر والأدب، ولم يعهده ناقدًا فنيًّا يهتم بالفنون الجميلة، ناهيك بأن يكون ناقدًا لها.
بمقال «معرض الصور»، وضمه العقاد إلى مجموعة «مطالعات فى الكتب والحياة»، نراه يتناول معرضًا للصور أو اللوحات الفنية، ويقدم له بأن لكل فن من الفنون الجميلة أسرارًا تكاد تكون موقوفة على الخاصة من أبنائه، قَلَّ أن يشاركهم أحد فى استكناه محاسنها. فنابليون مثلًا ــ وكما يؤخذ من سيرته مع بعض نوابغ الموسيقيين فى عصره ــ لم يكن له بصر يؤبه له بالموسيقى والغناء رغم ذكائه وسعة فكره ونجابته فى فنون الحرب. والفيلسوف الألمانى الشهير «كانت»، كان بدوره لا يدرك من جمال التحف الفنية أكثر مما يدركه واحد من أوساط الناس، برغم أنه من الرعيل الأول ذوى المكانة بين الفلاسفة. فما الظن بمن كان دون هذين عقلا وقدرًا؟!
أجل نرى كثيرين يعجبون بمبدعات الفنون الجميلة، ولكن ذلك ليس بحجة على أنهم حذقوا أسرارها وأتقنوها، أو أحاطوا بالمعانى والدقائق التى يحملها العمل الفنى.
ولذلك كان واجبًا أن تلقى الأعمال الفنية ما تستحقه من التقدير والتعاطف من الجمهور، ليلقى مبدعوها ما يستحقونه من التقدير، ولتجد هذه الأعمال الفنية فرصتها فى الوصول إلى المتلقين.
أضاف العقاد أن معرض فن التصوير الذى أقيم فى ذلك العام، لم يلق رواجًا ولا اهتماما من الجمهور بمتابعته، وقيل إن معرض العام الماضى لم يتلق عونًا أو دعمًا لإقامته سوى أربعمائة جنيه تبرعًا من بعض السيدات، واستعان بهذه الهبات على نفقاته، وأن هذا كان سببًا فى قلة اهتمام المصورين بمعرض العام الأخير.
هل للسياسة دخل فى هذا؟ هل توجد علاقة ما بين الحياتين السياسية والفنية؟ إن معرض العام الماضى
(1921) صادفه حراك فى الحركة السياسية وكانت النخوة القومية على أشدها، فسرت منها سارية حياة إلى معرض الصور الفنية، فانتعش وأصابه من حرارتها قبس صالح، أما العام الحاضر (1922) فقد فترت تلك الحرارة وهدأت تلك الحركة ــ فهل هذا هو سبب ضعف الإقبال على الفن؟!
ليس صوابًا أن يتوقف تقدم الفنون على مجرى الحياة السياسية أو على برامج الساسة، فذلك ضار.
* * *
يلاحظ العقاد أنه على قلة الصور أو اللوحات المعروضة فى ذلك العام، فإنها قد خلت من الصور الرمزية الناتجة من قريحة المصور وخياله، فكل اللوحات المعروضة منقولة عن الطبيعة، أو كأنها منقولة عن الطبيعة.
ومثل هذه اللوحات الطبيعية ــ ليس لها كبير قيمة، ولا تشهد للمصور بملكة فنية إلاّ فى حالة واحدة وهى الحالة التى يلتفت فيها المصور إلى «ملامح نادرة» أو «دلالة خاصة» على الصفات النفسية والخوالج العميقة، تستفاد من ظاهر الملامح، ففى هذه الحالة تنشئ الملكة الفنية الملامح النادرة وتجسد المعانى العميقة من الأشكال المحسوسة.
أول اللوحات ــ أو الصور ــ التى اختارها العقاد لإبراز رأيه فيها، لوحة «رأس الخفير» للأستاذ أحمد صبرى، رآها من أبدع الصور من نوعها، فإن الناظر ليعجب ماذا يكون فى رأس هذا الخفير من الأفكار والمشاغل غير ما تتصفحه العين لأول وهلة على وجهه وتنقله الريشة؟ فهو رأس فارغ أخذ منه المصور كل شىء حين أخذ منه على اللوحة شبهه الظاهر ولم يبق فى ذلك الرأس بقية صالحة للإطلال عليها.
واختار العقاد لوحة أخرى للأستاذ أحمد صبرى، هى لوحة «الغلام المشرد»، ففيها يرى الناظر مخايل نجابة يعمل فى إطفائها البؤس، ويلمح مخايل المستقبل الذى أعدته الطبيعة لنفس ذكية بالغة، تصارع بين أيدى المدنية الجائرة. ولعينى الغلام فى الصورة المحزنة نظرة منحرفة ساجية ليس أحسن منها فى الدلالة على اطمئنان هذا المسكين على كره منه إلى الحياة القلقة والعيشة المضطربة!
جدير بالذكر، أن العقاد كان يحمل تقديرًا خاصًّا للأستاذ الفنان أحمد صبرى، ورثاه بمقال رائع لدى وفاته، وقد أعيد نشره فى ديوان «ما بعد البعد» الذى ضم بعد وفاة العقاد ـ ما كان قد فات جمعه من أشعاره فى الدواوين العشرة السابقة، وأضيف إليه بعض المقالات التى كتبها فى رثاء أحمد صبرى ومحمد حسين هيكل وأحمد لطفى السيد وعبدالرحمن شكرى وحافظ إبراهيم، وآخرين.
ويضاهى لوحتى صبرى، ولا يقل عنهما فى إتقان الأداء والتجسيد، لوحة «رشاد باشا مدير أمن الدقهلية» لصاحبها الأستاذ محمود سعيد بك. فقد وفق فى تجسيد المتناقضات التى تدور حول المنصب ومشاعر شاغله، فجاءت الصورة أو اللوحة ــ ناطقة بما وراءها من الخصال والعادات.
ومما أعجبه لوحتان أخريان، إحداهما للمسيو «سكار سللى» عن فلاحة مصرية مشرب وجهها المشرق ببشاشة العافية وصباحة الشباب للدم العربى المصرى الذى يُرى بكثرة فى أقاليم الصعيد الدنيا وفى قليل من قرى الريف المصرى. أما اللوحة الثانية، فهى من عمل المسيو «كمباجولى» لسيدة أجنبية بين الخامسة والثلاثين والأربعين، ولكنها تأتزر بالملاءة التركية وتتلثم بنقاب شفاف تلوح من خلفه ابتسامة كيسة مهذبة يخالطها ملل خفيف قد يكون من ملل الترف والنعمة، فضلا عن أنه بادٍ فى كل لمحة أنوثة المرأة التى تريد أن تكون أمًّا ولا تشبع من إحساس الأمومة.
وفى المعرض صورتان تغريان بالمقارنة لما بينهما من صلة فى الغرض والفكرة.. وكلتاهما صورة «شيخ فانٍ»، قد بلغ غاية الكبر وأشرف على حافة الأبدية. إحداهما تصوره فى سكينته وارتخاء نظرته كأنما يحيط به جو من التساؤل الهادئ عن الماضى والمستقبل. أما صورة الشيخ الآخر فكل ما يحيط به جو من استسلام مطلق قد أعاده إلى رضا الطفولة وخرج به عما كان ويكون. صورة الشيخ الأول تتمثل للناظر كأنها قطعة من السحاب يتخلله الشعاع الباهت وزعه الفنان المصور على اللوحة ملامح وظلالا وأسبل على كل جانب منها مسحة غيمية مبهمة تومئ بالتأمل فيما تنتهى إليه الشيخوخة من غدٍ غامض الأسرار. وصورة الشيخ الثانى لا سرَّ لها ولا جهر، ولا شباب وراءها ولا غاية أمامها، وإنما هى بنت ساعتها قد نام صاحبها عن العالم. صنع الصورة الأولى مسيو «بواريه»، وصنع الصورة الثانية الأستاذ «يوسف كامل».
ولا يختم العقاد مقاله النقدى الفنى، بدون التنويه بعملين بارزين قدما فى المعرض، من الأعمال الجديرة بالالتفات والاستحسان. الأول لتماثيل «رقصة البشنين» للأميرة سميحة طاهر، والثانى «الصورة الهزلية» التى رسمها العمرى بك بطريقة المكعبات.
تماثيل الأميرة تومئ إلى وجهة اجتماعية، فضلا عما فيها من جمال الفن والصناعة، وإيماءة فى أدائها تناسب المصريات عن ضروب الرقص الإفرنجية والعربية، وقد كانت للمرأة عندنا رقصة شائنة مستهجنة أبطلها ترقى الآداب والأذواق، ولكن ذهبت ولم تخلفها رقصة نسوية تليق بآدابنا وأذواقنا فى نهضتنا الحاضرة ــ آنذاك.
يعقب العقاد بأن الرقص نشأ فى جميع الأمم الفتية على أسلوب واحد، يجمع بين الرياضة البدنية وإظهار مزايا الجسم.. فى الرجل والمرأة على السواء. وذلك ملحوظ فى رقص الشعوب البدوية، فيقف الرجل فى حلقات الرقص يثب ويطفر ويعدو ويلعب بالسيف ويأتى بالحركات التى تومئ إلى شجاعته وشدة مراسه، بينما تقف المرأة فى الحلقة نفسها فتظهر ما وهبها الله من رشاقة الأعضاء وطراوة الجسم ولين الحركة واعتدال الهندام وملاحة اللفتات والخطوات، وعن «رقصة البشنين» موضوع الصورة أو اللوحة، فإنه ليس أجمل ولا أكمل منها ــ فيما يبدى العقاد ــ فى التعبير عما يناسب عراقتنا ونهضتنا.
لم يكن هذا المقال، هو كل نشاط العقاد فى النقد الفنى وفى استطلاع الجمال، فضمت مجموعة المطالعات فى الكتب والحياة مقالات أخرى شفت عن اتساع وعمق نظرة العقاد منذ بواكير شبابه.

التعليقات