«إن شئت كما فى السماء» - خالد محمود - بوابة الشروق
السبت 25 يناير 2020 3:31 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

«إن شئت كما فى السماء»

نشر فى : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:20 م

هل هناك فرصة للسينما العربية فى المنافسة على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبى، رغم ضراوة السباق هذا العام؟ نعم، وتكمن الاجابة عن السؤال الشائك فى فيلم إيليا سليمان «يجب أن تكون الجنة» أو «إن شئت كما فى السماء»، الذى يُمثل سينما تملك كل المواصفات المبهرة بعمق أسلوبها وإبهار صورتها، لم نعهدها من قبل فى أفلامنا العربية التى تظل ينقصها شىء لتنتزع الآهات.
ظل إيليا سليمان فى أفلامه أسيرا لقضية وطن، هو فلسطين، وبشر تائهون على تراب أراضيهم، يدغدغون مشاعر بعضهم البعض، يسكنهم اليأس، بينما هو فى فيلمه الجديد يقفز بهم إلى عنان الكون كله، وكأنه يجعل كل من فى العالم فلسطينيين، تؤلمهم نفس جراح اللا وطن بلغة صامتة وأداء ساخر، وصورة تحمل أقصى درجات التأمل، حيث يلعب المخرج دور البطل فى فيلمه، يتنقل بين أوهامه وأحلامه من نابلس الحزينة، وباريس الجميلة ونيويورك المجنونة.
يبدأ فيلم إيليّا سليمان بأنشودة دينيّة تبشّر بقيام العالم من بين أمواته، وحلمٍ استمر بضعة عقودٍ من الزّمن فى فوضى حان الوقت لتقرير مصيره.
يأخذنا المشهد الافتتاحيّ ضمن حالة من الطّقس الدّينى، ليكسرها ببضع لقطات تتكرر وتتمحور فى بضع شخصيات تصر على الارتباط بالأرض، عوضًا عن السّماء ووعودها، وهنا تشرع بنا الكاميرا فى مسيرة تمشى بنا من فلسطين حتى أمريكا الشمالية، عبر أوروبا، المُستَعمَرين والمُستَعمِرِين تباعًا، تراقبها عينا إيليا سليمان عبر حضورها السّينمائى المتأمل وهى تمثل الشخصية التى ترافق وتراقب انحلال العالم.. تستوعبه بصريًا وذهنيًا، لنتأرجح ما بين الهاوية والجنّة، ما بين الهلع والثبات، ما بين الاستسلام للفظ الأنفاس الأخيرة، والتمسك بالحياة، ما بين كفر وإيمان. فى الفيلم، فلسطين هى تلك الآلهة الّتى نؤمن ونكفر بها سواء.. تلك الآلهة الموجودة فى كلّ مكان بل وتلعن وجودنا عندما نتركها شريدة.
فى مشهد مهم يركب سليمان التاكسى يجوب شوارع نيويورك، ولم ينطق بكلمه سوى «أنا من الناصرة، من فلسطين»، ونرى السائق الأسود يطوف به مجانا كونه فلسطينيا. تتجلى لوحات الفيلم الشاعرية فى حدائق الزيتون، لنرى بشرا يسيرون وهم يحملون قفة زيتون فارغة ويضعونها أرضًا واحدةً بعد أخرى، بثقة، لنعود إليها فى نهاية الفيلم عائدةً، تلملم سلالها، فارغةً كانت أم ممتلئة، بخطوات ثابتة ومطمئنّة، كأنّ شيئًا لم يستجد منذ الازل، دون أن تكون هناك إجابة عن وجودها وكيانها المستقبلى كوطن.
فى شوارع باريس المدينة التى لا ترحم الضعفاء، نرى جميلات يترجلن ويترنحن؛ وفى نيويورك نشاهد امرأة تهرب فى حديقة عامّة بألوانها على جسدها، يطارها رجال شرطة فى امريكا، وطوال الوقت نشاهد سيارات الشرطة ورجال أمن وأصواتا وصورا لطائرات قريبة تحلق سواء فى فلسطين أو باريس أو أمريكا وطابور دبابات تعبر شوارع فارغة وكأنها تطارد هذا الفلسطينى أينما ذهب لتنقضّ عليه، لكنّه يفلت منها تمامًا، كما أفلت فى فيلم «يد إلهيّة»، وفى «الزّمن الباقى»، يروى حكايته للمشاهد عن فانتازيا الحياة وبداهتها عن شعوب جاهزة للتناحر، فيما بينها أو أن تكون ظلا لما تبقى فى شوارعها.
فى أحد مشاهد الفيلم داخل بار، يقول شخص لسليمان «العالم كله يشرب لينسى، أنتم الشعب الوحيد الذى يشرب ليتذكر اسوة بالعاشقين» ايليا سليمان ــ الذى ادار ظهره للعالم فى مشهد يقف فيه امام البحر وكأنه يدين الجميع ــ أبدع فى كل مفردات الفيلم من إيقاعٍ متأنٍ يأخذنا رويدًا رويدًا إلى عمق القضية، بصمت يسود معظم الوقت، وحكايات قصيرة تنحدر من سماء الفيلم، لتملأ شاشته عبر مونتاج يحاكى الحياة بعبثيّتها وبصمتها وضجيجها وإيقاعها المحسوب، حياتيًا وسينمائيًا، والّتى نعيشها من دون أن نعيها.
الإخراج متقَن بنقله واقعا فانتازيا أبعد من الخيال لنجلس فى حضرته، تارةً يتملكنا الاكتئاب، وتارة اخرى مفعمين بابتسامة تأمل تحول يأسنا إلى نكتة صامتة، ننتظر أن تنتهى أو ننتهى معها.
سليمان ــ بحق ــ مايسترو من نوع آخر؛ لإحداثه انقلابا فى معزوفة العمل السينمائى صورة ومضمونا، عبرت عنه مشاهد تعبيرية صامتة، وكأنها لوحات تشكيلية وممثل وحيد وبعض الوجوه يكملون المشهد، وكذلك الفكرة والمعنى الذى تسرب إلى داخلنا كمشاهدين من إحساس بالغربة.
هى خلطة عرفناها لدى سليمان فى «سجل اختفاء» و«يد إلهية» و«الزمن الباقى»، وشاهدناها اليوم بفيلم أهمّ ما فيه أنه كان شديد التأثير بفنياته، وخاصة فى طرحه لمسألة الترحال، حيث يتساءل سليمان ونحن معه إن كان حال الترحال الذى يعيشه، قد أخمد حبّه لمكان واحد وامتد به إلى أمكنة أخرى، أم يشعر بأنه بات غريبا تماما مهما اختلف المكان، طبعا سليمان الصامت تماما لا يجيب، واكتفى أن يعود إلى مكانه الأول، حيث بيته وجيرانه فى الناصرة مسقط رأسه، المدينة التى يصيب ساكنيها الملل والغضب والاحباط.
قادتنا الموسيقى الحزينة بالفيلم إلى إحساس كبير بالشجن، واستعان المخرج بطبيعة الحال بأغنية عبدالحليم «شغلونى وشغلو النوم عن عينى ليالى، ساعة أبكى وساعة يبكى على حالى»، وأغنية نجاة «باحلم معاك.. بسفينة وبموجة.. ترسينا ونبحّر تانى.. الريح تعاند.. العالم كله بأسراره عايش وياى.. عايش جواى.. طول ما انت فى الرحلة معاى.. اسمك واسمى يا حبيبى.. مدينتى وحكايتى.. سكنى وترحالى». وينهى سليمان فيلمه على صوت كلمات اغنية «عربى أنا اخشينى.. الويل إذا أحببتينى».
الفيلم بحق سيمفونية سينمائية أدهشت العالم، وصفق له جمهور «كان» عشر دقائق متواصلة.. وينتظر تصفيقا جديدا بعد صعود اسمه للترشح للقائمة القصيرة بالاوسكار المقبل.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات