مصالح متضادة: أسباب تصاعد حرب التصريحات بين ماكرون وأردوغان - العالم يفكر - بوابة الشروق
السبت 25 يناير 2020 8:11 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

مصالح متضادة: أسباب تصاعد حرب التصريحات بين ماكرون وأردوغان

نشر فى : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:15 م


نشر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة مقالا للكاتب كرم سعيد.. نعرض منه ما يلى:

دفعت الانتقادات التى وجهها الرئيس الفرنسى «ماكرون» للعملية العسكرية التى نفّذتها تركيا فى أكتوبر الماضى ضد وحدات حماية الشعب الكردية شمال سوريا، الرئيس «أردوغان» إلى مهاجمته، واصفًا إياه بأنه «فى حالة موت دماغى»، وهو الأمر الذى اعتبرته باريس إهانة، واستدعت السفير التركى لديها.
وتكشف التصريحات والتصريحات المضادة عن حجم التوتر فى العلاقات بين البلدين، كما كشفت عن تعقيدات الحل للملفات الشائكة بينهما، ولا سيما موقف باريس الداعم بقوة للقضية الكردية، فضلًا عن انتقاد فرنسا لملفات الديمقراطية والحريات فى تركيا.
لا يمكن القول إن انتقادات «ماكرون» للتوغل التركى فى الشمال السورى هى فقط التى تقف وراء تصاعد التوتر بين البلدين؛ إذ إن هناك العديد من الملفات العالقة وهو ما يمكن بيانه على النحو الآتى:
1ــ إدارة الأزمة السورية: تعد إدارة الأزمة فى سوريا الملف الأكثر تعقيدًا فى العلاقات الفرنسية ــ التركية، إذ خيّم التوتر على علاقات البلدين بشأنها، خاصة فى ظل قوة الموقف الفرنسى الرافض للتوغل التركى فى مناطق شرق الفرات، فقد أكد «ماكرون» ضرورة وقف عملية «نبع السلام» ضد وحدات حماية الشعب الكردية، ووصفها بـ«الجنون»، كما اعتبر عملية «غصن الزيتون» التى شنتها تركيا فى منطقة عفرين السورية؛ حيث الغالبية الكردية «غزوًا».
وفى الوقت الذى تعتبر فيه أنقرة وحدات حماية الشعب الكردية جماعة إرهابية، فإن فرنسا تثمن دورهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وظهر ذلك فى لقاء «ماكرون» فى أكتوبر الماضى مع «جيهان أحمد» المتحدثة باسم «قسد». وتعتقد باريس أن عسكرة الأزمة فى شرق الفرات، ربما يؤدى إلى إرباك لتوازنات القوة على الساحة السورية لغير مصلحتها، خاصة أن انسحاب القوات الأمريكية من مناطق شرق الفرات قبل بدء التوغل التركى الأخير، ربما يعنى إجبار القوات الفرنسية والبريطانية على الانسحاب من الشمال السورى، نظرًا لأنهم يعتمدون على الدعم اللوجيستى الأمريكى. ومن هنا، يبدو أن معارضة فرنسا للانخراط التركى شرق الفرات، يأتى ضمن الخوف من التأثير على دورها فى المنطقة، وإضعاف نفوذها، وهو الخيار الذى يمكن أن يفرض عواقب وخيمة على مستقبل دور الاتحاد فى المنطقة.
2ــ ترحيل الدواعش: ترفض فرنسا سلوك أنقرة بتعظيم الاستثمار فى ملف الدواعش الأجانب للحصول على موارد مالية إضافية من الغرب من جهة، ومن جهة أخرى التهديد بتسهيل نقل عناصر «داعش» إلى أوروبا بهدف الحصول على موافقة الاتحاد على المقترح التركى بإنشاء منطقة آمنة فى شمال سوريا، وإسكات الأصوات المناهضة لعملية التغيير الديموغرافى فى مدن شرق الفرات لإحلال العنصر العربى على حساب التركيبة الكردية لهذه المدن.
وبينما اتجهت تركيا إلى إعادة مقاتلين متشددين من تنظيم الدولة الإسلامية إلى أوطانهم، تصر فرنسا على وضع آلية قضائية قادرة على محاكمة الدواعش الفرنسيين على الأراضى العراقية بعد نقلهم من سوريا، مكتفية باسترجاع نحو 100 من أطفال «داعش» المحتجزين لدى الإدارة الذاتية لقوات سوريا الديمقراطية.
3ــ عسكرة شرق المتوسط: لا تزال تركيا تمارس نشاطات غير قانونية فى منطقة شرق المتوسط للتنقيب عن الغاز والطاقة قبالة سواحل قبرص من دون اتفاقيات قانونية تحدد مناطقها الاقتصادية الخالصة وشواطئها البحرية.
وفى هذا السياق، أعلنت فرنسا رفضها القاطع لأعمال التنقيب التركية فى شرق المتوسط، واصفة إياها بغير القانونية، وظهر ذلك فى تحذير الرئيس «ماكرون»، فى 22 أغسطس 2019، عشية لقائه رئيس وزراء اليونان فى باريس، من أعمال التنقيب عن الغاز التى تقوم بها قبالة سواحل جزيرة قبرص، مؤكدًا عدم تهاون بلاده والاتحاد الأوروبى مع الأمر
والأرجح أن الرفض الفرنسى لسلوك أنقرة يعود لاعتبارات عدة، منها توقيع شركة «توتال» الفرنسية على عقود مع قبرص اليونانية للتنقيب عن مكامن الطاقة. كما وقعت باريس فى مايو الماضى مع نيقوسيا اتفاقية تنص على «التعاون فى المنطقة المتنازع عليها بشرق المتوسط»، وبموجب الاتفاقية تكون فرنسا «مجبرة على دعم قبرص عسكريًّا فى حال قامت تركيا بأى عمل عسكرى ضد قبرص». كما أسست البحرية الفرنسية قاعدة عسكرية جنوب قبرص اليونانية، وهو ما يؤكد عمق المصالح التى تربط البلدين، ويعزز مناهضة باريس لأعمال التنقيب التركى.
لذلك، دعمت فرنسا التوجه الأوروبى فى يوليو الماضى نحو تمديد عقوبات على أنقرة لمواصلتها أعمال التنقيب غير القانونية قبالة سواحل قبرص، فى الصدارة منها اقتطاع 145,8 مليون يورو من المبالغ الأوروبية التى يُفترض أن تستفيد منها تركيا عام 2020.
4ــ مستوى الحريات: تتصاعد المخاوف الفرنسية من تراجع حرية التعبير والصحافة وأوضاع حقوق الإنسان فى تركيا. والواقع أن الانتقاد الفرنسى للسلوك القمعى فى الداخل التركى لم يكن جديدًا أو هو الأول من نوعه، ففى مايو الماضى أبدت فرنسا استياءها من التراجع فى مستوى الحريات فى تركيا، خاصة بعد إدانة القضاء التركى 5 صحفيين، بينهم مراسل سابق لصحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية.
سلوك «ماكرون» الناقد للملف الحقوقى التركى دفع تركيا إلى اتهامه بأنه يتصرّف مثل «الديك الصيّاح». وتصاعدت حدة التوتر خاصة مع اتهام باريس للنظام التركى بالسعى إلى تأميم السلطة، وتفصيل المشهد على مقاس طموحات الرئيس «أردوغان»، من خلال التعديلات الدستورية التى تم تمريرها فى أبريل 2017، وحولت البلاد لجهة النظام الرئاسى.

مظاهر كاشفة
اتّساع نطاق التوترات بين فرنسا وتركيا خلال الفترة الأخيرة بسبب التباين فى التعامل مع بعض القضايا الرئيسية، كشفت عنها العديد من المؤشرات:

1ــ الاعتراف بالإبادة الأرمنية: دخلت العلاقة مناخ الشحن بين أنقرة وباريس على خلفية إعلان الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون»، فى 13 أبريل الماضى، عبر مرسوم رئاسى يوم 24 أبريل «يوم ذكرى إبادة الأرمن» ليحقق بذلك أحد تعهداته التى قطعها أثناء حملته الرئاسية فى عام 2017. وأثار هذا القرار غضبًا تركيًّا عارمًا وتنديدًا من قبل أنقرة، لا سيما وأن الجمعية الوطنية الفرنسية كانت قد اعترفت بمجازر الإبادة فى عام 2011. والواقع أن تخصيص يوم وطنى للأرمن فى فرنسا قد يسهم فى تسريع فتح الباب أمام مطالبة أنقرة بتعويضات مالية، ناهيك عن مطالب بإعادة الممتلكات الأرمنية، وهو ما ترفضه أنقرة، وتعتبره يتعارض مع الحقائق التاريخية.
2ــ منع دخول الأئمة: تشهد العلاقات الفرنسية ــ التركية توترًا كبيرًا منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام، بفعل تصاعد الأدوار السلبية للأئمة الأتراك فى فرنسا، وخاصة التابعين للاتحاد الإسلامى التركى «ديتيب». واتجهت فرنسا فى الشهور الماضية إلى الاستغناء عن توظيف الأئمة الأتراك فى مساجدها منعًا لترويج نسخة الإسلام السياسى المتشددة، ناهيك عن تراجع صورة الأئمة الأتراك بعد تورطهم فى فضائح تجسس لمصلحة حكومة العدالة والتنمية.
كما وعد الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» فى أبريل 2019، بألا يكون هناك أيّ «تهاون» فى مواجهة أولئك الذين يريدون فرض «إسلام سياسى يسعى إلى الانفصال» عن المجتمع الفرنسى. كما وبّخت فرنسا فى مايو الماضى على لسان وزير التعليم الحكومةَ التركية ردًّا على سعى أنقرة نحو تأسيس مدارس دينية فى فرنسا.
وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا تُجرى تخفيضًا فى عدد الموظفين الدينيين الأتراك القادمين إليها تدريجيًّا اعتبارًا منذ عام 2015، ليتم الاستعاضة عنهم برجال دين من داخل فرنسا.
3ــ التصريحات والبيانات المضادة: وصف الرئيس «ماكرون» التدخل العسكرى التركى فى شرق الفرات بـ«الغزو» تارةً، وبـ «الجنون» تارة أخرى. كما أصدرت باريس تعليمات لسفراء فرنسا بالخارج بعدم حضور اليوم الوطنى لتركيا فى أكتوبر الماضى. كما لم توجه الدعوة لأنقرة هذا العام لحضور الذكرى السنوية لهدنة «كومبين» فى 11 نوفمبر من كل عام، والتى بموجبها تم إنهاء الحرب العالمية الأولى.
فى مقابل ذلك، وبّخت أنقرة باريس فى تصريحات مضادة، فبينما وصف «أردوغان« فى 29 نوفمبر الماضى نظيره الفرنسى «إيمانويل ماكرون»، بأنه «ميت دماغيًّا»، مضيفًا: «يجب عليك أن تتحقق مما إذا كنت تعانى من الموت السريرى»؛ فقد شبه وزيرُ الخارجية التركى الرئيسَ الفرنسى «ماكرون» بأنه «ديك يصيح»، وذلك ردًّا على انتقادات باريس للتضييق فى المجال العام داخل تركيا.

مسارات محتملة
تتمثل أهم المسارات المحتملة المتوقعة للعلاقات بين فرنسا وتركيا فيما يلى:

1ــ تكثيف الضغوط: لا تزال فرنسا تُعارض الانخراط التركى فى سوريا ومنطقة شرق المتوسط، وتعتبر السلوك التركى بشأن عدد من الملفات العالقة عملًا أحادى الجانب يهدد بتقويض استقرار المنطقة. ولذلك قد تتجه فرنسا إلى محاصرة تركيا دوليًّا عبر تكثيف الضغوط فى المؤسسات الدولية والإقليمية، وتجلى ذلك فى الضغط على دول الاتحاد الأوروبى لعدم إصدار تصاريح تصدير أسلحة جديدة إلى تركيا ردًّا على توغلها فى شرق الفرات، باعتباره يقوض الاستقرار الإقليمى، ويتسبب فى معاناة المدنيين.
2ــ تعزيز التفاهمات: تقوم السياسة الخارجية للدول على المصالح والعلاقات الدولية؛ ولذلك قد تسعى أنقرة وباريس إلى إنتاج مواقف متناغمة تجاه أحداث المنطقة بفعل تقاطعات المصالح المشتركة.
وفى هذا السياق، تدرك باريس وأنقرة حاجتهما إلى بعضهما، فالأولى تعى أهمية التعاون مع تركيا لمواجهة الارتدادات السلبية للأزمات الإقليمية، وبخاصة موجات اللجوء والهجرة غير الشرعية. كما أن تزايد حالات فرار عناصر «داعش» بعد عملية «نبع السلام» أدى إلى زيادة مخاوف دول الاتحاد من احتمال وقوع هجمات إرهابية داخل أراضيها، وهو ما يفرض ضرورة مواصلة التنسيق مع تركيا التى تمثل أحد الممرات الآمنة لعبور الإرهابيين إلى أوروبا.
فى المقابل، فإن تركيا لا تزال تبدى اهتمامًا خاصًّا بشأن تجدد مفاوضات عضوية الاتحاد الأوروبى الذى تقوده فرنسا وألمانيا، إضافة إلى حاجة تركيا للمساعدات المالية الأوروبية لمحاصرة أزمتها الاقتصادية، وتدرك أنقرة أن تمرير الدعم المالى الأوروبى لن يتم دون موافقة فرنسية.
النص الأصلى:من هنا

التعليقات