لهذا ستبقى قوة أمريكا... مع الأسف - أشرف البربرى - بوابة الشروق
الأحد 5 يوليه 2020 2:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

لهذا ستبقى قوة أمريكا... مع الأسف

نشر فى : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:20 م

الدولة التى تنتصر فيها المحكمة العليا لحرية الصحافة وحق المواطن فى المعرفة على حساب أى مؤسسة أخرى من مؤسسات السلطة التنفيذية حتى لو كانت تلك المؤسسة هى الجيش الأمريكى الذى يخوض «الحرب ضد الإرهاب فى أفغانستان نيابة عن الإنسانية كلها» ستظل أقوى دولة فى العالم تحكمه وتتحكم فى مصائره حتى إذا كانت سياستها الخارجية تفتقد إلى قيم الحرية واحترام حقوق الإنسان التى يتمتع بها الإنسان الأمريكى.
هذه الحقيقة تؤكدها التجربة الأمريكية خلال القرن العشرين كله. فقبل نحو 50 عاما، حاولت وزارة الدفاع الأمريكية فى عام 1971 منع صحيفة واشنطن بوست من نشر وثائق تكشف أكاذيب الحكومة عن حرب فيتنام وتحاول تغطية فشلها هناك، فتدخلت المحكمة العليا الأمريكية وأكدت أن حرية الصحافة وحق المواطن فى المعرفة إحدى دعائم الأمن القومى، الذى لا يتحقق بالتستر على فشل قيادات الجيش حتى إذا كان الجنود يحاربون على الأرض.
ومرت السنون ودخل الجيش الأمريكى مستنقع الحرب فى أفغانستان عام 2001 تحت شعار الحرب على الإرهاب، وتسترت القيادة والسلطة فى أمريكا على كوارث الحرب المستمرة منذ 18 عاما تقريبا لتصبح الحرب الأطول فى تاريخ أمريكا، وتحصل صحيفة واشنطن بوست على وثائق واعترافات تكشف عمليات التضليل التى مارسها المسئولون الأمريكيون مع الشعب لتقديم صورة وردية غير حقيقية عن إنجازات الحرب فى أفغانستان.
ومرة أخرى حاولت السلطة الأمريكية منع «واشنطن بوست» من نشر هذه الوثائق بدعوى الحفاظ على الأمن القومى والروح المعنوية للجنود الذين يحاربون الإرهاب، وغير ذلك من كلام الحق الذى لا يراد به إلا كل باطل، ولكن المحكمة العليا عادت وأكدت مرة أخرى أن حرية الصحافة وحق الشعب فى المعرفة أهم من التستر على فشل القادة والسلطة.
هكذا، قد تخرج أمريكا من الصراع العسكرى مهزومة مكسورة لكنها تستطيع تصحيح خياراتها وتجاوز كبوتها لتظل أكبر قوة فى العالم بفضل إعلام حر قادر على مراقبة السلطة وتصويب أخطائها، ومن وراءه قضاء ينحاز إلى مواد الحقوق والحريات فى الدستور الأمريكى نصا وروحا، فلا يتماهى مع السلطة التنفيذية ضد الإعلام وحريته.
فأمريكا المهزومة فى فيتنام قبل نحو 50 عاما والمتعثرة فى أفغانستان الآن لم تتفكك كما تفكك الاتحاد السوفيتى، عندما انهزم فى أفغانستان، رغم أنه كان يمتلك أكبر ترسانة عسكرية فى العالم، لكن لم تكن لديه صحيفة «واشنطن بوست» ولا محكمة عليا قادرة على تأكيد حق الإعلام فى النشر وحق الشعب فى المعرفة ومحاسبة السلطة التنفيذية وتصويت أخطائها، بل كانت لديه صحيفة «برافدا ــ أو الحقيقة» التى لم تكن تنشر إلا أكاذيب السلطة.
إذن فأمريكا الظالمة المنتهكة لحقوق الإنسان فى العديد من مناطق العالم وبخاصة فى عالمنا العربى المنكوب بسياساتها المنحازة لكل ما هو شرير وفاسد، ما زالت قادرة على البقاء كأقوى قوة فى العالم بفضل قوة إعلامها وانحياز قضائها لقيمة الحرية والحق فى المعرفة.
الدرس الأمريكى الواضح يقول إن شعارات «الأمن القومى» و«طبيعة المرحلة الحرجة» و«عنق الزجاجة» و«ضرورة الاصطفاف الوطنى» وغير ذلك من الكلام الأجوف الذى يستهدف محاصرة الإعلام الحر وحرمان الشعوب من حقها فى المعرفة هى أقصر الطرق نحو التفكك والانهيار، وإن كان أفضلها لكى يستمتع من فى السلطة بمغانمها، وأن وجود إعلام حر ومستقل قادر على كشف أخطاء السلطة وتصويبها شرط لا غنى عنه لبقاء الدولة نفسها وحمايتها من التفكك، وليس العكس كما يروج البعض.

التعليقات