كلام استباقى فى الشأن العام - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
السبت 25 يناير 2020 7:53 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

كلام استباقى فى الشأن العام

نشر فى : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 9:10 م

«مؤتمر الشأن العام»، المزمع انعقاده مطلع العام المقبل فى مصر، تعترضه أسئلة جوهرية تستوجب الإجابة عليها إذا ما أريد له قدر من النجاح يساعد على بناء أكبر توافقات ممكنة أمام تحديات وأزمات بعضها وجودية.
ما تعريف الشأن العام؟
هذا سؤال أول.
ما طبيعة المؤتمر وأهدافه ونقاط التركيز فيه؟
هذا سؤال ثان.
ما مدى انفتاحه على الخبرات والكفاءات فى مجتمعه واتساع أفقه للتنوع الطبيعى فى الاجتهادات ومواقع النظر المختلفة؟
هذا سؤال ثالث.
ما حدود طاقته على تحريك المياه الآسنة فى الحياة العامة ورفع منسوب الأمل بالمستقبل؟
هذا سؤال رابع.
وما الإجراءات المسبقة التى تساعد فى تغيير البيئة العامة المسمومة بما يتجاوز المؤتمر واحتمالات نجاحه؟
هذا سؤال خامس وحاسم حتى يكتسب الكلام جديته وحرمته.
إذا ما اتسقت الإجابات مع التحديات، فإنه مسار آمن يضمن سلامة الدولة وأمنها وتماسك مواطنيها بعيدا عن أى مخاوف وتساؤلات بشأن المستقبل وما قد يحدث فيه.
وإذا ما خاصمت الإجابات التحديات، فإن النتائج معروفة سلفا.
بقدر بداهة تعبير «الشأن العام» لا يوجد تعريف جامع مانع له.
المقصود به كل ما يتجاوز الاهتمامات الخاصة إلى الشواغل المشتركة للمواطنين.
كل ما يتحرك فى مجتمع ما، مؤثرا بدرجات مختلفة بقطاعات ملموسة فيه، شأن عام.
التعبير فضفاض إلى حد أنه يحتمل أن تدرج تحته كل القضايا والملفات باختلاف درجات أهميتها وخطورتها من أزمات الاقتصاد والإعلام والثقافة والفن والرياضة والحياة الحزبية والخطاب الدينى، إلى أزمات الإقليم والنيران المشتعلة فيه والحرب على الإرهاب فى سيناء وسد النهضة الأثيوبى وصولا لأزمات النظام الدولى وما يترتب عليها من انقلابات استراتيجية فى هذا الإقليم الذى نعيش فيه.
بنظرة موضوعية فإن الشواغل السياسية مثل أوضاع الحياة الحزبية وقوانين الانتخابات العامة لا تمثل أى أولوية عند المواطن العادى، فالأوضاع الاجتماعية لها أولوية لا تنازع.
رغم ذلك لا يوجد مدخل أهم من المدخل السياسى فى قضايا «الشأن العام».
السياسة ووسائلها المفتاح الضرورى لأى نقاش جدى، أو أى تصويب ممكن فى التصورات والسياسات.
نصف السياسة كلام والنصف الآخر سياسات وإجراءات.
إذا غابت حرية الكلام والتعبير يصعب التعرف على مواطن الخلل وتغيب أى قدرة على التصحيح والتصويب.
عنوان «الشأن العام» يومئ إلى كل ما هو عام، وهذا يمس احتياجات حقيقية تطلب فتح المجال العام وانفتاح الإعلام على التنوع الطبيعى فى المجتمع وتوسيع الحريات العامة وإحياء الحياة الحزبية التى تكاد تودع غرف العناية الفائقة، أو تنزع عنها أجهزة التنفس الاصطناعية التى تعيش عليها بالكاد.
تجديد الخطاب الدينى استدعت أهميته فكرة المؤتمر نفسها غير أنه لا يمثل أولوية فى الشأن العام، ولا هو قضية رجال الدين وحدهم.
إنه مسئولية الدولة بالمقام الأول فى تفعيل الالتزام الدستورى بالفصل بين المقدس الدينى والمتغير السياسى.
بظاهر اسم المؤتمر فهو علامة على أن شيئا يتحرك فتحا للنقاش العام.
إذا ما أجهضت تلك العلامة فإنه إحباط جديد.
هذا آخر ما يحتاجه بلد منهك يبحث بالكاد عن أمل.
بمنطوق مفهوم «الشأن العام» فإنه يتداخل على نحو عميق مع مفهومين آخرين هما: السياسة والأمن القومى.
أسوأ تعريف للسياسة أن تلخص فى الأحزاب وصراعات السلطة، فهى باهتماماتها وميادينها ووسائلها تدخل فى صلب كل ما يتحرك فى مجتمعها من شواغل عامة.
بصياغة أخرى: السياسة هى علم وفن إدارة الشأن العام.
بذات القدر فمن الخطأ الفادح النظر إلى الأمن القومى ككهنوت يصعب فك ألغازه، أو تلخيصه فى الأمور العسكرية ومستويات التهديد على الحدود ومخاطر اختراق مجتمعه.
الأمن القومى باتساع مفهومه مسألة كل مواطن، حياته ومستقبله، تعليمه وصحته، إنتاجه ومستويات معيشته وكرامته الإنسانية.
إنه كل ما يؤكد قوة المجتمع وتماسكه وقدرته على مواجهة تحدياته وصنع مستقبله بإرادته الحرة.
بهذا المفهوم وحده فإن أى حديث جدى بالشأن العام هو حديث فى الأمن القومى.
الشأن العام مسألة بيئة عامة ومجال عام ونقاش عام، وهذا يفترض اتساع الأفق على التنوع فى المجتمع واحترام تعدديته.
أى مجتمع يضيق عن التنوع الطبيعى فيه يضع مستقبله بين قوسين كبيرين.
وأى مجتمع لا يعرف كيف يستفيد من خبراته المتراكمة والكفاءات المتاحة داخله يمارس الحد الأقصى من الهدر التاريخى ويضع نفسه على منحدر.
الانفتاح على التعدد والتنوع هو انفتاح فى نفس الوقت على العصر ودولة المؤسسات والقانون والمواطنة التى لا يمكن أن تتأسس على إقصاء.
هناك من يتصور أن من أهداف المؤتمر توعية الجمهور بالقضايا العامة.
التوعية ضرورية لكنها لا تتأتى بلا مصداقية.
هناك فارق جوهرى بين التلقين والتوعية.
التلقين إملاء والتوعية إقناع.
فى التلقين إعراض عن الحقائق، ماذا يريد الناس بالضبط؟.. ما احتياجاتهم الإنسانية والاجتماعية والسياسية؟
التلقين لا يصلح فى بناء الوعى العام.
فى عصر السماوات المفتوحة والتواصل الاجتماعى هذا التفكير تحليق فى الوهم.
الإملاء والتلقين قضية فاشلة مقدما، والحوار والانفتاح بحرية على التنوع الطبيعى مقدمة لتجاوز أى جدران سميكة تحول دون صناعة الأمل فى المستقبل.
الأمل، كما الإصلاح، تصنعه الإجراءات قبل أى شىء آخر.
مشاركة النخب السياسية المدنية على تنوع اتجاهاتها مسألة حاسمة فى تقرير احتمالات النجاح والفشل.
البلد تريد أن تسمع أفضل ما فى نخبها العلمية والأكاديمية والأدبية والثقافية والسياسية وأن يبث الكلام عبر الفضائيات إلى كل بيت.
القضية ليست موالاة ومعارضة بقدر حاجة البلد إلى كل صوت يلم بملفه ولديه ما يقوله ويستحق الاستماع إليه.
إذا كانت هناك مشكلة فى المصداقية فلا أمل بأى استجابة من الجمهور العام.
المصداقية تبنى بالحوار المفتوح والحجج المتماسكة وفق قاعدة «أنت لا تقنع إلا بما هو مقنع» على ما قال لى ذات يوم الأستاذ «محمد حسنين هيكل».
رد اعتبار السياسة يلغى أى استعصاء ويفتح المجال واسعا للتقدم للأمام بثقة.
نقطة البداية الضرورية لدفع المواطنين بإرادتهم الحرة للمشاركة فى صنع مستقبلهم فتح المجال الإعلامى للحوار الموضوعى والجاد حول قضايا البلد ومستقبله والإفراج عن الشخصيات والكوادر المدنية، التى لم يعهد عنها تورط فى عنف أو تحريض عليه.
إذا ما جرت هذه الخطوة، التى تكاد تجمع عليها الشخصيات والنخب السياسية باختلاف مواقعها، فإن كل شىء فى البيئة العامة شبه المسمومة سوف يتغير بعدها.