العدالة الانتقالية تتعثّر فى تونس - العالم يفكر - بوابة الشروق
الجمعة 30 يوليه 2021 6:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

العدالة الانتقالية تتعثّر فى تونس

نشر فى : الأحد 11 أكتوبر 2015 - 7:55 ص | آخر تحديث : الأحد 11 أكتوبر 2015 - 7:55 ص

فى الأسبوع الأخير من شهر أغسطس الماضى، عصفت الاضطرابات بهيئة الحقيقة والكرامة ــ المنوطة بتفويض واسع لتطبيق العدالة الانتقالية على انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بين يوليو 1955 وديسمبر 2013 ــ عندما قام أعضاء الهيئة بإعفاء زميلهم زهير مخلوف من مهامه على خلفية اتهامه بارتكاب تجاوزات قانونية بعدما وجّه رسالة إلى مجلس النواب يتّهم فيها أعضاء آخرين فى الهيئة بالفساد. وليس هذا التوتّر الداخلى سوى الحلقة الأحدث فى سلسلة التحدّيات التى تواجهها عملية العدالة الانتقالية فى تونس. على الرغم من إقرار قانون العدالة الانتقالية الذى لقى استحسانا لدى النشطاء المحليين والخبراء الدوليين، وجدت هيئة الحقيقة والكرامة صعوبة فى تخطّى المناخ السياسى المأزوم الذى يُهدّد الجهود الهادفة إلى محاسبة منتهكى حقوق الإنسان وإصلاح مؤسسات الدولة العصيّة على التغيير.
الهيئة بالذات هى السبب وراء بعض الأضرار التى لحقت بها: ليست المشكلات الأخيرة داخل الهيئة بالأمر الجديد، وهذا ما يثير غضب نشطاء العدالة الانتقالية فى تونس، فقد استقال ثلاثة من أعضاء الهيئة الخمسة عشر خلال عامها الأول، وواحد منهم فقط عُيِّن بديلٌ عنه. وقد تحدّثت التقارير عن أن أعضاء الهيئة القادمين من خلفيات مختلفة، واجهوا صعوبة فى تخطّى الخلافات السياسية والشخصية بينهم من أجل تشكيل فريق فعّال، وتحوّلت رئيسة الهيئة، سهام بن سدرين، إلى شخصية استقطابية داخل الهيئة وخارجها على خلفية ما يُزعَم عن اعتمادها أسلوبا عدوانيا ومهيمنا فى القيادة. حتى حلفاء الهيئة أبدوا استياءهم من عجزها عن تطوير استراتيجية متماسكة للتواصل من أجل شرح طبيعة عملها للرأى العام. تعكس هذه التحدّيات الداخلية، فى جزء منها، السياق السياسى الإشكالى الأوسع نطاقا الذى يحيط بالعدالة الانتقالية ــ فقد خاض معارضوها معركة قوية من أجل منع قيام آلية راسخة لممارسة العدالة الانتقالية، فى حين أن مؤيّديها بذلوا جهودا حثيثة لتجاوز الانقسامات السياسية والالتباسات.
***
رزحت الهيئة، منذ البداية، تحت وطأة الاستقطاب الشديد بين حكومة الترويكا بقيادة النهضة وخصومها. على الرغم من وجود قاعدة تدعم بقوّة العدالة الانتقالية، عمدت النهضة إلى المماطلة فى إقرار قانون العدالة الانتقالية خشية إثارة الاستياء لدى المؤسسات الحكومية الأساسية وتأجيج مزيد من المعارضة فى مناخ سياسى شديد الاستقطاب. نتيجة لذلك، لم يتم إقرار القانون قبل ديسمبر 2013، بعد اضمحلال الجزء الأكبر من الزخم الثورى فى البلاد. ثم اختار المجلس الوطنى التأسيسى بقيادة النهضة أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة، ما جعلها عرضة للمزاعم بأن أعضاءها مقرّبون جدا من الإسلاميين. وقد حرم هذا الانقسام الحزبى الهيئة من الحلفاء المحتملين فى صفوف من نادوا بالعدالة الانتقالية لكنهم عارضوا ما اعتبروه تأثير النهضة على الآلية. وقد حاولت منظمات أهلية عدّة الطعن بعملية اختيار الأعضاء أمام المحكمة، ودفعت باتّجاه تشكيل هيئة جديدة بدلا من دعم جهود الهيئة خلال عامها الأول الحاسم، وأدّت الخلافات الحزبية، بحسب التقارير، دورا فى استقالة عضوَين على الأقل فى مستهل ولاية الهيئة.
كما أن المؤسسات الحكومية والقوى السياسية المتعاطفة مع نظام بن على عارضت بشدّة جهود العدالة الانتقالية. فبعضهم يخشى ثبوت ضلوعه فى جرائم سابقة، فى حين يعتقد آخرون أنه ثمة مبالغة فى تصوير الانتهاكات السابقة بما يؤدّى إلى الإلهاء عن المسائل الأكثر أهمية. عقب انتخاب الرئيس باجى قائد السبسى فى ديسمبر 2014 وتشكيل حكومة ائتلافية بين حزب نداء تونس وحركة النهضة، يبرز أكثر فأكثر حضور هؤلاء المعارضين، وتزداد العزلة السياسية لهيئة الحقيقة والكرامة. يُبدى حزب نداء تونس الذى يضم فى صفوفه عددا كبيرا من المسئولين من النظام السابق، ومنهم السبسى نفسه، شكوكا بشأن العدالة الانتقالية. نتيجة لذلك، واجهت الهيئة خلال الأشهر الماضية صعوبة فى إدارة علاقاتها مع مجلس النواب، والرئاسة، والقوى الأمنية التى تعزّزت مكانتها، ما تسبّب بمشكلات مثل التأخير فى إقرار موازنة الهيئة، والصعوبات فى الوصول إلى الأرشيف، والضغوط السياسية على أعضاء الهيئة.
الحلقة الأحدث فى سلسلة التحدّيات التى تواجهها الهيئة كانت فى يوليو الماضى عندما أعادت حكومة الرئيس السبسى إحياء النقاش حول العدالة الانتقالية عبر الكشف عن مشروع قانون للمصالحة مع التونسيين المتّهمين بالفساد وجرائم مالية أخرى. ينص مشروع القانون المقترح على إنشاء هيئة رئاسية جديدة لمراجعة هذه القضايا، وحتى التوصّل إلى ترتيبات مع رجال الأعمال لتسديد الأموال المسروقة فى مقابل العفو عنهم. يقول مؤيّدو مشروع القانون إن من شأنه استكمال آلية العدالة الانتقالية بدلا من الحلول مكانها ــ فهم يعتبرون أن هذا القانون ضرورى من أجل المساعدة على إنعاش الاقتصاد التونسى المحتضر عبر تحرير الأموال التى تشكّل حاجة ماسّة، واستقطاب استثمارات جديدة.
***
أما المعارضون فلديهم رأى مغاير. فى نظرهم، يعكس الاقتراح محاولة مباشرة لتقويض العدالة الانتقالية عبر عزل الهيئة أكثر فأكثر. يعتزّ أنصار العدالة الانتقالية فى تونس على وجه الخصوص بتركيز العملية على المسائل الاقتصادية باعتبارها جزءا من الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان التى مارسها النظام السابق، كما أن تفويض هيئة الحقيقة والكرامة يقوم فى جزء كبير منه على النظر فى الجرائم الاقتصادية. لكن من شأن الهيئة الرئاسية المقترحة أن تتجاوز عمل هيئة الحقيقة والكرامة، بحيث تحلّ مكانها فى النظر فى هذه القضايا. وقد أثار الاقتراح رد فعل غاضبا لدى الهيئة التى رأت فيه تعدّيا على تفويضها بطريقة مخالفة للدستور، مشيرة إلى أنه سيؤدّى إلى القضاء على آلية العدالة الانتقالية بكاملها. بحسب رئيسة الهيئة، سهام بن سدرين، لن يؤثّر القانون فقط فى مجموعة ضيّقة من القضايا الاقتصادية، بل فى الجزء الأكبر من عمل الهيئة، لأنه كان للفساد دور محورى فى نظام بن على، وغالبا ما كان يُربَط مباشرة بانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان.
بيد أن اقتراح الرئيس جعَل أنصار العدالة الانتقالية يصطفّون إلى جانب هيئة الحقيقة والكرامة. حتى المنظمات الأهلية والأحزاب السياسية التى لاتزال تختلف فى الرأى مع أعضاء الهيئة، أبدت فى العلن معارضتها لمشروع القانون ودافعت عن الهيئة7. لقد رفع المعارضون فى مجلس النواب الصوت إلى حد ما تعبيرا عن رفضهم لمشروع القانون، وكذلك أعلن الاتحاد العام التونسى للشغل، وهو اتحاد نافذ، معارضته لمشروع القانون. تحت تأثير الضغوط، أبدى السبسى رغبته فى التوصّل إلى إجماع حول المسألة ــ لكن مع تأييد حزب نداء تونس لمشروع القانون وعدم معارضة النهضة له فى العلن، لاتزال المعارضة تواجه تحدّيا جدّيا إذا كانت تأمل فى إسقاطه.
***
على الرغم من المشكلات الداخلية الخطيرة التى تعانى منها هيئة الحقيقة والكرامة، إلا أنها تسلّمت أكثر من 15000 ملف من ضحايا النظام السابق، وتتوقّع تلقّى آلاف الملفات الإضافية. وقد تنجح الهيئة، من خلال وصولها إلى هذا الكمّ الهائل من المعلومات، فى إنجاز جزء من تفويضها: كشْف حقيقة النظام الديكتاتورى ووضْع رواية جديدة عن الماضى التونسى. لكنها ستواجه صعوبة أكبر فى تحقيق تقدّم فى مهامها الأخرى، سواء على مستوى دفع التعويضات للضحايا، أو الوصول إلى مرحلة الملاحقات القضائية، أو التأثير فى الإصلاحات المؤسساتية. بما أن هذه الجهود سوف تتوقّف إلى حد كبير على الحكومة ومؤسسات الدولة التى أظهرت حتى الآن موقفا عدائيا من العدالة الانتقالية، غالب الظن أن التونسيين سيصابون بخيبة الأمل إذا كانوا لايزالون يأملون بأن تساهم آلية العدالة الانتقالية فى تحقيق تغييرات واسعة النطاق فى دولتهم.

طالب دكتوراه فى العلوم السياسية فى جامعة ستانفورد.
ينشر بالاتفاق مع مؤسسة كارنيجى

التعليقات