الوصفة الإيطالية للحياة السعيدة - جورج فهمي - بوابة الشروق
الخميس 29 سبتمبر 2022 12:30 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إلى أي مدى راض عن تعاقد الأهلي مع السويسري مارسيل كولر؟

الوصفة الإيطالية للحياة السعيدة

نشر فى : الخميس 11 أغسطس 2022 - 6:55 م | آخر تحديث : الخميس 11 أغسطس 2022 - 6:55 م

جلسنا فى محل البيتزا، وما إن أتت البيتزا ووضعها النادل على طاولتنا حتى هممت بأكلها بشهية، فأوقفنى صديقى الإيطالى ستيفانو قائلا: لماذا العجلة يا عزيزى؟ إنك تفقد نصف متعة البيتزا إن أكلتها مباشرة. يجب عليك أولا أن تمتع نظرك بهذه القطعة الفنية المستديرة وبألوانها الجميلة، فتنظر إلى لون صلصة الطماطم الأحمر ممتزجا بلون الجبنة الموتزاريلا البيضاء، وتتأكد من أن حواف البيتزا قد صارت مقرمشة ولكنها ليست محروقة. ثم تجىء الخطوة الثانية، وهى تلك المتعلقة بحاسة الشم. فعليك أن تستمتع برائحة العجين وقد نضج، ومعه تلك الرائحة الخاصة للطماطم ممزوجة بالجبن. ثم أخيرا تجىء المرحلة الثالثة، وهى أن تبدأ بالأكل.
• • •
وما ينسحب على البيتزا يسرى أيضا على أشكال المطبخ الإيطالى كافة. فتناول الأطباق الإيطالية المختلفة يجب أن يمر بحواس ثلاث بالترتيب: النظر أولا، ثم الشم، وأخيرا التذوق. وما يتعلق بالمطبخ ينسحب أيضا على شكل الحياة السعيدة طبقا للوصفة الإيطالية، التى ترى أن الحياة كالطعام يجب أن تستمتع بها من دون عجلة. وصفة السعادة الإيطالية تتعلق فى نهاية المطاف بأمر واحد وهو الوقت. فلا يجب أن تفقد وقتا يمكن لك أن تستمتع فيه بالسعادة من حولك حتى فى أبسط الأشياء، سواء تعلق الأمر بالأكل أو الطبيعة أو الموسيقى، أم حتى باللا شىء. يبالغ الإيطاليون أحيانا، لكنهم يرون أن فعل «اللا شىء» قد يكون أمرا يستحق أن تستمتع به، ولذا فى اللغة الإيطالية تعبيرٌ شهيرٌ هو «حلاوة ألا تفعل شيئا».
تقوم هذه الفلسفة الإيطالية على أن حياة هادئة هى أكثر جمالا من حياة سريعة. فلا يهم عدد الأشياء التى تقوم بها خلال اليوم، ولكن ما يهم هو جودتها، وإلى أى مدى استمتعت بها، وأضفت إلى روحك سعادة فى نهاية اليوم. فيوم هادئ سعيد هو أفضل من يوم سريع تنجز فيه عددا كبيرا من الأشياء ولكن من دون أن تستمتع بأى منها. ولا يتعلق الأمر فقط بمجرد نصائح يخبرك بها صديقك الإيطالى على طاولة الطعام، بل إن تنظيمات داخل إيطاليا وخارجها صارت تؤمن بهذه الأفكار وتدعو إليها، وبالتحديد حركتا الأكل البطىء والحياة ببطء.
انتشرت أفكار حركة الأكل البطىء على يد الصحفى الإيطالى كارلو بيترينى، الذى قاد حملة شعبية خلال ثمانينيات القرن الماضى ضد انتشار ثقافة الأكل السريع فى إيطاليا. كانت بداية هذه الحركة فى العام 1986 عندما افتتحت سلسلة المحلات الأمريكية الشهيرة ماكدونالدز فرعها الأول فى العاصمة الإيطالية روما. وقد دفع هذا الأمر العديد من الإيطاليين إلى التظاهر خوفا من انتشار ثقافة الأكل السريع الأمريكية داخل المجتمع الإيطالى. شارك بيترينى فى تلك التظاهرات، وقام بتوزيع أطباق من المكرونة الإيطالية على المتظاهرين كأسلوب للاعتراض على نمط الأكل الأمريكى، وللتمسك بتقاليد المطبخ الإيطالى. تطورت تلك التظاهرات لاحقا لتنبثق عنها حركة تحت اسم «الأكل البطىء»، فى مواجهة نمط «الأكل السريع» الأمريكى.
سعت الحركة إلى حماية ودعم أشكال إنتاج الطعام التقليدية الإيطالية فى مواجهة الشعبية الناشئة للوجبات السريعة الأمريكية. وقد أسفرت هذه الحركة عن تأسيس منظمة الأكل البطىء التى تجاوز نشاطها إيطاليا، وسَعَت إلى حماية ثقافات وتقاليد الطعام المحلية فى دول العالم كافة. وتسعى المنظمة من ضمن أهدافها إلى زيادة وعى الإنسان بنوع الطعام الذى يأكله، وأيضا مكوناته، وكيف وأين زرعت تلك المكونات، وكيف تؤثر خياراتنا الغذائية على العالم من حولنا.
انتشرت هذه الأفكار من دولة إلى دولة خلال العقود الثلاثة الأخيرة لتصبح حركة الأكل البطىء حركة عالمية تضم ملايين الأشخاص فى 160 دولة. تسعى الحركة إلى ضمان الحصول على طعام جيد ونظيف، وبسعر عادل. وترى حركة الأكل البطىء أن الطعام يرتبط بالجوانب الثقافية والسياسية والبيئية للحياة. فهى ترى أن العمل على وضع قواعد عادلة لزراعة الطعام وإنتاجه وتوزيعه يمكنه تغيير العالم من حولنا. فتسعى الحركة إلى بناء عالم يستطيع فيه جميع الناس الوصول إلى الطعام الجيد لهم والاستمتاع به، على أن يكون الطعام كذلك مصدر دخلٍ عادلٍ لمن يزرعونه، ويساهم فى الوقت نفسه فى الحفاظ على البيئة. يعتمد منهج حركة الأكل البطىء على ثلاثة مبادئ مترابطة: غذاء جيد وصحى، ونظيف لا يضر بالبيئة، وبسعر عادل لكل من المستهلكين والمنتجين.
وقد تطورت أفكار حركة الأكل البطىء إلى صياغة رؤية أكثر شمولا للحياة بشكل عام، تشكلت منها حركة الحياة ببطء. تدعو هذه الحركة إلى أسلوب حياة يتبع نهجا أبطأ فى ممارسة أنشطة الحياة اليومية. وترى الحركة أن نمطا أكثر بطأ للحياة سيوفر حلولا للمشاكل البيئية الناتجة عن أنماط الاستهلاك الرأسمالية. وتؤمن حركة الحياة ببطء أن طريقة الحياة السريعة تؤدى فى نهاية المطاف إلى شكل من أشكال الفوضى التى لا سعادة فيها، فى حين أن الوتيرة الأبطأ تشجع على الاستمتاع بالحياة وتفاصيلها. وتؤكد هذه الفلسفة أن الحياة البطيئة لا تعنى الكسل، بل تعنى الحياة بشكل أكثر توازنا. يعيش الناس كل يوم بوتيرة سريعة، ما يجعلهم يشعرون بأن حياتهم تجرى بهم من دون أن يشعروا، ولكن مع أسلوب الحياة ببطء يبطئون من وتيرة حركتهم للاستمتاع بتفاصيل ما يقومون به خلال يومهم.
• • •
الوصفة الإيطالية للحياة السعيدة تدعو الإنسان إلى الاهتمام بالقيام بأنشطة الحياة اليومية بشكل ممتع، وليس بالضرورة بشكل سريع، ما يسمح للفرد بأن يقوم بكل أنشطته وهو فى حالة تواصل مع نفسه، ومع مَن حوله، ومع العالم عموما. فتذكرك هذه الفلسفة دوما بأن الأسرع ليس بالضرورة أفضل. وهذه هى القاعدة الذهبية، سواء تعلق الأمر بالطعام أم بنمط الحياة بشكل عام. ففى الحالتين السعادة أهم من السرعة. فلسفة الحياة ببطء تدعونا أولا إلى معرفة الأشياء التى نقدرها ونحبها، ومن ثم إعادة توزيع وقتنا لقضاء أكبر وقت ممكن فى الاستمتاع بها. وأخيرا، إضافة إلى تأثير نمط الحياة ببطء على سعادة الشخص، لهذا النمط فوائد بيئية أيضا. فعندما نحيا ببطء، غالبا ما نستخدم موارد أقل، وننتج نفايات أقل، ولذلك تأثير إيجابى على مستقبل كوكب الأرض.

جورج فهمي أستاذ مساعد بالجامعة الأوروبية بفلورنسا
التعليقات