«وادى الدوم».. معركة الواحة والصحراء! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 17 أكتوبر 2019 4:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بالتزامن مع عرض بيانها على البرلمان.. ما تقييمك لأداء حكومة مصطفى مدبولي؟

«وادى الدوم».. معركة الواحة والصحراء!

نشر فى : الخميس 11 يوليه 2019 - 8:35 م | آخر تحديث : الخميس 11 يوليه 2019 - 8:35 م

ما يثير الإعجاب، حقا، فى هذه الرواية البديعة أن مؤلفها، وقد امتلأ بتجربة مغايرة حكيا وأسلوبا، مكانا وزمانا، تاريخا وجغرافيا، وشخصيات حية نابضة، لم يغفل عن فكرة عميقة، تكاد تلخص الوطن فى واحة افتراضية، تتغنى بالإنسان البسيط صانع الحضارة بالفطرة، ابن الحكمة التى روضت الحياة، وهزمت الأعداء، وعاشت وستعيش على مر الأزمان.
رواية «وادى الدوم» لعلاء فرغلى، والصادرة عن دار العين والنشر، تصنع مزيجها ومزاجها المدهش من تفاصيل حياة أهل الواحات، يعيد الخيال تشكيل المادة، ويتابع تأسيس واحة اسمها وادى الدوم، عثر عليها الشاهين، دليل الصحراء، وتعاون مع رجلين وامرأة على ارتياد المكان، وخلال 120 عاما، صمدت الواحة أمام كل الغزوات، إنجليز وطلاينة، وسنوسيين من ليبيا، ومهديين من السودان، وفلول من تشاد، بل وتكفيريين يرفعون راية الجهاد، الكل ذهب وبقى الدوم وواديه، وظلت الواحة قادرة على مواجهة الصحراء.
الرواية مليئة بتفاصيل الواقع وألوانه ولغتة ورائحته، وهناك حضور باذخ للمكان والأدوات والآلات والحيوانات والعادات والأطعمة، إلا أن هناك أيضا لمسة ملحمية أسطورية حاضرة، هناك بطل للملحمة هو هذا «الشاهين» المؤسس الحكيم، وأهل الواحة وسكانها حاضرون أيضا، وسيتعاونون فى النهاية فى معركة كبيرة ضد الغزاة فى العام 1991، إنهم يعرفون أنهم باقون، والجميع عابرون، يؤمنون بالسماء وبالعلامات، ويتوارثون فن ترويض الضباع.
ليست واحة عادية، وإن أوهمتنا التفاصيل بذلك، ولكنها تشبه الوطن فى قدرته على دمج الغريب والقريب، فقد استوطن وادى الدوم أهل الواحات، وبعض القادمين من السودان فى قوافل العبيد، ولاجئون من أصول تركية، بل جاء إليها لصوص عرفوا الهداية فى الواحة، وأجانب أسلموا، كل هؤلاء ارتبطوا معا، وصنعوا الحياة.
على مقربة من الواحة جبل الخشب، الذى صار ديره المعزول الملجأ والملاذ، هناك قلايات الرهبان، وهناك أيضا حكايات عن معجزاتهم، ليست مصادفة أبدا أن يسبق وجود الدير، اكتشاف الشاهين للواحة، وليست مصادفة أن ينقذ الأب بشندى الشاهين من الضباع فى أول أيام التأسيس، وليست مصادفة أيضا أن يرتبطا معا فى لحظات الموت، وسيظل الشاهين ووولده حاميين للدير من محاولات المتعصبين لهدمه، بينما سيحمى الدير النساء والأطفال، من غارات المتعصبين والغزاة.
لا يختلف رجال الواحة عن الطبيعة المصراوية: إيمانهم وبساطتهم، مرحهم وحبهم للحياة، صبرهم وطولة بالهم، وجود الدير والمقام، والزرع والحصاد، والحكمة والنزق، ولا يبدو تاريخ الواحة فى مواجهة العابرين بعيدا عن مواجهة المصراوية لهم، ثم إن للواحة ذاكرة، تاريخ مكتوب فى أوراق، دفتر اسمه «الصاير» كتبه الشيوخ، يقول الراوى العليم إنه يعتمد عليه فى التأريخ للمعارك والحروب، ولا غرابة أبدا فى أن يتقاطع تاريخ الواحة، مع كل ما مر به الوطن.
فى روايته الأولى اللامعة «خيرالله الجبل» يتابع علاء فرغلى مجتمعا ومكانا عشوائيا يتكون على أطراف العاصمة، وفى «وادى الدوم» يستحضر مجتمعا جديدا، ولكنه ليس عشوائيا، وإنما عالم هامشى لا تهتم به العاصمة أيضا، هذا الخيط يربط بين الروايتين، وفى الحالتين، فإن المعالجة واعية وذكية، وأسلوب الحكى وطريقته مناسبة للمكان والزمان والبشر، مما يثبت من جديد أننا أمام كاتب راسخ القدمين، عميق التجربة، يتعب على مادته وشخصياته، ولديه القدرة على رصد تغيرات مجتمع روايته، ارتباطا بتغيرات أوسع فى الوطن، وربما فى العالم.
وإذ يعمر مشايخ الواحة، فيتحولون إلى تاريخ متحرك، وإذ تتناثر بقايا خوذات وملابس الغزاة فى الواحة، فتشهد على أنهم إلى زوال، وإذ يتحول الملك جورج إلى اسم لحمار، وإذ يبقى المقام ويبقى الدير، وتبقى المنحوتات التى أراد المتعصبون هدمها، فإن وادى الدوم يبدو فى مستواه الأعمق كما لو كان تلخيصا لصراع طويل عشناه جميعا: معركة الأخضر واليابس، والنبع والصحراء، والحكماء والحمقى.
ورغم أن الرواية تنتهى فى العام 1991، بعد أن يصنع معمارها المتماسك جدلا ممتازا بين تاريخ تليد، ولحظة تهديد وعدوان عابرة، فإن الحكاية تظل بلا نهاية، وتبدو صفحات «الصاير» مستعدة دوما لكتابة معارك جديدة، فى كل عصر وأوان.

التعليقات