الخوف على «النشيد الوطنى» - صحافة عربية - بوابة الشروق
الأحد 22 سبتمبر 2019 10:30 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

الخوف على «النشيد الوطنى»

نشر فى : الخميس 11 يوليه 2019 - 8:40 م | آخر تحديث : الخميس 11 يوليه 2019 - 8:40 م

نشرت جريدة الشرق الأوسط مقالا للكاتبة «سوسن الأبطح» وجاء فيه:
لم يقم مارسيل خليفة بعمل لم يسبقه إليه غيره. فقد درج لاعبو كرة قدم أمريكيون فى السنوات الأخيرة على رفض الوقوف فى الملعب تحية لنشيدهم، وكانت آخرهم ميجان رابينو، قائدة المنتخب الأمريكى النسائى لكرة القدم التى حصدت لبلادها كأس العالم، ورفضت قبل المباراة الوقوف للنشيد اعتراضا على ما تعتبره عنصرية فى بلادها.
كُثرٌ فى هذا العالم يحتجون، وكلٌ يختار طريقته تبعا لمزاجه ومهنته، وسلطته التى يملك. ومارسيل موسيقى، عُدته اللحن وسلاحه الكلمة، وحين أراد أن يقول: ها هو وطنكم الذى فصلتموه على قياسكم لم يعد يتسع إلا لنزقكم، قرر ألا يبدأ حفله فى بعلبك بالنشيد الوطنى، وأن يشهر ذلك، ولا يدعه يمر عابرا. ذاك خياره الذى لم يستسغه مَن يعتبرون النشيد صنو الوطن، وهذا حقهم، كما من حق من لا يريد أن ينشد ألا يُتهم بأقذع الألفاظ ويُجرَد من وطنيته. ولسوء الحظ، أن اللبنانيين ليسوا وحدهم مَن يذودون عن النشيد كأنه آخر مداميكهم، بحيث يمكن هتك كل فضيلة، ما دامت الرموز بخير. ولكلٍ له مع نشيده تقاليده التى تتغير، بحكم الظروف. ففى اليابان حوكم أكثر من 400 أستاذ لأنهم رفضوا الامتثال أمام النشيد، علما بأن الجيل الجديد لا يرى ضرورة لحفظ كلمات لا فائدة من تكرارها، لأنهم ببساطة لا يفهمون اللغة القديمة التى كتبت بها ولا تلامس وجدانهم. لكن بلدا مثل الفلبين ذهب أخيرا إلى تشدد غير مسبوق، حين أصدر قانونا أحل فيه نشيده الوطنى فى مكانة تقارب القداسة. وفرض باسم القانون الوقوف له وإنشاده بـ«حماسة»، وصار كل فعل فيه استخفاف بالنشيد يقابَل بغرامة مالية قد تصل إلى ما يوازى أكثر من ثلاثة آلاف يورو. من دواعى الغبطة أننا لا نعيش فى الفلبين، لكن العالم كلما ازداد انطوائية وتطرفا وخوفا عاد إلى ما يجمع، درءا للتشتت وتمسكا بما يمكن أن يلم الشمل حتى لو كان بضع كلمات ولحنا وضعه أحدهم ذات يوم، وبقى الناس يعتبرونه نموذجا مثاليا لهم. لكنك لو أصغيت للأناشيد لرأيت فيها كلمات لا تشبه حاضر الأمم التى تتبناها، وغالبا موسيقاها متجاوزة ولا تثير الإعجاب. هذا عدا أن العبارات معانيها فى الغالب شوفينية، بعضها يمجد الحروب واستخدام الصواريخ والقنابل، كما النشيد الوطنى الأمريكى الذى يحب تكراره المواطنون هناك، أكثر مما يفعل اللبنانيون مع «كلنا للوطن». تلك الأناشيد بعضها آت من التاريخ السحيق أو موضوع فى مناسبات عسكرية وله طعم القتال وفيه فخر الانتصارات على الأعداء، وقسوة العسكر، كما فى «المارسييز» عند الفرنسيين. لكنك قد تعيش سنين طويلة فى دول أوروبية ولا تعرف أو تسمع نشيد البلد الذى أنت فيه. تلك عادات تجعل العلاقة بالرمز مختلفة من بلد إلى آخر، فليس الإنشاد دليل وطنية ولا عدمه صنو العقوق.
فمع صعود التيارات اليمينية المتطرفة فى أوروبا أخذ بعض الدول تتذكر ضرورة إعادة المجد لنشيدها، وخذ هولندا مثلا، وقد أصبحت تحرص على أن يردد أطفالها الـ«هت فلهلموس» فى صباحاتهم، وقبل بدء صفوفهم. وما كان الأمر كذلك قبل أن تشهد البلاد تقدما للتيار الشعبوى المناهض للأجانب والمعادى للمهاجرين. وإذا كانت بلجيكا لا تزال تترك لكل مدرسة حرية التعامل مع النشيد، فيمكننا توقع سماع المزيد من الأخبار عن دول صارت تستعيد كل ما يشد العصب وتشرع لما يؤلف بين المشاعر القومية.
الخلافات واسعة، والهوة تكبر، بين مَن يرى فى إعلاء شأن النشيد الوطنى وإحاطته بالتبجيل نفحا ديكتاتوريا، وانتكاسة لمفهوم «الإنسانية» الأوروبى الذى تم الترويج له كقيمة غربية منذ القرن التاسع عشر، وهؤلاء غالبيتهم من المفكرين والمثقفين، والنخب التى تعتقد أن الوطنية هى أمر أرفع من الأغنيات والرايات الخفاقة والشعارات الفضفاضة، وبناؤها يحتاج إلى وعى مدنى، فيما يذهب البعض الآخر إلى أن خطر التشرذم والنزعات الانفصالية التى تنمو داخل أوروبا نفسها، يتوجب أن يكافَح بالقبضات والخطابات والتذكير بالتاريخ وانتصارات الحروب وبالطبع بالأناشيد الوطنية.
أحب اللبنانيون دائما أن يجعلوا من وطنهم فى أذهانهم رسالة، وفى أخيلتهم جنة لم تطأها أقدامهم يوما. غنوا مع فيروز «طلعنا على الضو، طلعنا على الريح، طلعنا على الشمس، طلعنا على الحرية»، لكنهم بقوا دون كبير إنجازات تحقق لهم السعادة أو تمنحهم الأمل. تمنوا وطنا من «الغيم الأزرق» و«برق القصائد» و«قمر الندى والزنبق» واستفاقوا على فوضى وضيق، ونفايات تملأ الشوارع، وعتمة ليس لها فجر. أملوا أن يعيشوا طربين على أنغام نايات جبران وقيثاراته فإذا بصراخ زعمائهم وضوضاء شجاراتهم تصم آذانهم. صدقوا أن نبوءة وديع الصافى لا بد ستتحقق ويبقى «لبنان قطعة سما عالطامعين محرمها وللخاشعين محللها» فإذا بهم يرون العكس.
الهستيريا التى جُوبِه بها مارسيل خليفة، قد تكون أسعدت البعض وطمأنتهم إلى أنه لا يزال للأرض من يحميها وللسياج من يدافع عنه، لكن واقع الأمر غير ذلك، فكم العنف اللفظى الذى استُخدم، والبغضاء التى استنفرت، والفئويات كما عبر عنها، تشى بأن الهلع يسكن النفوس، والرعب كبير من أن الاقتراب بات وشيكا من قاع الهاوية.

الشرق الأوسط ــ لندن

التعليقات