عن ثِقتنا بالعِلم.. أزمة ثقافة وتواصُل - العالم يفكر - بوابة الشروق
الإثنين 10 مايو 2021 12:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


عن ثِقتنا بالعِلم.. أزمة ثقافة وتواصُل

نشر فى : الأحد 11 أبريل 2021 - 6:45 م | آخر تحديث : الأحد 11 أبريل 2021 - 6:45 م
نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتبة تمارا الزّين، تناولت فيه أسباب تراجع ثقة المواطنين والمواطنات فى العلم خاصة فى آخر عامين، رغم أن هذه الفترة شهدت لجوء العالم للعلماء لإيجاد لقاح للفيروس.. نعرض منه ما يلى.

«تراجُع ثقة المُواطِنين بالعِلم»!. عِبارةٌ تُلخِّص استنتاجاتِ دراسةٍ حديثة أُجريت فى فرنسا فى أواخر العام المُنصرِم، من ضمن سلسلةِ دراساتٍ عن علاقة المُجتمع بالعِلم. أكثر من خلاصة تشى بتدهوُر صورة العِلم فى نَظَرِ الذين جرى استطلاعُ رأيهم، على الرّغم من أنّ عام 2020 كان بامتياز، وبداعى وباء كورونا، عامَ اللّجوء إلى العِلميّين/ات والخُبراء وتسليط الضوء على آرائهم. ما كان لافتا أيضا أنّ نسبة مَن يَعتقدون أنّ ضَرَرَ العلوم والتكنولوجيا أكبر من فائدتها، قد ازدادت مع توالى السنوات، وأنّ أكثر من نصف المُستَفتين/ات هُم ممَّن تراجَعت ثقتُهم بالعلوم والابتكارات التكنولوجيّة، وذلك بالتوازى مع إقرار الغالبيّة، للمُفارَقة، بوجوب استمرار البحوث، وبخاصّة فى المجالات التى تُعالِج تحدّياتٍ مصيريّة.
هذه النتائج، وإنْ كانت محصورةً فى بلدٍ مُحدَّد، إلّا أنّها تعكس مَيلا عامّا نلمسه يوميّا فى مُحيطنا، ويُحيلنا تلقائيّا إلى الأسباب التى أوصلتنا إلى هذه العلاقة المُتذبْذِبة بين المُواطِن والعِلم، والتى من أهمّها تراجُع الثقافة العِلميّة لدى غالبيّة شرائح المُجتمع، وضُعف التواصُل بين العِلميّين/ات الحقيقيّين وعامّة الناس، فى الوقت الذى تجتاح فيه مَواقعَ التواصل الاجتماعيّ وشاشاتِ الفضائيّات جحافلُ المُروِّجين للعِلم الزائف.
أمّا من ناحية العواقب، فينعكس غيابُ هذه الثقة فى فكّ الارتباط بين المُواطِنين/ات والعِلميّين/ات، وبالتالى ضمور حضور المُجتمع الدّاعِم للمنظومة العِلميّة، ما يؤدّى حتما إلى تهميش العِلميّين/ات وإقصائهم عن صناعة القرار السياسيــ العِلمى، وأيضا إلى اضمحلال البحث العِلمى والابتكار واستحالة مُواكَبة التقدُّم والانخراط فى مَسارات التنمية المحليّة، مع كلّ ما يستجلب ذلك من تبعاتٍ كارثيّة على المُجتمع والدولة.
فمع ظهور وباء كوفيد ــ 19 وتفشّيه، تكشّفت بشكلٍ جليّ أزمةُ العلاقةِ بين العِلم وأهل الاختصاص من جهة، والمُجتمع والإعلام من جهة أخرى، وبَرزت هشاشةُ الثقافة العِلميّة لدى المُواطِن/ة، ما ارتدَّ مُباشرةً على استيعابه وتفاعُله وتعاطيه مع مُستجدّات الوباء، فعلى الرّغم من أنّنا نعيش اليوم، فى صلب وتيرةٍ مُتسارِعةٍ من التقدُّم العِلمى والابتكارات المُزعْزِعة والغليان التكنولوجى، وفى جوّ استهلاكٍ مَرَضى لملايين المُنتجات والخدمات، يبدو وكأنّ العلوم لا مكان لها فى ثقافة المُواطِنين/ات، حتّى النخب من بينهم. مثلا، فى استطلاعٍ أُجرى فى لبنان بين كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2021، تبيَّن أنّ أكثريّة المُستطلَعين (69%)، من الإناث والذكور، يرفضون تلقّى اللُّقاح المُضادّ لفيروس كورونا أو لم يُقرِّروا مَوقفهم بعد، الأمر الذى يُترجِم نَوعا من فقدان الثقة بالتطوير العِلمى، وبهَيمنة الآراء العِلميّة المُضلِّلة المَبنيَّة على الإشاعات والتسييس والأدْلَجة والشعبويّة، والتى لم تكُن لتَجِدَ تجاوُبا، لولا الفجوات العميقة فى ثقافة المُواطِن/ة فى ما يخصّ العلوم والابتكار.
***
كرَّست دولٌ عدّة جهودا ملحوظة لنشْر الثقافة العلميّة وتعميم العلوم ومُكافَحة ما أسموه «الأميّة العِلميّة» عبر بَرامِج تثقيفيّة تتوجَّه إلى الفئات العمريّة كافّة، وبواسطة أنشطة مُتنوّعة، إلّا أنّها عجزت عن تحقيق خرقٍ يرقى إلى الطموحات لسببٍ جوهرى، وهو أنّ الخَلَلَ مُتجذِّرٌ فى تعليم العلوم فى المدرسة والجامعة. فبمُراجعةٍ بسيطةٍ لبَرامج التعليم سنُلاحظ:
ــ أوّلا، أنّ العلوم على أنواعها تُدرَّس على مدى السنوات المُتتالية وِفْقَ حقولٍ مَعرفيّة مُجزّأة ومُنفصِلة عن بعضها البعض، ما يُعيق تشكُّل ثقافة علميّة بفعل غياب العناصر المُوحِّدة والعابِرة لهذه الحقول. فالثقافة العِلميّة تُنسج بتشبيك العلوم، وليس بجمْعِ مَعارِف عِلميّة مُختصّة ضيّقة كما هو شائع.
ــ ثانيا، أنّ غالبيّة البَرامِج لا تُكرِّس المساحة الجديرة بالمنطق العِلمى والطرائق العِلميّة والمَنهجيّة، مع أنّها دعامة الثقافة العِلميّة. فبفضل هذه الطرائق، وذاك المنطق، تنمو القدرات التحليليّة التى تُخوِّل المُتلقّى مُقارَبةَ المسائل العِلميّة المطروحة أمامه بعقلانيّة، ووفْق منطقٍ عِلميّ سليم، وتُمكِّنه من اكتساب وتطبيق المَعايير اللّازمة لتطوير مَعرفته بقضايا عِلميّة تعنيه، بما يجنّبه أيضا الوقوع فى فخّ العِلم الباطل. فعلى الرّغم من أنّ الفضاء الرقمى سهَّل الوصول إلى الكثير من المعلومات، إلّا أنّ التمييز بين العِلم الموثوق والدَّجَل العِلمى، لن يكون بمُتناول المُتلقّى الذى يفتقد لأُسس التقصّى المَنهجى.
ــ ثالثا، سرديّة الاكتشافات العِلميّة والتقدُّم التكنولوجى التى تتبنّاها مَناهِج التعليم، تخفى بغالبيّتها المَسار الطويل والتراكُمى والمُعقّد للبحوث العِلميّة قبل الوصول إلى نَواتِج مَلموسة. ونحن نحتفل باليوم العالَمى للإبداع والابتكار، علينا أن نؤكِّد باستمرار على أنّ الاختراعات والابتكارات على أنواعها، لا تولد ولا تُنفَّذ بين ليلةٍ وضحاها، بل تستند إلى أفكارٍ يستحيل تنفيذها من دون بحثٍ وتطوير ومن دون الاستفادة من إسهامات البحوث السابقة، سواء أكانت نظريّة أم تطبيقيّة.
ضعفُ الثقافةِ العِلميّة بشكلٍ عامّ تجلّى بصورةٍ فاضحة، خلال أزمة وباء كوفيدــ19، بتذمُّر المُواطنين/ات من عجْز العِلميّين/ات عن تقديم إجاباتٍ وافِية عن الفيروس، ومن ثمّ بالخوف من سرعة الوصول إلى اللّقاحات! والحالتان، وعلى الرّغم من التناقُض، هُما دليلٌ على جَهل المُواطنين/ات بسيرورة البحث العِلمى، على الرّغم من أنّه المُحرِّك الأكثر فعاليّة فى منظومة الابتكار وإنتاج المَعرفة. فالوصول إلى إجاباتٍ عن أيّ مسألة عِلميّة مُستجدّة يحتاج لبحوثٍ جديّة، بينما تُحتِّم الأخلاقيّات العِلميّة على الباحثين/ات ألّا يشيعوا معلوماتٍ لم يتأكّدوا بعد من صدقيّتها ودقّتها (وهو ما يَستلزِم وقتا أطول). أمّا التوصُّل إلى لقاح مثلا، فى مدّة زمنيّة عُدّت قياسيّة، فمردّه إلى تراكُم المَعارِف وتسريعها وتطوُّر الأدوات والتقاطُع البحثى بين مجالاتٍ شَملت على سبيل المثال عِلم الفيروسات والأوبئة، عِلم الأحياء الخلوى والجزيئى، الذكاء الاصطناعى، النَّمْذَجة... إلخ. لو أنّ مَناهِجَنا أَدرَجت مُقرّراتٍ توعويّة عن ماهيّة البحث العِلمى ومَساره وسيرورته، لكانت قد أَسهمت فى بِناء ثقافة عِلميّة تُجنِّبُنا العواقب الوخيمة التى قد تَنتج عن تراجُع ثقة المُواطن/ة بالعِلم.
***
من جهة أخرى، وفضلا عن الخللِ فى مَناهِج تعليم العلوم التى تعيق منذ مَقاعِد المدرسة تشكيل ثقافة عِلميّة، تَبرزُ معضلة انقطاع التواصُل الدائم بين الباحثين/ات والمُجتمع وغياب الإعلام العِلمى المُحترِف والفعّال. منذ سنواتٍ عدّة، يتنامى الوعى العامّ السياسى والاجتماعى بأهميّة الالتزام المُجتمعى من قِبَلِ العِلميّين/ات، وتزايدت التيّاراتُ التى تُناشِدهم الخروج ومُشارَكة نواتج بحوثهم العِلميّة مع العامّة، بهدف التأسيس لحوارٍ مُثمر مع المُجتمع، وبما يصبّ أيضا فى تعزيز ثقافته. تستند هذه التيّارات بأغلبيّتها إلى تأثير التقدُّم العِلمى، المباشر وغير المباشر، على حياة المُواطنين/ات وإلى الحضور الطاغى للتحدّيات المُلحّة كالتغيُّر المناخى، مَصادر الطّاقة، ندرة المياه، الأمراض المُزمِنة، وصولا إلى الأوبئة، وجميعها تتطلَّب حلولا عِلميّة مقبولة مُجتمعيّا، مّا يَستوجب استرداد الثقة والتفاهُم بين المُواطنين/ات والعِلميّين/ات. وعليه، بالنسبة إلى هذه التيّارات، لا تقتصر مَهامّ العِلميّين/ات على إنتاج المَعرفة والابتكار، بل تتخطّاه، لتشمُلَ نقْلَ المَعرِفة إلى خارج الفضاء الأكاديمى والعمل على رفع مستوى وعى المُواطِن/ة فى ما يخصّ القضايا العِلميّة، بما يُسهِم فى بناء علاقة تأثيرٍ مُتبادَل بين أهل العِلم والبيئة الاجتماعيّة.
فى المحصِّلة، بين مُروِّجٍ ومُعارِضٍ لتحميل العِلميّين/ات مسئوليّة التواصُل مع المُجتمع، علينا الاعتراف بأنّ ثقة المُجتمع بالعِلم لن تنمو وتتعمَّق من دون مدّ الجسور بين الأطراف الثلاثة المَعنيَّة بقضايا العِلم والبحوث والابتكار، وهى الحكومات والمؤسّسات العِلميّة والعِلميّين/ات، والمُواطنين/ات؛ إن كان بواسطة إعلامٍ عِلمى مختصّ أو عبر عِلميّين/ات ممَّن طوّروا مَهاراتهم التواصليّة وممَّن هُم على استعدادٍ لبذْل جهودٍ تطّوعيّة. باختصار، يحتاج بناء ثقة المُواطِن بالعِلم إلى مدماكَين رئيسيَّين: مَناهِج تعليميّة تأسيسيّة تُدرِج البُعدَ التثقيفى وتولى الأهميّة القصوى للثقافة العِلميّة بمَعناها الواسع، وتَواصُل مُستمرّ بين العِلميّين/ات والمُواطنين/ات يهدف إلى تحديثِ الثقافة المُجتمعيّة وإلى تفاعُلٍ أكثر إيجابيّة من المُجتمع الذى عليه أن يتحوّل من «متلقٍّ» إلى «فاعِل».
ونحن نعيش احتفاليّات اليوم العالَمى للإبداع والابتكار 21 إبريل من كلّ عام، نستعيد البديهيّات التى تُسهِم فى الارتقاء نحو المُواطَنة العِلميّة، ونحو مُجتمع تربطه علاقة ثقة بالعِلم، بما يَضمن مُواكَبة التقدُّم العِلمى، ليس فى أبعاده التكنولوجيّة وابتكاراته فحسب، بل الأهمّ فى تلك التى تقودنا لبلوغ التقدُّم الاجتماعى. علينا الإقرار بأنّ غياب الثقافة بشكلٍ عامّ وعزلة المُجتمع عن العِلم وهزال التآزُر بين المُواطنين/ات والعِلميّين/ات، هى من ضمن العوامل التى أَعاقت بلْورة تجاوُبٍ مُجتمعى حكيم مع القضايا العِلميّة المصيريّة. لذا يبدو أنّ ما قاله أرسطو، منذ أكثر من ثلاثة وعشرين قرنا، ما زال صالِحا وبقوّة وهو أنّ «لا قيمة لأيّ تقدُّمٍ، إنْ لم يتقاسمه الجميع».

النص الأصلى:
التعليقات