عصفور طل من الشباك - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 2:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


عصفور طل من الشباك

نشر فى : السبت 11 أبريل 2020 - 8:30 م | آخر تحديث : السبت 11 أبريل 2020 - 8:30 م

انقلبت الآية هذه الأيام. تغير شكل الصراع القديم بين الطيور والإنسان، فصار هذا الأخير حبيس القفص، أما الطيور فانطلقت تغرد عن ذي قبل. قلت مصادر الإزعاج بالنسبة لها، بعد أن انخفضت الضوضاء ونسبة التلوث حول العالم، في ظل غلق المصانع أو تقليل إنتاجها بسبب ظروف العزل الصحي واحتياطات الكورونا التي جعلت ما يزيد عن مليار شخص يجلسون في منازلهم ويكتفون بالتطلع إلى الخارج من الشرفات، وحوالي نصف هذا العدد مهدد بالفقر بحسب تقارير الأمم المتحدة.
لم تعد أبواق السيارات تخيفها والطيارات تنازعها سموات المدينة، فلاحظ الناس كيف انتظمت من جديد مواعيد تغريدات الطيور، لأنها ليست مضطرة للجوء إلى بهيم الليل حتى تصدح، بل يمكنها من جديد أن تغني صباحا مع طلوع الشمس. فجأة وفي لحظة من الإلهام الشاعري النادر، رأى الناس أسراب الحمام تطير وتحط على الأرض أمام أحد فنادق القاهرة الكبرى. في مصر ليس مثل هذا السلوك ضمن عاداته، إذ يزاحمه البشر ولا يتركون له مجالا لتلقيط رزقه كما يبغى، في حين من المعروف عنه أنه كان من أول الطيور التي اجتاحت المدن رغبة منه في توطيد علاقاته الغذائية مع بني آدم. تكيف للعيش على المخلفات اليومية: القليل من الحب، بواقي الطعام، أعقاب سجائر، كل ما هو ملقى على الأرض مسموح به، حتى تحول في بعض البلدان إلى مخلوق مزعج يحاولون التخلص منه بالتبخير ورش المبيدات مثلما يحدث مع الفئران والكائنات الأخرى المتلصصة، في حين أن الإنسان هو من أتى به إلى الحضر طمعا في أكل لحمه وحشوه وتربيته في "الغيات" الخشبية واستخدامه في توصيل الرسائل قديما.
***
لم تخرج الطيور وحدها من القفص، بل جاءت بعض الصور المتداولة على الإنترنت لتنبىء بأن الأدغال على وشك اجتياح المدينة، إذا استمر الحال على ما هو عليه، وقد وصلت بالفعل أسراب وقطعان "استطلاعية". ظهرت الأغنام في شوارع انجلترا، والدلافين في ميناء سردينيا الإيطالي، والقردة في معابد تايلاند، والخنازير في وسط مدن إسبانيا الساحلية، والغزلان في مناطق الحضر باليابان، كما لو أننا في مشاهد أفلام نهاية العالم وعلامات الساعة. خرجت الحيوانات من أحراشها بحثا عن الطعام في بعض الأحيان مثل قردة تايلاند التي كانت تتغذى على ما يقدمه لها السائحون، وعندما اختفى هؤلاء كان لزاما عليها أن تغير من عاداتها لكي تأكل، تماما مثل قطط وسط القاهرة بعد إغلاق المقاهي والمطاعم.. قطط جائعة فارغة المعدة، تظل تموء وتتمسح بساق من يمشي لاستعطافه حتى لو كان يجهل لغتها ويضج بها. وخرجت حيوانات أخرى بحثا عن توازن طبيعي أو بدافع توسيع هامش حريتها والحيز الذي تشغله، لما لا تتمشى بحرية على البحر في أيام العزل؟ وكأنها أيقنت أنها أمام فرصة لا تتكرر كثيرا يجب اقتناصها.
***
شوهدت مؤخرا الأبقار تسير في شارع رئيسي بمدينة مرسى مطروح ليلا كما لو أنهم يذهبون إلى حفلة عشاء ساهرة، أما في الصباح فهي تمرح وحيدة على شاطىء روميل. أوقات غريبة على بني آدم وعلى جيرانه من الكائنات الأخرى التي تشاركه الكوكب. لا ندري إذا ما كانت طبيعة علاقتهم ستتغير نحو مزيد من التعايش، خاصة وأن الحيوانات معروفة بالانتهازية وقدرتها على التكيف، لكن هى بالضرورة صور سريالية تدعو إلى التأمل والتفكير فيما فعلناه بالكون وما فعله بنا. نشعر أحيانا أننا أمام مشاهد من فيلم "الطيور" لألفريد هتشكوك حيث هاجمت طيور النورس سكان مدينة صغيرة بولاية كاليفورنيا. أحداث مشوقة ونهايات مثيرة غير متوقعة والعديد من محاور التحليل النفسي. على هذا النحو، صارت حياتنا تشبه أفلام هتشكوك. السماء والأرض دخلتا، على ما يبدو، في سجال فريد من نوعه. ونتائج النزال من الصعب التكهن بها. طلة العصفور علينا من الشباك صارت تحمل معان أخرى.

التعليقات