الجزائر: استحداث قواعد سياسية جديدة - العالم يفكر - بوابة الشروق
الإثنين 18 نوفمبر 2019 11:34 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

الجزائر: استحداث قواعد سياسية جديدة

نشر فى : الخميس 11 أبريل 2019 - 11:15 م | آخر تحديث : الخميس 11 أبريل 2019 - 11:15 م

نشرت مؤسسة «مبادرة الإصلاح العربى» مقالا للكاتب «رشيد تلمسانى» تناول فيه الأحداث الحالية فى الجزائر وتحدث فيه عن شكل النظام السياسى فى عهد بوتفليقة والذى أدى إلى هذا الحراك الشعبى، ونعرض منه ما يلى:

منذ الثانى والعشرين من فبراير 2019، تشهد الجزائر كتابة فصل جديد من تاريخها، يُعيد صياغة علاقة المواطنين الجزائريين بدولتهم. فى هذا اليوم، وخلافا لجميع التوقعات، تدفق عشرات آلاف الجزائريين فى المدن والقرى، احتجاجا على ترشح عبدالعزيز بوتفليقة لولاية خامسة فى الانتخابات الرئاسية المقبلة. وقد رد الجزائريون على مطالبة الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش، بعزل الرئيس بوتفليقة بموجب أحكام المادة 102 من الدستور، ثم استقالة بوتفليقة فى 2 إبريل 2019، بتظاهرات أكثر قوة، وهتاف: «الشعب يريد إسقاط النظام!».

لقد نجح حراك 22 فبراير، والذى اتخذ على مدى الأسابيع الماضية طابع المد الثورى، فى تنحية الانقسامات فى المجتمع الجزائرى جانبا، كما نجح فى حشد أفراد الشتات (خاصة الباريسى) أيام الأحد، والذين عادة ما كانوا يرفضون التظاهر خوفا من القمع. ويتمتع الحراك بثلاث سمات: فهو حراكٌ قومى، سلمى وغير تنظيمى.

لعبت وسائل التواصل الاجتماعى، كما فى البلاد العربية الأخرى، دورا أساسيا فى حشد الجزائريين، الشباب منهم والأصغر سنا. وقد حل محل المظاهرات المنظمة والفئوية حراكٌ شامل، غير حزبى على الرغم من طابعه السياسى فى جوهره، ينادى بتغييرٍ جذرى وسلمى، ويبدو غير خاضع لسيطرة كبار الفاعلين السياسيين.

كما أننا اليوم بعيدون كلَ البعد عن المخطط الإسلامى الذى يستخدمه المسئولون السياسيون كفزاعة، ويحذر منه بعض خبراء الإسلام السياسى وغابت عن المظاهرات أىُّ شعارات ذات مدلول إسلامى. لقد تعلم جيل الشباب، الذى نشأ فى العشرية السوداء فى التسعينيات وترعرع فى ظلِ ثورة تكنولوجيا المعلومات، أن يمارس السياسة بشكلٍ مختلف، بتحطيمه لأطر وقنوات التعبير السياسى التقليدية.

سردية وطنية جديدة قائمة على الكرامة
من أبرز ما ميز المظاهرات كذلك التطلعُ إلى المواطنة القائمة على كرامة الفرد والعزة الوطنية؛ وهما دعامتان حركتا الجزائريين. واعتبر الجزائريون أن إعلان ترشح بوتفليقة لولاية خامسة بمثابة إهانة لهم. منذ عام 2013، عجز بوتفليقة عن إدارة البلاد بسبب مرضه، وأصبحت هناك مجموعة يرأسها أخوه السعيد تقوم بإدارة البلاد غير محترمة الدستور.

كما يُعد الحراك القائم بلا شك إيذانا باقتحام المواطن الجزائرى المجال العام، والذى كان حتى ذلك اليوم حكرا على الدولة. يجدرُ التذكيرُ أن المظاهرات ممنوعة فى الجزائر العاصمة بحكم القانون منذ عام 2001، وبحكم الأمر الواقع فى باقى المدن. ولم يُجدِ التهديد من تكرار السيناريو السورى نفعا فى إثناء المواطنين عن النزول إلى الشارع.
إن حراك 22 فبراير لهوَ صوت شبابٍ متحمس، يشكل أكثر من 70 فى المائة من السكان. تمثل تلك المظاهرات علامة تاريخية فارقة فى عمر هذا الجيل. واليوم رددت الجماهير نشيدَها الوطنى، وعاود العلم الوطنى الظهور؛ فحُمل بالأيدى ولُف حول الأعناق والأكتاف، وظهر العلم الفلسطينى من العدم من بين تلك الحشود البشرية للإشارة إلى نوعٍ آخر من القمع.

دولةٌ قوية دون قواعد سياسية
اليوم، يبلغ عدد شرطيى الجزائر 220 ألف شرطى مجهز بأحدث الأسلحة ومدرب على أعلى مستوى، وهى تتمتع بنسبةٍ من أعلى النسب عالميا من حيث عدد أفراد الأمن إلى عدد السكان. وتقضى قوات الأمن على مظاهرات نشطاء حقوق الإنسان والنقابات المستقلة دون عناء. على الرغم من حلها عام 2016، تُواصل دائرة الاستعلام والأمن دون عقاب أنشطتها السرية، التى تشمل التنصت على المكالمات الهاتفية بشكلٍ غير قانونى، ومراقبة الاتصالات. من بين التهديدات غير المباشرة التى تواجه حراكَ 22 فبراير، تواجُد البوليس السياسى على مواقع التواصل الاجتماعى وفى المظاهرات.

لم تكف الميزانية العسكرية والأمنية عن التضخم فى عهد بوتفليقة، حتى وصلت إلى أكثر من ثلث الميزانية القومية. وبالرغم من الانخفاض الحاد فى العائدات البترولية منذ عام 2014، لم تتوقف الميزانية عن النمو. وتحتلُ الجزائر، فى الفترة من 2014 إلى 2018، المركزَ الخامس عالميا فى قائمة البلاد المستَوردة للأسلحة. وقد ساهمت المعدات الجديدة فى رفع كفاءة قوات الأمن، بَيد أنها لم يصاحبها تجديدٌ فى العقيدة العسكرية؛ فالمواطن لا يزال غائبا عن التكوين السياسى الجديد الذى يشكل جوهر الأمن.

سلطةٌ تَفتقر إلى الطابع المؤسسى
على الرغم من قوَة النخبة الحاكمة، فإن نطاقها قد تقلص، وغدت هياكلُها مرهونة بروابط الولاء. فأصبحت دولة يتنافسُ فيها اللاعبون للاستحواذ على السلطة، واضعين نصبَ أعينِهم هدفَ جباية عائدات الأمن والطاقة، فضلا عن العائد الرمزى. فى الجزائر، ينْتمى هؤلاء اللاعبون إلى الطبقة العسكرية والأمنية، والدائرة المحيطة بالرئاسة، والإدارة العليا، بالإضافة إلى الأحزاب والاتِحاد العام للعمال الجزائريين، والإعلام وكبارُ رجال الصناعة. وتعمل جماعاتُ المصالح تلك على إرساء تحالفاتٍ هشة ووقتية، إلى أن يحين وقتُ الفوز بنصيبها من الكعكة.

تتركز السلطة السياسية فى قبضة جماعاتٍ ذات مصالح متقلبة وظرفية، ترى نفسها فوق القانون. وتحولت السلطة إلى تحالفٍ من اللاعبين والجماعات إذ افتَقرت السلطة الفعلية إلى المؤسسات. إلا إن الحكومة الجزائرية ــ على الرغم من تلك السيطرة دون منازع على مفاصل الدولةــ أبدَت عجزها عن توطيد هياكل الدولة، بحيث تضمن الحدَ الأدنى من الشرعية لحائزى السلطة.

لم يأت «الإصلاحُ السياسى العميق» (2012 ــ 2016) الذى وعد به بوتفليقة إلا بمزيد من القيود على الفضاء العام، وتضمنت «الثورة التشريعية» إجراءات مشوشة ومتناقضة. كما صدرت حزمةٌ من القوانين المقيِدة للحريات بشأن الأحزابِ السياسية والمنظمات غير الحكومية وتداولِ المعلومات والنظامِ الانتخابى، للحَوْل دون ربيعٍ عربى محتمل. بارك البرلمان متعدد الأحزاب تلك الفرمانات، كما بارك التى سبقتها. أما ما تبقى من حرية، فقد أخذ يتضاءل لصالح العقيدة الأمنية، وتمَ شراء السلام الاجتماعى بعائدات البترول.

انقلاباتٌ مستمرة، قواعدٌ مبهمة وعشوائية
فى الجزائر، لا يشكل الانقلاب الأداة المفضلة للوصول إلى السلطة فحسب، بل هو ركيزةٌ أساسية للعبة السياسية. فالانقلابات مباحةٌ بكل أنواعها، بدءا من الانقلابات العسكرية، مرورا بالتعامل مع أحداث أكتوبر 1988 والانقلابات الانتخابية للرئيس بوتفليقة، وصولا إلى تأجيلِ انتخابات إبريل 2019، فضلا عن دعوة قايد صالح إلى تفعيل المادة 102 من الدستور، والتى تنص على استحالة ممارسة بوتفليقة لمهامِه. ومع استمرار الاحتجاجات، قدم بوتفليقة استقالته.

من هذا الواقع، نَستخلص ثلاث ملاحظات: الأولى، هى أن اللاعبين الجزائريين فى السلطة يتشاركون القواعد السياسية نفسَها: إذ يعتنق بوتفليقة، شأنُه فى ذلك شأنُ العسكريين والإسلاميين، رؤية استبدادية للتغيير الاجتماعى، والذى يحدث وفقا لها من أعلى الهرم إلى أسفله. والثانية، هى أنَّ تلك القواعد تظلُ مُبهمة وعشوائية. فعلى الرغم من ثلاثة عقود من التعددية الحزبية والانتخابات الدورية، تبقى القواعد غيرُ مفهومة ومغرقة فى الغموض. والملاحظة الأخيرة، هى أن آليات كهذه تجعلُ الدولة عالقة فى مرحلة «ما قبل سياسية»، تتسم بغياب الشفافية والديمقراطية، وعسكرة السياسة. لعلَّ تلك الملاحظات تفسر اهتمام المتظاهرين بتجاوُزِ الانقسامات الأيديولوجية، والتى تبدو فى نظرهم مصطنعة.

بالنظر إلى تحرُر المتظاهرين من السردية الوطنية الرسمية التى تُنصِّب النظامَ الحالى الوريثَ الأوْحد لمعركة الاستقلال، يبدو أن الجزائريين يطوون تلك الصفحة من تاريخهم الذى توقف بالنسبة إليهم عند تلك اللحظة، بتحرُر الدولة من هياكلها الاستعمارية.

إرثُ الدولة الاستعمارية
إن الجهاز الكولونيالى الذى طالما اعتُبر قمعيا واستغلاليا لم يُهدَم عشية الاستقلال، بل أُعيد تفعيله ليشكل بحكم الواقع القالبَ الشرعى للبناء الدولتى. فكان أكبرَ إجراءٍ اتخذته الجزائر عقب الاستقلال مباشرة هو الإبقاءُ على الترسانة القانونية الكولونيالية، باستثناء أحكامها التى تتعارض مع سيادة الدولة.

كان كلُ ما رَمَت إليه القيادة آنذاك هو أن تحلَّ فى نهايةِ المطاف محلَّ المستعمر، وفقا لفرانز فانون. حيثُ سعَت الحركةُ التلقائية للتسيير الذاتى عشيةَ الاستقلال إلى تقويضِ البناء الدولتى لصالح البناء القومى، لكن دون جدوى.
فبدلا من تعزيز حركةِ التسيير الذاتى الناشئة التى أعادت تشغيل وحداتِ الإنتاج التى هجرها المستعمرون، أسست الطغمةُ الحاكمة بيروقراطية ثقيلة للإشراف عليها، ومنحت المسئول عن التسيير الذاتى سلطة مفرطة.

بلمساتٍ متعاقبة تخضع لإيرادات المحروقات، رسخ الجهازُ السياسى العسكرى رؤيته للدولة. «النفطُ من أجل بناء الدولة» هو الشعار الذى التفَت حوله النخب، فى ظلِ نظام الحزب الواحد كما فى ظلِ التعددية الحزبية. حيث شُيِدت بنيةٌ تحتية ضخمة فى السبعينيات لدعم الصناعات الثقيلة ورفع الضوابط على التجارة الخارجية فى عهد شاذلى بن جديد (1979 ــ 1992)، مما ساهم فى تثبيت أقدام الدولة العميقة.

كتابةُ سرديةٍ وطنيةٍ جديدة، استحداثُ قواعِد سياسية
بعد أكثرَ من شهرين من اندلاع المظاهرات فى جميع أنحاء البلاد، لم تتغير استراتيجية الدولة، مؤكِدة على مبدأ هوارى بومدين، الذى كان ينادى بـ«دولةٍ قويَة تتجاوز الأحداث والأشخاص»، قوامُها شبكات الشرطة السياسية، القديمة والحديثة.

يعتزم الجهاز الأمنى عدمَ التفريط فى سلطاته، وتتلخص خارطةُ الطريق الخاصة به فى تأجيل الانتخابات الرئاسية المزمَع عقدُها فى 18 إبريل، واستقالة بوتفليقة. فإذا كان تعيين عبدالقادر بن صالح رئيس مجلس الأمة رئيسا مؤقتا للجزائر لمدة 90 يوما يتماشى مع عين الدستور، تبقى هذه الخطوة غير كافية لاستجابة لمطلب الشعب الجزائرى بتنحى النظام.

يسعى النظام إذن إلى تسخير الكثير من إمكانياته المادية والبشرية لمنع وعرقلة رسالة الشعب الجزائرى، حيث تنشر الشرطة السياسية رجالها على مواقع التواصل الاجتماعى لمواجهةِ حراكِ المجتمع المدنى، وهو ما يدعونا إلى الاعتِقاد بأنَ النظام لديه مرشحٌ غير ُمُعلن ينتظرُ موافقةَ أعضاء نادى صناع القرار المغلق.

قطعا لم تنتهِ الجولة الأولى لحراك 22 فبراير باستقالة بوتفليقة. بيد أنه يمكننا، من الآن فصاعدا، التأكيدُ ــ بدرجة عالية من الثقة ــ على أنَ حراك 22 فبراير أعطى إشارة البدء لعملية التحديث والمواطنة.

النص الأصلى

التعليقات