العدل أم العدالة! - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 12:05 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


العدل أم العدالة!

نشر فى : الجمعة 11 مارس 2016 - 9:35 م | آخر تحديث : الجمعة 11 مارس 2016 - 9:35 م
منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما كنت مدعوا لمؤتمر دولى وهناك التقيت عملاق القانون المستشار فتحى نجيب الذى قدم ورقة تحت عنوان: «هل نحن فى حاجة للعدل أم العدالة؟، وبعد المقدمة قال إن العدل قيمة إلهية عليا أما العدالة فهى تطبيق هذه القيمة من خلال الدستور والقانون والأعراف... إلخ، ثم أردف العدل هو اسم من أسماء الله الحسنى لذلك لا تحتوى فقط على مفهوم العدالة القانونية لكنها تعلى الإنسان على مواد القانون. فالقانون لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل القانون، واستعار فى ذلك الوقت مقولة للسيد المسيح عندما انتقده اليهود لأن تلاميذه يكسرون شريعة تقديس يوم السبت بأكلهم من ثمر الحقول التى يمرون بها وهذا فيه كسر لوصية موسى النبى «احفظ يوم السبت لتقدسه» فأجابهم السيد المسيح: «إن السبت جعل لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل السبت». وقد تم تطبيق هذه المقولة على جميع الوصايا بعد ذلك بالقول «الوصية لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل الوصية»؛ فالوصية الإلهية جاءت لأجل إسعاد الإنسان وليس لشقائه.

قال إن القوانين الوضعية لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل القوانين الوضعية، وهذا لا يعنى الفوضى لكنه يعنى أن يبحث القاضى ويدقق ليس فقط فى القوانين المناسبة للتهمة التى أمامه، لكن بنفس الدرجة والدقة يبحث فى دوافع وظروف الإنسان المتهم. ومن الأمثلة التى طرحها ومازلت أذكرها أن قاض حكم على قاتل اعترف بالجريمة والشهود ادانوه بالبراءة؛ لأنه كان مقعدا على كرسى متحرك ويعانى السرطان الذى لم يكن له علاج فى ذلك الوقت وهو عجوز تعدى الخامسة والسبعين، وفى حيثيات حكمه كتب القاضى لابد أن المتهم كان مكتئبا بسبب مرضه والأطباء صرحوا له بأنه سيموت قريبا، ولحظة القتل لحظة جنون ماذا ستستفيد العدالة من إعدامه أو سجنه إنها ستريحه من عذابه وعذاب الضمير أكبر وأعظم.

وقدم أكثر من مثل بهذا الشأن وقد قوطع الدكتور فتحى بالتصفيق الحاد أكثر من مرة لأنه ذكر عدة أمثلة على الفارق بين القاضى الذى ينظر فقط للأوراق ويحكم، وهى العبارة التى يلوكها المسئولون كلما صدر حكما اعتبره الناس جائرا أو غير منطقى لكى يصمت كل منتقد، وبين القاضى الذى بعد أن ينظر للأوراق مدققا يرفع رأسه لينظر إلى الله فى السماء والإنسان على الأرض ويتذكر قيمة العدل «الله العدل» والتى تحتوى فى داخلها قيم الرحمة والإنسانية والخير والحق والجمال والمستقبل.

***

لقد درست القانون كهاوٍ فى حقوق الإسكندرية والقاهرة على يد الأساتذة وحيد رأفت وسمير تناغو ورفعت المحجوب وفتحى سرور ــ قبل أن يتسيس، ولقد استمعت لقامات قانونية فى مؤتمرات محلية على رأسهم د. يحيى الجمل ود. نور فرحات. وما تعلمته من كل هؤلاء هو أن السلطة القضائية فى مصر هى رمانة الميزان بين السلطتين الأخريين التنفيذية والتشريعية؛ فهى الملاذ الأخير لأى إنسان يشعر بالظلم أو القهر سواء من السلطة التنفيذية أو التشريعية.

لقد كان للسلطة القضائية موقفا واضحا من السلطة التشريعية عندما قام بحل البرلمان أكثر من مرة لعدم دستوريته، وكذلك إصرار السلطة القضائية أن يقوم الرئيس المنتخب د. محمد مرسى، بإلقاء القسم أمام المحكمة الدستورية العليا، ولقد صفق المصريون والعالم لهم فى مثل هذه المواقف، لكن ما حدث وتكرر فى السنوات القليلة الماضية من السلطة القضائية يضع أمامنا آلاف علامات التعجب والاستفهام. فقد حكم قاض فى المنيا بإعدام 500 متهما من الإخوان وصدر حكم آخر بإعدام مائتين وقد انتفض العالم المتحضر ضد أحكام الاعدام الجماعى، ثم توالى الحكم فى قضايا ازدراء الأديان فإسلام البحيرى خلف القضبان وفاطمة ناعوت مهددة به. كذلك قضايا «خدش الحياء» لأحمد ناجى مؤلف رواية «استخدام الحياة» وهذه القضية اشتهرت داخليا وخارجيا ب «محاكمة الخيال» وهذا التعبير إهانة لقضاء مصر، وأخيرا صدر حكم بحبس أربعة أطفال «14 سنة» لمدة خمس سنوات بتهمة ازدراء الدين. نحن هنا نحترم تماما حكم القضاء ولا نناقشه من الناحية الفنية أو القانونية لكن السؤال لماذا صدمت هذه الأحكام الشعب المصرى والعربى والدولى واستخدمتها وسائل الإعلام العربية والدولية للنيل من مصر؟.

***

من المعلومات التى أبهرتنى فى دراستى بالخارج لنيل درجة الدكتوراه ــوكان على أن أختار مواد موازية لتخصصى «مقارنة الأديان» واخترت مادة القانون، عندما سألت أحد الأساتذة المشهورين عن المقولة التى نرددها فى مصر بفخر أن عدالة القاضى تظهر وتتضح فى أنه لا يحكم بعاطفته ولا بمسموعاته ولا بخلفيته الدينية لكنه يحكم من خلال الأوراق التى أمامه، وإذا بالأستاذ يرفع حاجبيه متعجبا ويبتسم ابتسامة ساخرة قائلا: «بالطبع يدرس القاضى الأوراق التى أمامه لكنه يحكم بضمير القاضي؛ فالقاضى إنسان وإذا حكم من خلال الأوراق فقط يفقد إنسانيته ويصبح آلة صماء، ثم أردف أننا لو قبضنا على شخص فى قضية قتل أو سرقة أو اغتصاب ووضعنا القوانين «Data» فى الكمبيوتر، ثم وضعنا كل ملابسات القضية والمذنب وكل ذلك فى برنامج مصمم خصيصا لهذا الأمر لتحليل كل دليل والأدلة على بعضها البعض؛ فإن هذا البرنامج سوف يحكم من خلال الأوراق أفضل كثيرا من أى قاضى وأسرع، إن اعتمادنا الكامل هو على القاضى الإنسان. ثم ترك موضوع المحاضرة وبدأ يشرح فى أهمية أن تكون شخصية القاضى والمدعى والمحامى شخصيات ناضجة بمعنى أن يتمتعوا بثقافة عامة مرتفعة وبثقافة قانونية عميقة. وقال إن شخصية القاضى فى أمريكا توليها الدولة والمعاهد العلمية اهتماما خاصا جدا فى العناية بتكوينها بحيث لا تكون أحادية النظرة، أو متعصبة دينيا أو عرقيا أو جنسيا أو محتاجة ماديا أو معرضة فى طفولتها لعقد نفسية.

عندئذ قلت أنه فى زمان غابر كان اختيار من يدرس القانون فى مصر لابد أن يكون من الطبقة العليا المتعلمة لكن بعد ذلك أصبح من يدخل سلك النيابة أبناء الأساتذة وأبناء القضاة، قال هذا أسوأ شىء ممكن أن يحدث لأن أبناء القضاة يفقدون الحساسية للعدالة والإنسانية لأنهم يسمعون الأب يتحدث كثيرا عن أحكامه ثم يفاجئون أن الدرجات الأخرى فى التقاضى تحكم بالعكس فيفقدون حساسيتهم للحس الإنسانى.

***

تذكرت كيف أن التعليم تدهور فى بلادنا وصبغ بصبغة دينية محافظة وكيف رفعت قصة الأيام لطه حسين وحياة محمد وحياة المسيح لعباس العقاد وقصص نجيب محفوظ من المناهج الدراسية وكيف انهارت المنظومة التعليمية فى الجامعة. وإذا بنا نترحم على أيام كان خريج طب القاهرة فى الماضى تتهافت عليه مستشفيات الدول العربية وجامعات العالم، وخريج الهندسة يشيد أعظم البناءات فى مدن أوروبا، وأحكام القضاء المصرى يصفق لها القاصى والدانى فى أنحاء العالم. والآن كل مصرى مقتدر يرفض العلاج فى مصر والعمارات تسقط على رءوس الناس، وأحكام القضاء تثير العجب العجاب. لقد كنت أرى أبى وأساتذتى وأنا فى الابتدائى عندما يعجبون بحكم قاض ما يفركون أيديهم فى بهجة قائلين «إن فى مصر قضاة» وفى السنين الأخيرة أوحشتنا هذه العبارة.
إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات