حالة الاتحاد وحالة الاقتصاد - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 2:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

حالة الاتحاد وحالة الاقتصاد

نشر فى : الإثنين 11 فبراير 2019 - 10:50 م | آخر تحديث : الإثنين 11 فبراير 2019 - 10:50 م

الاقتصاد علم اجتماعى يتحد بقوة مع علم المنطق الذى وضع أساسه الإغريق، وينهل من أدوات علم الكلام الذى برع فيه العرب، واستخدموه أساسا لنصرة العقيدة والشريعة الإسلامية. الاقتصاد ليس علما يقينيا يمكن القطع بصحة رأى اقتصادى على حساب رأى آخر. لكن أصحاب المنطق الاقتصادى المنضبط، والبناء الفلسفى الأكثر اكتمالا لرؤيتهم الاقتصادية، هم وحدهم الظاهرون.
فى جعبة الاقتصاديين حبال وعصى تسحر أعين الناس، وأدوات من امتلك زمامها دانت له الحقائق، ولو لم يكن الحق فى جانبه. من تلك الأدوات السببية والإبطاء والشمول وثبات العوامل الأخرى.. فكيف يعمل هؤلاء؟
أما السببية ففى فلكها تضيع السياسات والقرارات التى تحققت بها أهداف وتحسنت بها مؤشرات، يلتبس على الناس السبب والنتيجة، فلا يكاد المرء يميز بين إنجازات عهد وإخفاقات عهد آخر إذا ما تم استدعاء لغز السببية. هل حصد «بوش» الابن ثمار التحسن الاقتصادى الذى وضعه «كلينتون»، أم أن سياسات الجمهوريين فى البيت الأبيض صاحبة الفضل فى ذلك التحسن؟ هل أنشأ «ترامب» اقتصادا قويا أم استلمه معافى من «أوباما»؟ وتاريخيا، هل تأسست حقبة الستينيات الصناعية فى مصر على أسس اجتماعية وتعليمية واقتصادية متينة فى العهد الملكى، أم أنها نبت شيطانى خلق مجتمعا جديدا مع نشوب ثورة يوليو عام 1952؟ وهل إخفاقات الثمانينيات الاقتصادية والاجتماعية تأسست على حقبتى الستينيات والسبعينيات، أم ما قبل ذلك؟ الإجابة على تلك الأسئلة مثار جدل، ولن يحسمها صاحب حقيقة مطلقة، بل ربما حسمت نسبيا لصاحب المنطق المنضبط كما سبقت الإشارة.
***
يرتبط بالسببية أداة أخرى وهى «الإبطاء»، فالآثار والنتائج التى نتوقعها استجابة لقرار أو سياسة اقتصادية بعينها، لا تتحقق فورا، بل تأخذ وقتا حتى تختمر، يطول ويقصر بحسب العديد من العوامل والمؤثرات، أبرزها طبيعة المتغيرات الاقتصادية محل الدراسة، ومدى تأثيرها على المستوى الكلى والجزئى، فضلا عن سرعة الدورات الاقتصادية وارتباطها بسرعة تداول المعلومات فى الأسواق.. إلى غير ذلك من عوامل. هل تتراجع مؤشرات البورصة فى جلسة بعينها نتيجة لقرار مقيد للتداول صدر فى ذات اليوم، أم أنها تستجيب لاضطرابات إقليمية وحروب تجارية بدأت منذ أسبوع أو أكثر، أم هى محض حركة تصحيحية دورية مرتبطة بتسويات المراكز المفتوحة للهامش نهاية كل أسبوع؟ يمكنك أن تستخدم الإبطاء متى شئت لإلقاء اللوم على شخص أو حقبة أو مشروع فى فساد وقع أو خسائر تحققت، وكذلك يمكن تطويع فترات الإبطاء لتنصف هؤلاء، وتلقى باللائمة على آخرين سبقوهم أو جاءوا بعدهم.
من أدوات الاقتصاديين فى تلبيس الحقائق، أو قل لإقامة بنائهم الفريد لمفهوم الحقيقة، مزج الكلى بالجزئى، فما يصح لفهم الاقتصاد الكلى لا ينسحب بالضرورة على اقتصاد المؤسسات والأفراد. الدولة تنظر إلى رفع أسعار الوقود مثلا من جوانبه المختلفة، وتقيس أثره على مدخلات الصناعة ومخرجاتها وسائر عناصر مصفوفة الحسابات القومية. الأثر الصافى لرفع سعر الوقود بقرش صاغ واحد يمكن أن يكون سلبيا على الناتج المحلى الإجمالى. لكن إذا أردت أن تنظر إلى هذا الأثر على قطاع واحد مثل قطاع البترول، إيراداته وأرباحه ومديونياته، فسوف تقصر الرؤية دون شمول مختلف الجوانب المهمة لتقييم أثر السياسة الاقتصادية على الاقتصاد والمجتمع فى مجمله.
أما عن ثبات العوامل الأخرى، فهو فرض غير منطقى، لكنه لازم لعزل المتغيرات وقياس أثرها فى ظروف علم اجتماعى إنسانى، لا يتمتع بما تمتاز به علوم الكيمياء والأحياء مثلا من إخضاع العناصر للتجربة المعملية وعزلها بسهولة. ثبات العوامل الأخرى يجعل الرؤية قاصرة مشوشة، يجعلها انتقائية، تلقى الضوء على لقطة بعينها أو نجاح محدود، ثم تجنح إلى تضخيمه بمعزل عن العوامل الأخرى التى تأثرت سلبا وبشكل كبير... لكن صاحبنا الاقتصادى الماكر أراد ألا ينظر إليها الآن! فلا تنظر إلى الاحتياطى بمعزل عن الدين العام، ولا إلى الإنفاق بمعزل عن العجز الكلى، ولا إلى النمو بمعزل عن التشغيل والتضخم.
***
فى خطابه الأخير «حالة الاتحاد» قدم الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» ملف الانتصارات الاقتصادية التى يزعم تحقيقها، باعتبارها الإنجاز الأبرز الذى تحقق فى منتصف ولايته الرئاسية. وعلى الرغم من قيامنا فى مقالات سابقة بتفنيد كثير من تلك المزاعم، إلا أنه لا بأس من تسليط الضوء على أدوات «ترامب» ومنطقه الاقتصادى فى سياق هذا المقال، وعلى خلفية الخطاب الرئاسى الأشهر.
مرتكز الإنجاز «الترامبى» هو الإصلاح المالى من خلال الخفض الضريبى، وزيادة الإنفاق الحكومى، والإصلاح التشريعى والتنظيمى المعزز للثقة والمحفز للاستثمار، وزيادة التشغيل، وتحسن أداء سوق المال. المنطق المضاد يقوم على إثبات عبث «ترامب» ومؤيديه بالسببية والإبطاء وإغفالهم للشمول وإيثارهم للقطة بعينها دون المشهد الكلى، فكيف هذا؟
بالنسبة للخفض الضريبى البالغ 1.5 تريليون دولار فإن توقعات أوكسفورد إكونوميكس أن يحفز هذا الخفض نمو الاقتصاد بنحو 0.4% للعام 2018 و0.1% للعام 2019 نتيجة لزيادة الإنفاق الاستهلاكى والاستثمارى. تصطدم تلك التوقعات المتفائلة بكون ذلك الخفض الضريبى يكلف الحكومة تريليون دولار سنويا ولمدة عشر سنوات! وذلك على الرغم من زعم البيت الأبيض بأن الإصلاح الضريبى سوف ينفق على ذاته من ناتج زيادة النشاط الاقتصادى! وعن ذلك تقول «مايا ماجوينياس» رئيس مركز «نحو موازنة فيدرالية مسئولة» إن العجز المشار إليه من شأنه أن يغل يد الحكومة عن ضخ أى حزمة تحفيزية جديدة لمجابهة الركود القادم.
بالمثل فإن زيادة الإنفاق الحكومى بقيمة 300 مليار دولار على عامين وفقا لقانون موازنة عام Bipartisan Budget Act of 2018 من شأنه أن يحقق عجزا تراكميا فى الموازنة بقيمة 1.5 تريليون دولار خلال الأعوام العشرة القادمة وفقا لعدد من الاقتصاديين الأمريكيين.
أما عن سوق العمل فإن العام الماضى قد شهد خلق نحو 223 ألف فرصة عمل شهريا فى المتوسط، وكان المتوقع ألا يزيد العدد عن 170 ألفا فقط. يعتقد الاقتصادى «جريجورى داكو» أن «ترامب» قد ورث الاقتصاد معافى من إدارة «أوباما» فخلال العامين الأخيرين له فى الرئاسة نجح «أوباما» فى إضافة 5 ملايين فرصة عمل مقارنة بنحو 4.8 مليون فرصة فى عامين من حكم «ترامب». لكن بشكل عام وعلى الرغم من طبيعة الوظائف التى يتم خلقها ومدى استدامتها فإن انخفاض معدلات البطالة إلى 4% فى عهد ترامب هو مؤشر مبهر، لكنه تأثر بشكل كبير بفقاعة تحفيزية وإغراءات ضريبية وتنظيمية، سيكون أثرها بالغا على عجز الموازنة فى الأجل الطويل. أى إن الرئيس الحالى قد اشترى الحاضر بالمستقبل وبثمن باهظ.
بالنسبة للتعديلات التنظيمية والتشريعية فإن البيت الأبيض قد أعلن عن إلغاء نحو 1500 تشريع، لكن المحللين يؤكدون على كون معظم تلك التشريعات متصلة بخفض الانبعاثات الكربونية، والتصدى لظاهرة الاحتباس الحرارى بمنشآت الطاقة، وأن الأثر الاقتصادى لظاهرة التغير المناخى وفقا لتقرير صدر عن 13 وكالة فيدرالية نوفمبر الماضى، من شأنه أن يجعل الاقتصاد الأمريكى أصغر حجما بنسبة 10% بنهاية القرن. السياسات المرشدة للتشريعات جاءت على حساب الأجل الطويل، ولصالح مكاسب مباشرة حققها أرباب الاعمال أقر بها الاقتصادى «مارك فيتنر». يقول الاقتصادى «جريجورى داكو» إن سياسات ترامب الضريبية والخاصة بالإنفاق العام وترشيد القيود التنظيمية تعزز النمو فى الأجل القصير، لكنها بالإضافة إلى سياساته التجارية تزيد من درجة عدم اليقين وتضر بالنمو فى الأجل الطويل.
***
السياسة التجارية أو قل الحروب التجارية لترامب ستكون تكلفتها أكبر من إيراداتها المتوقعة فى الأجلين المتوسط والطويل. فزيادة التعريفة الجمركية على الواردات الصينية بقيمة 250 مليار دولار، ستقابله معاملة بالمثل على الصادرات الأمريكية للصين خاصة منتجات المحاصيل الزراعية. وإذ يرى المؤيدون لسياسات ترامب التجارية ومنهم «مارك فينتر» أنها سوف تنجح فقط لو تمكن من إقناع الجانب الصينى بوقف السطو على حقوق الملكية الفكرية للمنتجات الأمريكية! فإن الرأى المعارض يرى أن تلك السياسات قد خلقت حالة من العزلة الأمريكية وزيادة عدم اليقين فى أسواق التجارة كما لم يحدث منذ 25 عاما، على الرغم من عدم وجود أى مؤشر للتحسن على ميزان التجارة الأمريكى مع الصين!
حتى المؤشر الأكثر استهلاكا فى تغريدات وتصريحات الرئيس الأمريكى، والمرتبط بانتعاش بورصات الأوراق المالية، فإنه قد تغذى خلال الفترة الأولى من إدارته على السياسات الضريبية والتنظيمية المحفزة لقرارات الاستثمار غير المباشر، الأمر الذى ساعد على ارتفاع مؤشر إس آند بى 500 بنحو 30% فى عامين! ولكن سرعان ما فقد المؤشر 8% من قيمته منذ سبتمبر الماضى، على خلفية المعارك التجارية ضد الصين وكندا والمكسيك، والغلق الجزئى للحكومة وما صاحبها من مخاطر كبرى.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات