من مفكرتي.. أيام في تونس - جميل مطر - بوابة الشروق
السبت 28 مايو 2022 2:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد طلب النادي الأهلي بإعادة مباراته أمام البنك الأهلي في الدوري العام؟

من مفكرتي.. أيام في تونس

نشر فى : الثلاثاء 11 يناير 2022 - 8:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 12 يناير 2022 - 8:55 م
أتوقف عن القراءة أو الكتابة لألحق بنشرة الأخبار تفاديا لصنع رأي تنقصه المعلومات الأحدث. أجلس أمام الشاشة ومعي فنجاني. أندم على دقائق تضيع أمام إعلانات يفرضونها على ذوى الحاجة مثلي لمعلومات جديدة. تأتي اللحظة التي انتظرها في مثل هذا الموعد وكلي أمل، أمل الكاتب المرهق، أن تقرأ الأخبار المذيعة التي أفضلها على كل مذيعات الأرض. غالبا تأتي استجابة لرغبة لم أعلن عنها  لأحد إلا اليوم. لست وحدي فالعشرات الذين أعرفهم وآلاف لا أعرفهم لاشك أن رغبة مماثلة تولدت فيهم وترعرعت حتى صارت عند بعض ممن أعرف إدمانا أقوى من مجرد رغبة. أعترف ولا أنكر أنه في معظم الأيام الأخيرة ألجأ إلى الشاشة في هذا الموعد على أمل أن أسمع من مذيعتي آخر خبر عن تونس التي أحبها. أسمعه وأعود إلى القراءة أو الكتابة مدفوعا بسحر المذيعة وحسن إلقائها وفي الوقت نفسه  بقسوة التطورات في بلد أحببته سعيدا ومؤنسا وأحبه متوجعا ومنهكا.

نعم، أحببت تونس حتى قبل أن أطير إليها أول مرة لأقابل الحبيب بورقيبة رئيسها الأول. جذبتني إليها شذرات من تاريخها مثل الحكايات عن مقاومتها طويلة الأجل للفتح العربي والروايات عما فعلته بخضارها وخضرتها قبائل عربية نزحت من مصر تحمل الأوامر بإخضاع فلول المقاومة المستمرة. جذبتني أكثر سمعتها كبلد يؤنس الأغراب من كل لون وجنس وعقيدة، كانوا على حق المؤرخون الذين يقال عنهم أنهم  ألصقوا بها اسم تونس نسبة إلى موهبة أهلها في المؤانسة وحسن استقبال الضيوف.

• • •

عدت إلى تونس مرارا قبل أن أحل عليها ضيفا لست سنوات متصلة قضيتها نائبا لرئيس الإدارة العامة لشئون فلسطين بالجامعة العربية. أما كيف قادتنى الظروف إلى هذه الرحلة الطويلة فتتضمنها حكاية لم يسبق لى أن أرويها شفاهة أو كتابة. ذات صباح فى يوم من أيام صيف سنة 1981 اتصل بى مسئول يشغل مناصب مرموقة فى أعلى أجهزة الدولة. جمعتنى بهذا الشخص علاقة تقدير متبادل. أعجبت بمهارته فى إدارة أمور جوهرية فى الدولة المصرية من وراء ستار. لم يحب الظهور ولكن أحب السلطة فأدمنها. كنت أكتب بانتظام فكان يقرأ ويحترم ما قرأ ولا يعلن. كثير مما كتبت، وهو غير جارح وإن مستفز، قرأه ولم يتصل ليعترض أو يناقش. كان يحضر بانتظام جلسات للعصف الفكرى حول قضية أو أخرى من قضايا هى من اختصاص أجهزة صنع القرار. يكتب كل كلمة ويناقش أحيانا. كتبت عاليه أنه اتصل فى ذلك اليوم من الصيف. استغرقت المكالمة أقل من دقيقة فكلماتها معدودة، قال «سمعت أنك سوف تسافر إلى بيروت غدا أو بعد غد، بالسلامة». لم يكن فى جدولى عزم على سفر قريب، ومع ذلك اتصلت على الفور بمكتبى مع تكليف عاجل بحجز مقعد على طائرة فى الغد وتفضيل الرحلة الصباحية. فهمت الرسالة وتفهمت أسباب غموضها وإلحاحها وسافرت فعلا فى اليوم التالى من القاهرة إلى بيروت ومنها بعد أيام إلى تونس. هناك وفى شهر سبتمبر وصلتنا أخبار اعتقال العدد الغفير من مفكرى مصر من جميع التيارات والميول السياسية. عملا بنصيحة المسئول المختفية وراء مكالمته القصيرة سكنت تونس، ولم أعد إلى القاهرة إلا بعد ست سنوات.

اخترت للسكن بيتا مريحا في ضاحية قرطاج. يطل البيت على شارع لعله كان من أجمل شوارع العاصمة. شارع تحفه من الجانبين أشجار النخيل الفارهة ومنازل أنيقة وبسيطة، الواحد أجمل في بساطته من الآخر. ينتهي الشارع عند البحر وتقوم هناك على جانب من جانبيه أطلال قلعة ومسرح ومقابر رومانية وقرطاجينية. قرطاج ليست واحدة. كنت أسكن في «قرطاج الرئاسة» حيث يوجد على مقربة من مسكني  قصر الرئاسة يقيم فيه ويدير منه شئون الدولة رئيس جمهوريتها. وبجوارنا أو يحيط بنا قرطاج «حنبعل» نسبة إلى القائد المغوار الذي خرج لمحاربة الرومان مع جيش جرار وحشد من الأفيال، عبر بها البحر المتوسط واعتلى معها جبال الألب ونزل  مكتسحا سهل لومبارديا وتقدم جنوبا حتى وصل إلى روما.

لهذه الكتلة القرطاجية أهمية في هذه المفكرة الموجزة. إذ تكاد هذه الكتلة تلاصق حي سيدي بوسعيد. على أطراف هذا الحي الأقرب إلى حيث كنت أسكن اختار ليسكن قريبا منا بعض مشاهير تلك الفترة. بينهم أبو جهاد وأبو الهول وأبو إياد وأبو مازن.  سمعت بعد عودتي إلى القاهرة أن عددا منهم قتل على أيدي إسرائيليين وهم في منازلهم.

إن نسيت فلن أنسى هؤلاء الأبطال الذين قتلوا، وبخاصة أبو إياد الذي كنت التقيت به في القاهرة في بيت الصديق العزيز محمد الفرا بمصر الجديدة، ليلتها أسمعنا روايات حقيقية وصادقة عن تفاصيل علاقات الثورة الفلسطينية بزعامات وحكام الدول العربية. أقول حقيقية وصادقة لأنني عشت في تونس جارا وزميلا لقيادات فلسطينية من مستويات مختلفة حكت لنا الروايات ذاتها ولكن بعد دبلجتها إلى لغة اللحظة السائدة. أذكر أيضا ليلة اصطحبني فيها الراحل الصديق لطفي الخولى، وكان قد أفلت من اعتقالات خريف الغضب لوجوده في باريس، ولينتقل منها إلى تونس، اصطحبني إلى اجتماع يرأسه أبو عمار في مقر مكتبه في شارع يوغرته القريب من العاصمة. مرة أخرى أشاهد الزعيم الفلسطيني وهو يتكلم. تارة أصدق ما يقول، وتارة أخرى أتفهم مراوغاته ومبالغاته فيما يقول. مرارا وتكرارا كنت شاهدا عليه وعلى كثيرين غيره من قادة الأمة العربية خلال الاجتماعات المغلقة لمؤتمرات القمة  التي حضرت منها عددا لا بأس به، ومع ذلك لم أفقد يوما الأمل.

• • •

كانت مرحلة عائلية هادئة. كان يسكن على مقربة مني زميلات وزملاء جلبوا للحي دفئا منعشا. أعود من عملي في الثالثة بعد الظهر أحمل رغيفين من الخبز الفرنسي أحدهما معضوضة رأسه. تستقبلني ابنتي الصغرى وكانت في التاسعة من عمرها أو أكبر قليلا. أظن أنها أكثر من استمتع في العائلة بالانتقال إلى تونس. تعود من المدرسة، تخلع زيها الرسمي وتنطلق إلى الشارع الجميل تمد يدها إلى الأشجار على الطريق لتقطف لنفسها أو تستدعي من يقطف لها حبات اليوسفي وتنتظر عودتي.  تسألني كل يوم عن المسئول عن قضم رأس «الباجيت» فيكون جوابي، أنه الفأر اللعين. قررت بعد حين أن تذهب معي إلى الفرن على مدخل ضاحية قرطاج لتتلقى بنفسها أرغفة الخبز والكعك الخارجة لتوها من الفرن. في الطريق أرادت كل مرة أن تبهرني بما حفظت من شعر العرب ونصوصهم الأدبية. كانت سعيدة بما حفظت في هذه المدرسة وبمن صادقت وبكلمات قليلة من لغة الفرنجة. في أيام العطلة الأسبوعية وفي العطلات الصيفية عندما يكتمل نصاب العائلة نذهب إلى ضاحية قامارت. هناك يحلو للجميع اقتطاف حبات التين الشوكي ونعود ليبقى الشوك الذي حمله هواء البحر عالقا بشعرنا وملابسنا لا يرحل إلا بحمامات عديدة متتالية. 

لنا في هذه الضاحية وأقصد قامارت جولات. هناك يوجد بعض أرقى مطاعم تونس وفنادقها. هناك قضيت أوقاتا ممتعة في صحبة كبار الضيوف القادمين من القاهرة وغيرها من مدن الخليج والمشرق. كنت والصديق الراحل صلاح ماميش نتناول معا الغداء أو العشاء عندما تغيب زوجتى والأولاد في شهور الشتاء. كانت لصلاح طقوس نحترمها، كنت أفضل الخروج لتناول الغداء يوم السبت ولكنه كان يفضل الأحد. عذره الذي لا يحيد عنه هو أن السبت سواء في مصر أو في تونس مخصص لأحذيته العشرين. أنه اليوم الذي تصطف فيه الأحذية صفين في انتظار الطلاء ثم التلميع فالعودة إلى قوالبها الخشبية.

• • •

للبيت الذي سكنت أكثر من قصة. جرت فيه خلال سنوات إقامتي بتونس مقابلات مطولة مع ضيوف أرتاح لهم وأعتز بما يمثلون في سيرتي الشخصية. من هؤلاء أحمد بهاء الدين الذي لم أعرف له مثيلا في إنسانيته وغزارة علمه ومعلوماته. منهم أيضا محمود رياض، الرجل الهادئ الخبير بلا إدعاء في الشئون الخارجية والعارف بذهنية حكام العرب ربما أكثر من أي شخص آخر عرفته واشتغلت تحت قيادته، ومنهم محمد حسنين هيكل، موسوعة في السياسة والصحافة وحفظ الشعر والقرآن الكريم وبراعة وفراسة في سبر أغوار من يلتقي بهم أو يعمل معهم. ومنهم أيضا محمد سيد أحمد الصديق الذي ملأ مع سميح صادق زميلي في الدبلوماسية وما بعدها فراغا في مراحل متعددة من حياتي. كثيرون قضوا في هذا البيت ساعات أو أياما. منهم أيضا زوار دائمون من هواة ومحترفي الحوارات السياسية والثقافية  وأغزرهم إبداعا لطفي الخولي. آخرون تونسيون ولبنانيون وفلسطينيون وغيرهم جعلوا من إقامتي في تونس واحدة من أهم المراحل في مسيرة حلي وترحالي.

قبل أيام من انتقالي من بيتي إلى فندق في الحي ذى التقاليد العريقة والمناظر الخلابة، أقصد طبعا حي سيدي بوسعيد، قابلت بالصدفة الآنسة أبريل جلاسبي يسبقها كلب هائل الحجم. كانت صدفة طيبة إذ مضت مدة طويلة على آخر لقاء لنا حين كانت تعمل بالسفارة الأمريكية في القاهرة. أبلغتني أنها في تونس في وظيفة إدارية، إذ جرى تكليفها بإدارة المعهد الخاضع للاستخبارات الأمريكية والمعروف بمعهد شاملان ومقره الأصلي جبل لبنان، مهمته تدريب الدبلوماسيين وأعضاء الأجهزة العاملة في الشرق الأوسط على لغات المنطقة ولهجاتها وتقاليدها وتراثها. ومقره المؤقت مدينة تونس. فهمت من الحديث معها على مدى لقاءات متعددة أنها، ولم تقلها صراحة ولكني تحريت، تنفذ عقابا قرره هنري كيسنجر كوزير للخارجية بسبب مقابلات أجرتها مع فلسطينيين يعملون في وفد فلسطين في الأمم المتحدة عندما كانت تعمل في الوفد الأمريكي. تذكرت الآن أنني قابلتها مرة أخرى في القاهرة عندما التقينا بصدفة أيضا بعد سنوات على لقاء تونس، التقينا على سطح مقهى عائم في حي الدقي يملكه رجل أعمال شهير. عرفت منها أنها زارت إقليم غزة بتكليف رسمي من الوزير الجديد ورحنا نناقش مستقبل الصراع مع إسرائيل. عند لحظة التوديع قالت وعلى فمها ابتسامة أصبحت أعرف معناها، قالت ما معناه "أنصحك بصفتك خبيرا في تفاصيل القضية أن تهتم من الآن فصاعدا بشاب من شباب الانتفاضة، لعب دورا كبيرا في تنظيمها وقيادتها، وكان قريبا جدا من أبو جهاد. هذا الشاب سوف تسمع اسمه كثيرا". عملت بنصيحتها. تابعت صعود الشاب. كانت جلاسبي على حق، فقد صار واحدا من كبار رجال الأعمال ومقره دولة الإمارات ويتحرك كثيرا في اتجاه غزة ويقود هذه الأيام تيارا يسعى لإصلاح حركة فتح ويتردد أنه يحلم بقيادة الحركة ومنها إلى قيادة منظمة التحرير.

• • •

عدت إلى القاهرة لأكتشف أن بيتي في قرطاج وما دار فيه على امتداد ست سنوات كان محل اهتمام دوائر معينة في القاهرة. وصلت من المطار لأجد في شقتنا بالمهندسين أقارب ومعارف في انتظار تهنئتي بالعودة. بعد ساعة جاءت ابنتي الأكبر إلى حيث كنت أجلس مع شقيقتي الصغرى ومعها الهاتف يجر وراءه سلكا طويلا. هناك على الجانب الآخر من السماعة صوت يرحب بوصولي بدفء شديد، قدم نفسه فانكتم صوتي لثوان. قال أنه النقيب فلان وأنه ورؤساءه سعداء بوصولي ويعقدون الأمل على لقاء في محل عملهم في أقرب وقت. رغم دفء حفاوة المتحدث ومشاعره لم أستحسن الدعوة. جاء ردي بعد برهة وأظن أنه كان موفقا. شكرته وأبديت الترحيب بفكرة اللقاء الودي متمنيا أن يكون في بيتي. بعد ساعة أو أقل كان في بيتي اثنان برتبتين متفاوتتين. خرجت زوجتي إلى الصالون الخارجي حيث كانا  يجلسان تحمل لهما الشاي ومرفقاته، سمعتها تشكرهما على اتصالهما الدائب بالعائلة للاطمئنان وحل مشكلاتها مع البيرقراطية لم تقو بنفسها أو مع أولادي على حلها في غيابي. شربا الشاي ونهضا لينصرفا بين استغرابي الشديد. وبينما كنت أمشي معهما  لباب الخروج سحبني جانبا الأقدم رتبة وهمس قائلا "أتعبتنا بنشاطك الاجتماعي والحوارات شبه اليومية التي جرت في بيتك بتونس على امتداد سنوات، أهلا بك في بلدك وبين أولادك. لا تتردد في الاتصال بي أو بزميلي الذي قرأ كل ما كتبت في حياتك فهو الخبير بك بيننا ويقدرك ويحترمك".

لم تغب تونس عن بالي. زرتها مرات عديدة بعد تلك العودة. كانت تتغير ربما إلى الأحسن في رأي بعض الناس وربما نحو مصير غامض حسب رأي آخرين. حبي لها باق.

    

   

            
جميل مطر كاتب ومحلل سياسي