مقهى ستاربكس ومطاعم الفول: هل تلاشت الطبقة الوسطى قبل أم بعد الربيع العربى؟ - مواقع عالمية - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 4:08 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

مقهى ستاربكس ومطاعم الفول: هل تلاشت الطبقة الوسطى قبل أم بعد الربيع العربى؟

نشر فى : الأحد 10 نوفمبر 2019 - 11:20 م | آخر تحديث : الأحد 10 نوفمبر 2019 - 11:20 م

نشر موقع قنطرة مقالا للكاتب «محمد تركى الربيعو» ونعرض منه ما يلى:
فى فترة التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، كان عدد من الباحثين الغربيين ممن يعملون فى حقل العلوم الإنسانية يحاولون رصد مآلات ومصير الطبقة الوسطى فى عدد من الدول العربية مثل سوريا ومصر والمغرب.
هذه الدول عرفت فى هذه الفترة إعادة تكييف سياساتها الاقتصادية لتتلاءم مع رؤية أخرى تقول بضرورة «إعطاء حصة أكبر للسوق وأقل للدولة»، وهو ما بدا فى حالة مصر بشكل أكثر ظهورا، مقارنة بحالة سوريا، حيث طُبِّقت مجموعة من التدابير كتفكيك القيود التجارية لفتح السوق أمام الاستثمار الأجنبى، وتعديل أسعار الصرف، وخصخصة الشركات العامة، وخفض النفقات العامة. ولاحظت، الباحثة الفرنسية اليزابيث لونجنيس فى كتابها «أزمة الطبقة الوسطى فى المشرق العربى» أن تدهور مكانة الطبقة الوسطى وتأثيرها سيبدو جليا من خلال تحولات سوق العمل وولادة لاعبين جدد داخله.
فبعد أن كان المهندس بطل الطبقة الوسطى فى فترة السبعينيات والثمانينيات متصدرا للمكانة الاجتماعية ولدور هذه الطبقة، سيغدو فى فترة التسعينيات رأس الحربة فى الاحتجاج الإسلامى فى ظل اختزال دوره من نخب تحمل هم المشروع الوطنى، إلى مجرد وريث لطبقة متأزمة، خاضعة لعملية انحدار مستمرة. وفى ظل هذا الانحدار، وإعادة التكيف الاقتصادى، سيظهر المحاسب وخبير التقنية، كرموز جديدة للمشروع الدولتى النيوليبرالى.
ولن تقتصر ولادة ظاهرة المهنيين الحضريين الجدد على ظهور هؤلاء المحاسبين والشركات وحسب، وإنما ستعبر عن نفسها أيضا بأسلوب رمزى وبأشكال ثقافية مختلفة. فبدلا من النظر لبعض التعبيرات الثقافية، بوصفها منتوجا جانبيا لإعادة الإنتاج الاجتماعى، سيحاول عدد من الأنثروبولوجيين السير على خطى السيوسيولوجى الفرنسى بيير بورديو فى فهم دور هذه التمثلات والتعبيرات فى خلق صراع أو انشقاق طبقى، ليس شرطا بين الطبقات أو عبر الطبقات، وإنما داخل الطبقة ذاتها.
***
وفى حالتنا، الطبقة الوسطى العربية، سترصد الأنثروبولوجية الهولندية أندى كونينج حالة الشقاق داخل أوساط الطبقة الوسطى فى شوارع القاهرة، من خلال بعض المظاهر المتعلقة بالطعام واللباس وأسلوب الحديث، وحتى طريقة تناول الشائعات.
ففى دراستها «كافيه لاتيه وسلطة القيصر فى مقاهى القاهرة الراقية»، ستلاحظ كونينج كيف لعبت المقاهى الجديدة فى القاهرة دورا تمييزيا بين الطبقات فى المدينة، وبصفة خاصة بين الطبقة الوسطى العليا والطبقة الوسطى السفلى.
فمذاق الكابتشينو لم يعد يعبّر عن نمط جديد من القهوة، وإنما دليل على ولادة طبقة وسطى عليا أخذت تحاول إقصاء الأغلبية الساحقة من سكان القاهرة، من خلال تقسيم الطبقة الوسطى المتعلمة إلى أولئك «الذين يملكون ناصية اللغة الإنجليزية، ويرتادون مقاهى الستاربكس» والذين لا يمتلكونها، ويرتادون فى الأغلب محال الفول.
سردية نهضة الطبقة الوسطى
حاول الباحث والمفكر الإيرانى حميد دباشى فى مقاله المنشور فى صحيفة «الأهرام ويكلى»، 2009، تحت عنوان «البحث فى الأماكن الخاطئة»، التطرّق لقراءة بعض المثقفين اليساريين/العرب والغربيين لمآلات وأسباب ما عُرِف بـ«الاحتجاجات الخضراء» فى إيران، التى اندلعت فى شوارع طهران إثر إعلان فشل مرشح قوى المعارضة مير حسين موسوى فى الانتخابات الرئاسية عام 2009.
ما لفت اهتمام دباشى أو أثار حفيظته هى السردية، التى رددها هؤلاء الباحثون حول علاقة هذه الاحتجاجات بـ«الطبقة الوسطى» التى تُعدُّ، وفقا لهذه السردية، «أكثر اتصالا مع بقية العالم، مقارنة بأبناء الطبقات الفقيرة الذين انحازوا لأحمدى نجاد».
يومها حاول دباشى القول بأن هذه الاحتجاجات تفرض علينا أن نستجمع شجاعتنا وخيالنا لمواجهة وقراءة الأمور بشكل آخر، بدلا من التقهقر مجددا إلى التحليل البنيوى الوظيفى، عبر الافتراض بأن انصار موسوى أو كروبى، أو تلك الجماهير التى تعدُّ بالملايين، من الناس الذين تدفقوا فى شوارع طهران وغيرها من المدن يأتون من الطبقة الوسطى فقط.
وسيعود دباشى مرة ثانية فى عام 2012 وبعد اندلاع الانتفاضات العربية ليرصد ما دعاه بحروب السرديات التى عاشتها وسائل الإعلام الأوروبية حيال قراءة هذا المشهد. ففى مقال نشرته صحيفة «الإيكونومست» الرصينة، حاولت الصحيفة دمج هذا الحراك فى إطار الصعود العالمى للطبقة الوسطى التى باتت تعطى باستمرار وزنا أكبر لحرية التعبير والانتخابات النزيهة أكثر من الفقراء.
وهكذا، بالنتيجة، فإن الشعب إما أن يكون فقيرا ومحافظا إسلاميا (وبالتالى عرضة للعنف الطائفى) أو من الطبقة الوسطى الجديدة الداعية للديمقراطية على النمط الأمريكى، وفق ما وصل إليه الإيرانى ولى نصر فى كتابه المنشور سنة 2009 «صعود قوى الثروة: الطبقة الوسطى فى العالم الإسلامى».
ربما ما غاب عن تحليل دباشى هنا، والذى بقى مولعا كباقى المهتمين بحقل ما بعد الاستعمار، بتفكيك هذا الخطاب بدون الإحاطة الكافية بالواقع، هو أن هذه الطبقة الوسطى لم تكن كتلة متجانسة قبيل الربيع العربى، بل كانت تعانى من انشقاق عمودى كان يزداد اتساعا مع مرور الأيام السابقة.
بيد أنه وخلافا لهذه الجزئية، يُحسب لدباشى تلميحه فى وقت مبكر إلى عدم نجاعة التفسير، الذى يقول بأن الطبقة الوسطى هى ما قادت هذا الحراك، قبل أن تؤدى الانتكاسة لاحقا إلى الوصول لنتيجة مفادها، أن الربيع العربى قاد إلى الإعلان عن تلاشى دور هذه الطبقة الوسطى لصالح الطبقتين الفقيرة والغنية.
نفوذ الطبقة الوسطى بعيد الربيع العربى
فى مقابل سردية تلاشى الطبقة الوسطى، التى كثر تكرارها فى السنوات الأخيرة فى عدد من التحليلات الاقتصادية والاجتماعية حول المدينة العربية حاولت مؤخرا بعض الدراسات الميدانية، عدم الركون لهذه المقولة أو الاستسلام لها، من خلال البحث فى مدى نفوذ هذه الطبقة بعد سنوات من الربيع العربى.
ففى دراسة «الطبقة الوسطة: غياب الأمن والالتزام السياسى»، التى أعدتها مؤسسة فريدريش أيبرت الألمانية بعد استطلاع شمل 9000 شاب فى ثمانى مدن عربية، وصدرت ترجمتها مؤخرا للعربية فى كتاب «مأزق الشباب فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، يعود كل من يورج جرتل من جامعة لايبزيج الألمانية، ورشيد أوعيسى جامعة ماربورج الألمانية، إلى مقاربة شبيهة بمقاربة الباحثة الهولندية كونينج عن مقاهى الستاربكس فى القاهرة.
وانطلاقا من عبارة «قل لى ما تأكل، أقل لك من أنت، واستنتاجات بورديو من أن الذوق يشكل فى النتيجة عنصرا محددا للطبقة، يرى الباحثان أنه يمكن من خلال هاتين المقولتين، رصد التمايزات داخل الطبقة الوسطى، إذ تبين بعض الجداول أن معظم أفراد الطبقة المتوسطة العليا ينفقون المال على الملابس والطعام والهواتف المحمولة، والخروج مع الأصدقاء، بيد أن هذه الميزات تتغير إلى حد ما لدى الطبقة الوسطى الدنيا، إذ ينفق معظم الشباب المال على الطعام، يليه الملابس والقمح والخبز والمياه والكهرباء.
كما أن معظمهم يتبضع من محلات البقالة الصغيرة والجزارة والأسواق المجاورة لهم لتأمين احتياجاتهم. وعلى صعيد الأنشطة الترفيهية، تُظهِر استطلاعات الرأى مدى الأهمية التى تُخصص لهذه الأنشطة المختلفة. فأفراد الطبقة الوسطى العليا أكثر تمايزا بكثير «فهم يستمعون للموسيقى بصورة أساسية»، ويزورون الجيران ويرتادون المقاهى ويقومون بشىء ما مع العائلة ويمارسون الرياضة، فى حين أن الشباب من الطبقة الوسطى الدنيا لم يمتلكوا فرص القيام بكل هذه النشاطات.
رغم هذا التمايز والانشقاق داخل الطبقة الوسطى، الذى يبدو أنه استمرار لفترة ما قبل الربيع العربى، مع ذلك يؤكد الباحثان على أن بعض المقولات حول تلاشى أو تدهور هذه الطبقة قد تحمل شيئا من الصحة. فمن خلال مقارنة بين أوضاع بعض العائلات داخل الطبقة الوسطى بين عامى 2010 و2016، يُلاحظ مثلا أن ربع العائلات (الطبقة الوسطى الدنيا) قد عرفت تداعيا اقتصاديا وانزياحا باتجاه الطبقات الفقيرة، فى حين شهد أقل من ثمن أبناء (الطبقة الوسطى العليا) 12٪ تحسنا فى ثروتهم، وهو ما يؤكد تزعزعا أكبر فى مكانة وأفراد هذه الطبقة لصالح الطبقتين الغنية والفقيرة.

النص الأصلى:من هنا

التعليقات