للشَعْرُ أدوارُ أخرى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 3:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

للشَعْرُ أدوارُ أخرى

نشر فى : الخميس 10 أكتوبر 2019 - 8:55 م | آخر تحديث : الخميس 10 أكتوبر 2019 - 8:55 م

لعل القارئ يتساءل في نفسه عن ماهية هذا العنوان الغريب الذي يحمله مقال اليوم، وعن معنى أن للشعر أدوارا أخرى، ومعك كل الحق عزيزي القارئ إن أنت اندهشت لأول وهلة فالجملة غامضة بذاتها وتحتاج إلى شرح حتى نفهم أي أدوار يؤديها الشَعْر بخلاف دوره الجمالي المعروف، لكن دعنا نستمع معاَ أنت وأنا لحكاية صاحبتنا ففيها شرح ما غَمُض .
***
كانت صاحبتنا تتسكع في هذا المول التجاري الضخم بحي الڤردان في بيروت، شُطّار أهل لبنان يعرفون كيف يقبضون على أسرار البهجة ثم يرخون قبضتهم فإذا هي تتطاير على شكل فراشات ملونة بسيطة جدا وجميلة جدا جدا، اللبنانيون يعرفون كيف يبهرونك وكيف يخرجون آلاف الليرات من جيبك فإذا خطر لك أن تندم أو تتراجع هزمت شطارتهم ترددك وسرّوا عنك بالجملة المريحة التالية: معوَضين! . راحت تتسكع صاحبتنا إذن بين المحال دون هدف، تشم رائحة البن المحوج تنبعث من محل للقهوة على هذه المَيلَة كما يقولون فتنتبه مراكز وعيها وتتفتح، ومن أحد محلات العطور على المَيلة الثانية يأتيها عطر نفاذ فيدغدغ مشاعرها ويهدهدها، وصاحبتنا تترك نفسها دون مقاومة لصراع الروائح يحتدم في داخلها إلى أن يحسمه العطر الأقوى، وآه من العطر إذ يكون قويا .
***
بينما هي في هذه الحال انتبهت على صوت موسيقى صاخبة تصدر من الطابق الأرضي، لم تهتم، صيحات شبابية وصفافير وضحكات، لم تهتم، متسوقون يطلون على "الزمبليطة " أسفلهم ويأخذون صورا بكاميرات الموبايلات ثم يتأملونها في رضا، لم تهتم، بائعة وثانية وثالثة أغلقن محلاتهن ونزلن إلى حيث الضجة والصخب ...الله ! ماهي الحكاية بالضبط ؟ . أطلّت صاحبتنا بدورها على المشهد من عل فرأت زحاما كثيرا ، عشرات النساء من كل الأعمار يسلمن رؤوسهن إلى مصففي الشعر بالعشرات، هكذا انجلى الأمر إذن.. إنه مهرجان كبير لتصفيف الشعر، لا لم يكن مهرجانا كبيرا لتصفيف الشعر، بل كان مسابقة تتنافس فيها النساء على من تقص خصلة أطول من شعرها. تقص النساء شعورهن دفعة واحدة؟ نعم .. ولماذا ؟ حتى تتضافر خصلة مع خصلة مع خصلة لتصنع شعرا يستر رؤوسا عارية لنساء يقاومن المرض اللعين.. السرطان. أمسكت بصاحبتنا رعشة جبارة وساقتها قدماها إلى الطابق الأرضي سوقاَ .
***
صنع المنظمون حلبة مغلقة على عدد كبير من النساء، حلبة تحدّها الشرائط من الجهات الأربع وتطير من فوقها بالونات جميعها باللون البمبي، إنه لوننا نحن النساء أو إنه اللون الذي أريد لنا أن نصطبغ به. على المقاعد المتناثرة هنا وهناك داخل الحلبة كانت تجلس فتيات مثل القمر ولأغلبهن شعر طويل. عرِفَت صاحبتنا فيما بعد أن كثيرات من هؤلاء الفتيات يطلن شعورهن عمدا على مدار العام استعداد لهذا اليوم المحدد من أيام شهر أكتوبر، لا يوجد تفسير محدد لاختيار أكتوبر بالذات لتنظيم هذا المهرجان، التوقيت ليس مهما، ليس مهما أبدا أما المهم فإنها الفكرة النبيلة. وقفَت طفلة في حدود العاشرة تنتظر دورها في القص وقد أمسكت بيد جدتها التي سبقتها فيما أم الطفلة تجلس على المقعد، يا الله جدة وأم وحفيدة يشاركن في المنافسة، خصلة الجدة رفيعة بالتأكيد وضعيفة مثلها لكنها لازمة لإثبات الحضور .
***
خذَلَت صاحبتنا بلاغتها ونادرا ما يحدث ذلك، هي في العادة تكون قادرة علي أن تجد العبارة المناسبة للموقف المناسب، لكن هذا الموقف بدا استثنائيا. في الزاوية كانت تحاول شابة في العشرينيات طرد دموعها بسرعة بعد أن أمسك مصفف الشعر بخصلتيها الطويلتين ورفعهما في الهواء أمام الجميع فتعالى الصفير والتصفيق، حقيقية جدا هذه الدموع فالشابة الباكية أتت إلى هذا المكان محبّة وزاهد وراغبة في المساعدة لكن صورتها اختلفت في المرآة .. نعم اختلفت كثيرا. همس أحد مصففي الشعر في أذن الفتاة الباكية ببضع كلمات فانفرجت أساريرها، ترى ماذا قال لها؟ صرتِ أجمل؟ أتصدقين أني أغبطك كرجل ؟ أو تبكي من كان لها مثل قلبك ؟ كل القول وارد وكله يحنو ويربت ويدعم. بخفة كبيرة كان يتحرك شبان يرتدون زيا موحدا عبارة عن تيشيرتات سوداء، علي صدر التيشرتات عبارة مكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية تقول "أنا قصيت"، وعلى ظهرها عبارة أخرى تقول "شعرك ..ابتسامتها"، وقعُ العبارة الأخيرة لا شأن له بعلم البلاغة فهي ليست بليغة بالتأكيد، لكن وقعها مصدره بساطتها وإيجازها المُعبّر وكأن خصلة الشعر أشبه ما تكون بخيط واصل بين امرأتين إحداهما تعطي والأخرى تتلقى .
***
خطف أحد الشباب المتطوع ساندويتشا من صينية كبيرة مرصوص عليها كم هائل من الساندويتشات الأرجح أنها مهداة من جهة فاهمة وداعمة. أغلب هؤلاء الشباب لم يفطر أو لم يتروق بعد كما في اللهجة اللبنانية المحببة رغم أن الساعة تجاوزت الثالثة عصرا. جميل جدا الجو في هذه الحلبة المغلقة حيث كل شيء مصنوع بحب، وحيث الذات تتراجع قليلا إلى الخلف، نحتاج أحيانا إلى أن نؤخر ذواتنا إلى الوراء حتى نبصر الآخرين. لا تدري صاحبتنا كم من الوقت أمضت، ولا كم خصلة نبيلة رأتها تُقَص، لكنها في لحظة معينة وجدت نفسها دون وعي تتحسس أطراف شعرها، اصطخبت في رأسها عشرات الأفكار، قالت لها فكرة: تقدمي وشاركي، وقالت لها فكرة أخرى بل انصرفي فلا حاجة بهم لخصلتك العجوز، يا الله ! لقد تحولت نفسها إلى ساحة لمعارك لا أول لها ولا آخر، فتارة تنشب معركة بين الروائح وتارة أخرى تدور معركة بين الأفكار، حَسَمَت الأمر دون مجهود لأنها كانت مهيأة للحسم، انحنت لتمر من أسفل الشريط ودخلت إلى قلب الحلبة والزحام. جلست على أقرب مقعد صادفها وأشارت لأحد المصففين بأن يجعلها زبونته التالية فأومأ إيجاباَ وشعرت بالنصر، من قال إن شَعرَ المرأة لا همّ له إلا الغواية ولا دور له سوى الإغراء ؟ لا لا أبدا .. إن للشعر أدوارا كثيرة لكن الأمر يتوقف على الزاوية التي تنظر منها إليه .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات