75 عاما من العلاقات المصرية الروسية - علاء الحديدي - بوابة الشروق
السبت 8 أغسطس 2020 11:12 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

75 عاما من العلاقات المصرية الروسية

نشر فى : الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 9:50 م | آخر تحديث : الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 9:50 م

فى ٢٦ أغسطس من عام ١٩٤٣، وفى أوج الحرب العالمية الثانية، نشأت العلاقات الدبلوماسية بين المملكة المصرية والاتحاد السوفيتى. ورغم ما كان يكنه النظام الملكى المصرى من عداء للنظام الشيوعى السوفيتى، إلا أن ضرورات الحرب فرضت على القيادة المصرية التماشى مع رغبة الحلفاء فى بدء العلاقات مع موسكو وذلك لمواجهة العدو المشترك، ألمانيا النازية. ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، أى منذ ٧٥ عاما، مرت العلاقات المصرية الروسية بكثير من الأحداث والتطورات. ورغم تغير النظام فى كل من موسكو والقاهرة خلال هذه الفترة أكثر من مرة، إلا أن المتابع للعلاقات بينهما سيجد دوما أن هذه العلاقات تتأثر دائما بطرف ثالث ثابت، ألا وهو الغرب.
فمع انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار دول التحالف المكونة من الاتحاد السوفيتى ودول الغرب، تغيرت خريطة التحالفات الدولية لتحل محلها خريطة جديدة بحرب عالمية جديدة، ولكن هذه المرة بين حلفاء الأمس. وأصبح الصراع يدور بين الاتحاد السوفيتى وحلفائه من الدول الشيوعية من ناحية، وبين الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الغربية فى الناحية الأخرى، فيما عرف بـ«الحرب الباردة». ولعل أول اختبار لمصر فى هذه الحرب كان من خلال الحرب الكورية التى شهدت حربا ساخنة والتى بدأت بقيام كوريا الشمالية الشيوعية بغزو كوريا الجنوبية، مما دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى إرسال قوات والمشاركة بشكل مباشر إلى جانب كوريا الجنوبية فى الحرب التى امتدت من عام ١٩٥٠ إلى عام ١٩٥٣. هذا، ورغم عداء النظام الملكى حينذاك للشيوعية والاتحاد السوفيتى وارتباطه بالمعسكر الغربى، إلا أن القاهرة لم ترسل قوات للقتال بجانب الدول الغربية فى كوريا والتزمت سياسة الحياد.
ومع تغيير النظام فى مصر بثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، عملت مصر على تطوير مفهوم سياسة الحياد السابقة، لتنتقل إلى تبنى سياسة «عدم الانحياز»، وهى السياسة التى تم تدشينها فى مؤتمر باندونج الشهير بإندونيسيا فى عام ١٩٥٥، والذى شهد أيضا ميلاد حركة عدم الانحياز ككتلة ثالثة من الدول التى لا تنتمى إلى أى من المعسكرين المتضادين. إلا أنه ومع تبدل العلاقات بين القاهرة وموسكو بشكل جذرى نتيجة لرفض الغرب إمداد مصر بالسلاح لمواجهة الخطر الإسرائيلى، فقد توثقت العلاقات بين القاهرة وموسكو حتى قيل إن مصر أصبحت إحدى الدول التى تدور فى فلك الاتحاد السوفيتى. وهو القول الذى يدحضه ما كشف عنه الراحل يوجينى بريماكوف (مراسل وكالة تاس السوفيتية للأنباء فى مصر فى الخمسينيات قبل أن يتولى عدة مناصب آخرها رئيسا للوزراء فى ١٩٩٨ــ ١٩٩٩) فى كتابة عن «روسيا والعرب» من أن عبدالناصر، ورغم حاجته الشديدة إلى كامل الدعم السوفيتى له من السلاح بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧، قد رفض فكرة انضمام مصر لحلف وارسو حفاظا على دور مصر كإحدى دول عدم الانحياز.
وبعد رحيل عبدالناصر، جاء السادات وقام بطرد الخبراء الروس من مصر فى عام ١٩٧٢ والذى كان بمثابة «هدية» كما وصفها كيسنجر آنذاك. فقد أصبحت القاهرة بين ليلة وضحاها فى عداد القوى المناوئة للاتحاد السوفيتى والموالية للمعسكر الغربى. وقد كرست سياسات السادات بعد ذلك، سواء الداخلية أو الخارجية، من هذه النظرة إلى دور مصر وعلاقاتها مع واشنطن والتى أخذت فى النمو وعلى حساب علاقاتها مع جميع القوى الأخرى. وقد ظلت هذه العلاقة المتينة مع واشنطن حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وانتقال العلاقت المصرية الإسرائيلية من الحرب إلى السلام. ومع تراجع العلاقات بين موسكو والقاهرة إلى أدنى مستوى لها بقطعها فى خريف ١٩٨١ (وهو ما لم يحدث حتى فى العهد الملكى)، كان على موسكو الانتظار ثلاث سنوات لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مرة أخرى تحت حكم مبارك. هذا، وقد عادت العلاقات فعلا ولكن بشكل تدريجى ودون المستوى المطلوب، وذلك حفاظا على العلاقات مع الولايات المتحدة وعدم إثارة حساسيتها.
كانت ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وما تلاها من تولى قيادة جديدة تؤمن بأهمية العلاقات المصرية الروسية بمثابة عودة الروح إلى تلك العلاقة. وقد تجلى ذلك بعقد آلية ٢ زائد ٢ (أى اجتماع وزيرى الدفاع والخارجية فى البلدين) فى نوفمبر من ذلك العام بالقاهرة، ليعقبه بعد ذلك سلسلة من الزيارات والاتفاقيات والصفقات وخاصة فى المجال العسكرى، وبما عزز من قوة هذه العلاقة الجديدة. هذا، ورغم ما شاب العلاقة من بعض التراجع إثر حادث سقوط الطائرة الروسية فى عام ٢٠١٥ وتوقف حركة السياحة الروسية إلى مصر، إلا أن العلاقات عادت إلى زخمها السابق بعد ذلك مع زيارة الرئيس الروسى للقاهرة فى ديسمبر من العام الماضى والتوقيع على عقد بناء المفاعل النووى والاتفاق على إنشاء منطقة صناعية روسية فى منطقة محور قناة السويس شرق بورفؤاد.
هذا، ورغم كل هذه التطورات الإيجابية فى العلاقات المصرية الروسية، إلا أنها لم تتم بمعزل عن مراقبة الغرب لها بشكل حثيث. ومع عودة أجواء الحرب الباردة بعد التدخل الروسى فى أوكرانيا وقيامه بضم شبه جزيرة القرم فى ٢٠١٥، ثم تدخله العسكرى فى سوريا فى ٢٠١٦، فإن الغرب بات ينظر بكل توجس لعودة روسيا لاستعادة دورها مرة أخرى على الساحة الدولية، ولتعود معه أجواء التنافس الروسى الغربى مرة أخرى، وهو ما وصفه البعض بالحرب الباردة الجديدة.
وفى ظل مثل هذه الأجواء، يتواتر بين الحين والآخر الحديث عن العلاقات المصرية الروسية وسط بعض دوائر صنع القرار ومراكز الأبحاث فى الغرب، وعن توجهات مصر الخارجية ومدى تحالفها مع موسكو، ومساعى الأخيرة لجذب القاهرة بعيدا عن الغرب. وقد تصاعدت وتيرة هذه الأسئلة مع ما يراه البعض من قرب انتهاء الحرب الأهلية فى سوريا بانتصار واضح لموسكو فيها. الأمر الذى يدعم من وجودها فى المنطقة، وبما قد يشجعها على محاولة استعادة نفوذها السابق فى مصر، وتحول القاهرة إلى وجهتها. وكان أكثر ما أصاب الغرب بقلق وانزعاج ما تواتر من أنباء عن وجود قوات خاصة روسية على الحدود المصرية الليبية لدعم المشير خليفة حفتر فى شرق ليبيا. هذا، ورغم النفى القاطع لكل من القاهرة وموسكو لما سبق، إلا أنه قد كشف عن مخاوف الغرب من تطور العلاقات المصرية الروسية، وما يمكن أن تشكله من احتمالات خطر عليها. وهو الأمر الذى يفرض على القاهرة أخذ هذه المخاوف الغربية فى الحسبان عند التعامل مع كل من موسكو أو واشنطن. وهو ما يعنى أهمية شرح أن تطوير العلاقات المصرية الروسية يأتى فى خدمة المصلحة المصرية أولا، وأن ذلك لا يتعارض مع موقف مصر الثابت من الحياد ما بين القوتين النوويتين، وعدم الانحياز لأى طرف ضد الطرف الآخر.

التعليقات