دروس الغرب غير المكتملة - سامح فوزي - بوابة الشروق
الجمعة 22 أكتوبر 2021 4:28 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

دروس الغرب غير المكتملة

نشر فى : الثلاثاء 10 أغسطس 2021 - 9:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 10 أغسطس 2021 - 9:30 م

تأمل المشهد التونسى الذى يبدو فيه الغرب متحدثا، أكثر منه فاعلا، لم يقدم دعما حقيقيا لمساعدة هذه البلد، بشهادة محللين غربيين، سوى فى نطاق خدمة مصالحه الضيقة.

لكن هذه المسألة تجعلنا نفكر فى عدد من الأمور الأخرى التى يبدو فيها التناقض الغربى بين ما هو معلن، وما هو مطبق.

فى إحدى الدول الأفريقية التى شهدت انتخابات رئاسية منذ فترة قريبة اكتشف أن الرسائل التى كان مرشح المعارضة يرسلها لأنصاره عبر الهاتف المحمول لا تصل إليهم، والسبب هو خاصية معينة اعاقت ذلك اتبعتها شركة المحمول ــ واحدة من كبرى الشركات الغربية ــ والتى تعلن دوما أن من رسالتها تعزيز حرية تداول المعلومات، ونشر الديمقراطية.
منذ أسابيع اكتشف أن بعض البرامج «السوفت وير» التى تبيعها شركة إسرائيلية بهدف التجسس وتتبع الإرهابيين بيعت إلى حكومات استخدمتها فى تتبع وملاحقة ساسة ونشطاء حقوق إنسان، ونشرت تقارير صحفية غربية، امتدت صداها إلى وسائل الإعلام العربية، تشير إلى أن هناك شخصيات مهمة مثل قادة دول، وصحفيين، وساسة، تعرضت هواتفهم للمراقبة والاختراق. وأيا كان موقف الشركة التى تبيع هذه التكنولوجيا، والنفى الذى صدر عنها، فإن هناك دولا عديدة فى العالم ظهر أنها تستخدم هذه التكنولوجيا فى غير ما خصصت له، وليست الدول الغربية بعيدة عن ذلك.

هناك انتقاد مستمر منذ فترة طويلة من دعاة الحقوق العمالية خاصة وحقوق الإنسان عامة فى العديد من العواصم الغربية، يعلنون دوما رفضهم للسياسات الرأسمالية التى تقوم على نقل الشركات الكبرى مصانعها إلى دول فى آسيا وأمريكا اللاتينية لا تحترم حقوق العمال، ولا تضمن شروط عمل مناسبة، كل ذلك بهدف إنتاج منتجات رخيصة الثمن، يجنى تسويقها أرباحًا للرأسمالية الغربية، فيما يشبه النظرية التقليدية التى بشرت بها الماركسية قديما وهى «فائض القيمة» الذى يجنيه الرأسماليون، ويتمثل فى الفرق بين ثمن سلعة مرتفع وبين مستلزمات إنتاج وأيدى عاملة ذات أجور رخيصة، تمارس عملها فى ظروف يكتنفها الاستغلال.

هذه أمثلة ثلاث، وليست الوحيدة، إذا وضعنا فى الاعتبار عددا من القضايا الإنسانية والأخلاقية والبيئية التى تبدو فيها بعض الدول الغربية بمظهر شديد الانتهازية، ويكفى الانتقادات التى وجهت إلى دول عديدة بشأن تداول اللقحات، واستئثار مجتمعات بها على حساب مجتمعات أخرى، وغيرها.

بالطبع ليست الدول الغربية فقط التى يمكن أن توجه إليها انتقادات بسبب سياساتها الاقتصادية، ومواقفها السياسية، وانحيازها المطلق لمصالحها، فهناك دول أخرى كبرى يمكن أن تواجه نفس الانتقادات مثل روسيا والصين فى العديد من الملفات. فالسياسة لا تعرف العواطف. يغلب عليها كثير من المصالح، قليل من الاعتبارات الإنسانية، ولكن الانتقادات دائما تطول الدول الغربية لأنها تعلن دائما انحيازها إلى قيم الديمقراطية والحداثة والتنوير، فى الوقت الذى تمارس حكوماتها أحيانا، وشركاتها الاقتصادية فى أغلب الوقت سياسات تجافى هذه القيم المعلنة، بل قد تكون نقيضا تماما لها.

هذه ليست مقالا للهجوم على الغرب، لأن كما أن له أدوارا سلبية، له بالتأكيد مواقف إيجابية فى التقدم العلمى، والثقافى، والتنوير، وإعلاء شأن الحريات والحقوق، لكن كل ما نريد التوقف أمامه، والتأكيد عليه هو أهمية الشأن الداخلى، إذ إن المجتمعات تنمو بالأفكار الناهضة التى يتبناها مواطنوها، والسياسات العامة الرشيدة التى تطبقها حكوماتها، ومنظومة القيم الداخلية التى يلتف حولها كل أطياف المجتمع، لا تقيم نفسها فى مرآة أحد، ولا تنتظر وصفات مستوردة.

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات