نزار قبانى وثورة مصر - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 4:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


نزار قبانى وثورة مصر

نشر فى : السبت 10 أغسطس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 10 أغسطس 2013 - 10:48 ص

إن الشعب العاشق للحرية لن يهدأ أو يستكين حتى يضم إلى صدره معشوقته، فهو سوف يفتش عنها فى كل مكان وسيسأل

عنها موج البحر وفيروز الشطآن ويجوب بحارا وبحارا وتفيض دموعه انهارا وسيكبر حزنه حتى يصبح أشجارا ذلك لأن الحرية التى يبحث عنها أسيرة نائمة فى قصر مرصود يحرسه الجان، من يدخل حجرتها من يطلب يدها من يدنو من سور حديقتها من يحاول فك ضفائرها مفقود، لكن الحبيب لا يفعل ذلك بإرادته لأن الحب مكتوب عليه إنه قدره الذى لا فكاك له منه، هكذا عبر يوسف إدريس فى السبعينيات فى مقال بجريدة الأهرام تحت عنوان «غنى يا عبدالحليم» فالمعشوقة التى تحدث عنها نزار قبانى ولحنها محمد الموجى وغناها عبدالحليم حافظ لم تكن عند يوسف إدريس سوى «مصر الحرة» التى خشى عليها ثوار يوليو من الاعداء فوضعوها فى قصر مرصود واستمر الشعب العاشق لها لأكثر من اربعين عاما يناضل فى سبيل إعادتها، وفى 25 يناير 2011 التقى العاشق بمحبوبته وفى فرحته العارمة بلقائها، اعتقد أن الجميع سوف يهنئونه ويتركون العروس له، لكنه عندما طلب الزواج منها وجد من يقول له لم تكن وحدك الذى تبحث عنها ولست وحدك عاشقها، وكانت صدمة عمره، لأن الجميع يعلم كم المعاناة التى تحملها العاشق بمفرده وأن أولئك الذين يدعون أنهم يحبونها ويعشقونها كانوا دائما يتعاونون مع حراسها على إبعاده عن القصر وعلى وضع العثرات فى طريقه بطريقة أو أخرى، بل كانوا يعتدون عليه وكانت هناك اتفاقيات بينهم وبين الحراس لتجميل صورة مصر المحبوسة بادعاء انها «مصر المحروسة» وكأنها حرة وسعيدة.

وقف الحبيب يطلب عقدا شرعيا على محبوبته فجاءه الرد من الحراس وأصدقائهم لابد أن تدخل فى مسابقة مع غيرك من العاشقين والذى يفوز منكم سوف نكتب له عقد زواج على المحبوبة يحتوى على كل الشروط للحياة معا والحقوق والواجبات لكل الاطراف، وبالطبع ذهب صراخه بأنه الوحيد العاشق الحقيقى أدراج الرياح، وفى المسابقة كان المنافسون له اكثر مهارة فى التعبير عن أنفسهم بأنهم الأحق بالزواج من المعشوقة وذلك باستعدادهم لتقديم تنازلات لكل من يريد أن يرى المحبوبة الجميلة ولمن يريد أن يجالسها ولمن يريد الاستمتاع برقصاتها من وقت لآخر «وكله بثمنه» وهذا العرض للجميع سواء كانوا من الأقرباء أو الأصدقاء المحيطين أو من الغرباء والأجانب المهم أن يكونوا من الأثرياء القادرين على تقديم المنح والهدايا، وهذا ما لم يكن فى مقدور الحبيب الولهان أن يفعله بمحبوبته وهكذا خسر السباق، وهنا أعلن الحراس اسم الفائز فى المسابقة وأصدروا معا عقدا مشوها امتلأ بمخالفات قانونية وانسانية عدة، إلا أن الحبيب لم يهدأ أو يستكين وبدأ المشوار من جديد وتجددت دموعه وآهاته.

•••

وهنا يتدخل نزار قبانى مرة أخرى وكأنه يحيا بيننا ليرصد حركة الثورة وحيرة الثوار فى الزمن الواقع بين 25 يناير2011 و30 يونيو 2013 بقصىدة عنوانها يوحى بالكثير «علمنى حبك» إذ عاد الحبيب يسير فى الشوارع وهو يهذى باحثا عن حبيبته لتأتى وتجمع أجزاءه التى تبعثرت فى الميادين كالبللور المكسور فى الصباح يكتب أسمائها بالطباشير ويرسمها بالجرافيك على الحيطان وفى المساء يبحث عنها فى اضواء السيارات لقد تعلم أن الحب يغير خارطه الأزمان بل يجعل الأرض تكف عن الدوران وأهم ما خرج به من التجربة هو أن الدمع هو الانسان وأن الإنسان بلا دمع ذكرى انسان «ان الانسان بلا حزن (قضية) ذكرى انسان» و«ان الشعب بلا حزن (قضية) ذكرى شعب» ولأن الحبيب آمن بقضيته حتى النهايه حدث فى30 يونيو 2013 أن توقفت الأرض عن الدوران وتغيرت خارطه الأزمان ليلتقى الحبيبان لكن فى هذه المرة كان الحراس قد تعلموا الدرس حيث اكتشفوا الفارق بين الحبيب الحقيقى وبين من يدعى الحب واكتشفوا أن هناك ثغرات عدة فى العقد المكتوب بل وتجاوزات وهنا أقسم الحراس على أنهم لن يقدموا المحبوبة إلا لمن احبها وبذل النفس والنفيس لأجلها، لذلك وافق الحراس على أنه لابد أولا أن يكتب العقد الشرعى بين الحبيب والمحبوبة رغم اعتراضات بعض الاقرباء والاصدقاء الاثرياء الذين شجعوا تلك العلاقة السابقة غير الشرعية، ثم بعد ذلك فليتنافس المتنافسون ليس فيمن يتزوجها من عدمه لكن فيمن سيشهد على العقد ومن سيحضر الزفاف ومن سيكون الأقرب ومن الأبعد ومن سوف يكون شريكا فى القرار مع العروسين. لكن المشكله أن هناك من يرى إدخال بعض التعديلات على العقد العرفى السابق ليصبح شرعيا لكن الحبيبين يريدانه عقدا جديدا متكاملا قانونيا حديثا يذكر الماضى ويتعايش مع الحاضر لكنه يركز على المستقبل والأجيال القادمة عقدا يفخر العروسان به والاهل والاصدقاء المخلصين ويحترمه ويجله الغرباء فلا يحاولون الالتفاف عليه.

•••

يقول بنجامين كونستان المفكرالفرنسى (1767-1830) فى كتابه «ردود فعل سياسية» إن حب الحرية هو الحافز الأساسى الذى يحرك جهود الشعب الثائر من المخضرمين والشبان سواء بسواء.. وفى وسط هذا النظام التدرجى والمنتظم لن يكون ثمة مكان لأية غيبية دينية ولا لأى انكار مشبوه للمثل العليا والإنسانية على أى حال.

عزيزى القارئ لعلك تتفق معى أن بلادنا تمر بمرحلة تعد من اخطر المراحل التاريخية ونحن نحتاج جميعا أن نتماسك معا

لكى نحقق الحلم الذى يراودنا من زمن ليس بالقليل وعندما ظننا أنه تحقق اكتشفنا ضياعه وضياعنا معه وها هو يعود ثانية

ليراودنا وما علينا إلا أن نتشبث به مهما كان الثمن المطلوب لتحقيقه والبديل هو أن نعود نغنى مع عبدالحليم وكاظم الساهر كمان.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات