فى ذكرى الثلاثين من يونيو.. مصر بين السيسى والمأمون - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الخميس 26 نوفمبر 2020 5:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

فى ذكرى الثلاثين من يونيو.. مصر بين السيسى والمأمون

نشر فى : الجمعة 10 يوليه 2020 - 8:40 م | آخر تحديث : الجمعة 24 يوليه 2020 - 9:59 م

لا شك أن الغرب تقدم وتطور فى السبعين (سنة) الماضية بصورة لا يختلف عليها اثنان، ذلك فى الوقت الذى فيه لم يتقدم العرب، والمقصود بالتخلف هنا ليست العصور الحجرية أو البدائية، ولا أيضًا الفقر المادى فهناك دول تعيش ثراء فاحشًا بسبب مواردها الطبيعية لكنها لا تقبض على عوامل التحضر مثل الديمقراطية والحرية الفردية وحقوق الإنسان، لكن المقصود هنا أن العرب لم يواكبوا تحضر الغرب من ناحية ولا حتى تحضر الشرق من الناحية الأخرى، وأقصد بالشرق هنا الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة... إلخ. والحقيقة التاريخية تثبت أن الشرق الأوسط بدأ نهضته فى نفس التوقيت الذى بدأت فيه هذه البلاد، أى بعد الحرب العالمية الثانية فى بداية النصف الثانى من القرن العشرين، فقد قامت ثورات فى مصر وسوريا والعراق وليبيا والسودان... إلخ على الملوك الذين كانوا يحكمونهم، بادعاء أنهم سبب فقر وجهل البلاد، وأن ثروات البلاد وعلمهم فى يد نخبة قليلة، وهذه الثورات سوف تعيد ثروات البلاد وعلمها وقيادتها إلى الشعوب الفقيرة المغلوبة على أمرها. لكن بعد أكثر من نصف قرن من الزمان زدنا تخلفًا بينما تقدم الغرب والشرق تقدمًا ملحوظًا، بالطبع ولكى نكون منصفين هناك محاولات للتطور فى بعض الدول لكنها لا ترقى لنهضة إنسانية كالتى نراها فى الدول التى تقدمت، وسوف تأخذ هذه الدول وقتًا ــ إن حسنت النوايا ــ لكى تصل إلى ما تتمناه وترنو إليه، وكلما حاول البعض الحديث عن التطور هوجم بالقول: إننا لا يجب أن نتبنى الحضارة الغربية لأنها فاسقة وتتعارض مع أدبياتنا وحضارتنا وإيماننا فالشرق شرق والغرب غرب... إلخ.
***
من هنا قمت بمحاولة ما أشاركك بها ــ عزيزى القارئ ــ هى العودة إلى تاريخنا العربى الإسلامى لنرى إذا كان هناك عصر يمكن أن نستوحيه ونسير على خطاه، ووجدت ضالتى فى العصر العباسى فقد احتاجت الخلافة العباسية ٤ سنوات من العنف الشديد لتأسيسها، ثم احتاج الخليفة المنصور عشرين عامًا لكى يؤسس دولته بصورة علمية تنظيمية وقواعد للحكم واضحة المعالم، ثم بعد حوالى ٥٠ عامًا من الجهد الدءوب وصلت إلى ما ندعوه الازدهار والتعملق، وهذا العصر شهد تقدمًا وحداثة لم يشهدها التاريخ العربى من قبل أو من بعد، فقد تحول من البداوة إلى الحضارة والتنوير والتمدين، شارك فى هذه الحقبة أربعة خلفاء عباسيين ــ وإذا قارنا بين الخلفاء العباسيين وحكمهم بدءًا من الخليفة المهدى، وبين ثورة يوليو بدءًا من عبدالناصر ربما نجد شيئا من المفارقة. الخليفة المهدى (٧٥٠– ٧٨٦ م) ثم هارون الرشيد (٧٨٧ – ٨٠٩ م) ثم ابناه الخليفة الرشيد الأمين (٨٠٩ – ٨١٤ م) ثم المأمون (٨١٤ – ٨٣٣ م). بدأ المهدى عهده بتوسعة الدولة العربية الإسلامية حتى وصل إلى شبه القارة الهندية، وقد عُرف عنه الزهد من ناحية، كما عُرف عنه البراعة فى استمالة غير العرب (وهو المولود فى بلاد الفرس) من الناحية الأخرى، جاء بعده هارون الرشيد الذى غرق فى التمتع بملذات الحياة وكما تقول المصادر التاريخية أنه كان مولعًا بالنساء والخمر، لذلك بُنيت حكايات ألف ليلة وليلة على قصته ونزواته وأساطيره، لكنه كان سياسيًا داهية فهو واحد من أبرع الخلفاء المسلمين وأكثرهم تفتحًا وتفهمًا لقيم التعددية والتمثيل السياسى، وكلها مفاهيم لم تكن قد تبلورت نهائيًا على صعيد العالم كله، لقد كان الرشيد صانع الحضارة للعرب وللمسلمين؛ إذ كان دائمًا يردد «إن الإسلام ليس مجرد طقوس تؤسس لشرعية الحكم، والتوسع على حساب الشعوب الأخرى، وليس أداة لإخضاع وأسلمة الشعوب غير المسلمة، ولكن الإسلام هو مظلة حضارية تؤسس لقيم وفنون وعلوم تتسع لاستيعاب المسلمين وغير المسلمين». من هنا أبدع هارون الرشيد دبلوماسية سلمية تصالحية محلية ودولية، من خلالها تمكنه من عقد اتفاقية سلام وتبادل للبعثات الدبلوماسية مع ملك الروم «كارل الكبير» الذى عاصر حكمه، بل وعقد اتفاقية لحماية مصالح الدولة العباسية فى إسبانيا، فى مقابل تعهد الدولة العباسية بحماية مصالح كارل الكبير فى شرق المتوسط، كذلك تعهد الرشيد بحماية طريق الحجاج المسيحيين إلى القدس، وقد وصل التحضر والرقى قمته إلى حد ترجمة الكتاب المقدس من اللاتينية إلى العربية، وهكذا قام منبر حضارى وسطى يقوده الخليفة فى بغداد للتآلف والتحاور الثقافى والحضارى بين المسلمين والمسيحيين واليهود، وتواكب ذلك مع حرص الرشيد على عقد معاهدات سلام معهم والتنسيق مع المملكة الخرزية (اليهودية) لتأمين الطرق التجارية بين الشرق والغرب، والتى ربطت بين البلاد الإسكندنافية فى الغرب والصين فى أقصى الشرق!
لقد اهتم هارون الرشيد بتأسيس وتعميق دولته ثقافيًا وحضاريًا، وعزز تمثيل الأقليات المسيحية واليهودية والفارسية فى بلاط الحكم، وفى القيام بالمهام الاقتصادية والثقافية. أوصى الرشيد بأن يرث حكمه المأمون لكن الحاشية رفضت هذا الاختيار لأن أم المأمون كانت فارسية، فحدثت الفتنة وتولى الأمين الخلافة، لكن استمر الصراع بينه وبين المأمون فى حروب متواصلة بين الفرس بقيادة المأمون والعرب بقيادة الأمين حتى حسم المأمون الأمر بعد ٥ سنوات بحصاره لبغداد، وهرب الأمين لكن جيش المأمون أسره وقتله ليتولى المأمون الخلافة. قام المأمون بجمع شمل الدولة العباسية مرة أخرى، وأهم ما فعله هو إعادة بيت الحكمة إلى رونقه الأول ونشاطه الثقافى الذى لا يهدأ. فقد أصبح بيت الحكمة فى عهده منارة للثقافة والعلوم. اهتم المأمون بتشجيع العلماء والفلاسفة والمؤرخين، وقد أولى اهتمامًا خاصًا بالشباب الذين تمكنوا فى عهده من تحقيق نهضة علمية وثقافية غير مسبوقة فى تاريخ العرب المسلمين. فقد تمت ترجمة الفلسفة اليونانية، كذلك طور علوم الفضاء وترجمة الكتب الدينية والعلمية عن اللاتينية واليونانية إلى العربية، بل وأعاد قراءة تاريخ العالم، وليس فقط تاريخ العرب المسلمين. وهكذا أصبح للدولة الإسلامية نخبة ثقافية وعلمية صلبة حققت نهضة علمية ذاع صيتها فى العالم القديم، نهضة لا علاقة لها بالدين وهذا لا يعنى إهمال الدين بل على العكس إذ جعل لكلٍ مجاله، وهذا عكس الذين «ربطوا العلم بالتوبة والعودة إلى الله»، كما افترض خطاب الصحوة الإسلامية وخطاب الإخوان والجماعات الإرهابية، ولقد انفتح المأمون بجوار الاهتمام بالعلم للأخذ بأسباب التقدم والتعلم من الحضارات الأخرى، بتأسيس نهضته العلمية بمشاركة المسيحيين كما المسلمين، فقد كان عدد كبير من علماء ذلك العصر من المسيحيين العرب وغير العرب. وعندما استخدم الوالى العباسى على مصر «عيسى بن منصور» العنف الشديد ضد المسيحيين بسبب انتفاضاتهم، ووصل الأمر إلى المأمون انه نزل بنفسه إلى مصر، واستعان بالعديد من قادة الأقباط لتهدئة الثورة. هكذا كان المأمون يفكر ويدبر ويحقق. ونحن على نفس المنوال نتمنى أن يُعيد السيسى سيرة المأمون ثانية وهو ما بدأه بالفعل، والمصريون بذكائهم الفطرى اكتشفوا ذلك فى رئيسهم وذلك عندما تبنى أحدث الطرق المأخوذ بها فى العالم للتعلم وطبقه فى مصر، وعندما تحدث أكثر من مرة عن تنقية المناهج التى تُدرس فى الأزهر، لقد تابعت المناظرة التى حدثت بين فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الطيب ورئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت. وخرجت بانطباع أنه لا يستطيع أحد أن يحسم الانحياز نحو الثقافة والعلم والديمقراطية وحقوق الإنسان وتثقيف رجال الدين بعد الانتهاء من رسوخ النظام الجديد للتعليم فى مصر سوى السيسى. وفى هذا التوجه أثق أن فضيلة شيخ الأزهر سيكون أول المؤيدين كما استمعت منه مباشرة أكثر من مرة.
**
إن كل ما يتمناه الشعب المصرى هو إعادة العصر الذهبى للعرب كما حدث فى عصر الخليفة المأمون، لكن بالطبع طبقًا لمقتضيات العصر وتقنياته، وهذا ليس بالكثير على مصر شعبًا وقيادة.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات