إن حبهن عظيم - جميل مطر - بوابة الشروق
الخميس 7 يوليه 2022 3:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

إن حبهن عظيم

نشر فى : الثلاثاء 10 مايو 2022 - 7:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 10 مايو 2022 - 10:07 م

من سناء إلى وفاء..

نعم. بلغنى الخبر. وصل صباح اليوم وهو الآن فى الفندق. يحتل مقعدا وثيرا من مقاعد صالة الاستقبال وحقيبة يده ملقاة على المقعد المجاور. تقول صفاء إنه ينتظر على أمل أن تجد له غرفة ليبيت فيها بعد أن ألغى الفندق حجزه لفشله فى تأكيده قبل سفره من القاهرة. قالت إنها لم تعرف عن الحجز؛ لأنه لم يتصل بها شخصيا كعادته لتتابع بنفسها إجراءات الحجز واختيار الغرفة المناسبة وترتيب استقباله فى المطار باعتباره نزيلا متميزا وصديقا قديما لها ولإدارة الفندق. 

• • •

من صفاء إلى سناء.. 

اتصلت بى وفاء. أعربت عن رغبتها فى المساعدة فى حل مشكلة ترتيب مكان لخالد يقضى فيه فترة إقامته فى القرية. كنت أبلغتها، كما أبلغتك، أننى حتى مع كونى مديرة للفندق لم أتمكن من توفير غرفة له، حتى إننى لجأت لنزيلين من الشباب أعرفهما معرفة وثيقة أطلب منهما أن ينتقل أحدهما ليسكن مع الآخر لليلة أو ليلتين، اعتذرا لسبب لا يمكننى مناقشته وهو أن أحدهما ينتظر وصول زوجته فى أى لحظة إن هى استطاعت توفير جليسة لطفلها. اتصلت بأصدقاء من الأجانب سكان القرية من الذين يرحبون عادة باستضافة نزلاء موصى بهم لفترات قصيرة عندما يعقد فى القرية مهرجان ترفيهى أو مؤتمر لعلماء وقادة فكر. لم أجد واحدا أو واحدة لم يسبقنى إليها مكتب سياحة أو صديق مشترك. 

لم تيأس وفاء. راحت تطرح اقتراحات من بينها حجز غرفة فى أحد فنادق المدينة الكبيرة القريبة من القرية. استبعدت أن يقبل صديقنا خالد هذا الحل فواجباته فى هذه الزيارة تستدعى وجوده قريبا منها. تجاسرت وفاء فإذا بها تقترح حلا سارعت أو بالأصح تسرعت فحكمت عليه بالاقتراح المستحيل. قلت لها أنا لن أجرؤ على طرحه عليك. تعرفين وفاء. كانت دائما وعلى امتداد صداقتنا الثلاثية أشدنا هوسا باللا واقعية وأكثرنا اطلاعا على تاريخ علاقات الشعوب بخرافاتها وأساطيرها، وأعظمنا فهما بالرجال. كانت، وما زالت، تقول عن الرجال «الرب خلقهم ثم كلف النساء بانضاجهم على نار باردة. ألم يكن خالد زوجا لصديقتنا سناء، فلنعده إليها. لن نجد فى القرية من يهتم به ويرعاه ويفهمه أحسن من زوجته. طلباته ورغباته تعرفها من دون أن يطلبها أو يعرب عنها. تعرف كيف تقرأه. اختبرت أمزجته. أنت وأنا كنا مجرد صديقتين لم نعرف عنه إلا ما كان يعلنه أو تسر به لنا ثالثتنا التى كانت تقول إنها تعرف عنه ومنه كل شيء حتى تبين لنا أنها لم تكن تعرف عنه ومنه ما كان يجب أن تعرف». 

• • •

من سناء إلى صفاء ووفاء.. 

قرأت اقتراحكما. ولكن قبل أن أجيب أتصور أنه من واجبى أن أحكى لكما من جديد حكايتى مع خالد. سنوات كثيرة مرت على انفصالنا ورحيله من هذه القرية الرائعة، الجنة التى اخترنا، أنتما وأنا، أن نعيش فيها ونجلب إليها من الرجال من نختارهم للعيش فيها أزواجا لنا. اعترف، وتعترفان مع٠ى، أننا فشلنا. كنا نعرف أن الجنة ليست إلا لذوى العزائم وقررنا، كما ولا شك تذكران، أن نتشدد فى اختيار الرجال الذين سوف ننتقيهم من بين مئات المرشحين ليعيشوا معنا فى الجنة. أذكر كم بددت فى عملية الانتقاء من وقت رائع أراقب رجلا يتعذب فى الملل، وآخر يتململ من طول السكون وعمقه، وثالثا ضاقت معدته بأطايب الغذاء الصحى، ورابعا يضج بجمال المنظر وبصوت مياه البحر المتسربة فى القناة وهى تداعب مركبنا الصغير المربوط إلى مرسى بدائى منصوب عند مصب حديقتنا، وخامسا وسادسا وسابعا.. تذكران كم استمتعنا خلال تلك الاستخبارات كل منا على حدة فى بيتها وفى الليل نجتمع لنقارن خلاصاتنا وعلى ضوئها نقرر تعزيز العزم والقسم ألا نحيد عن هدفنا، ثلاثة رجال يتحملون سعادة العيش الدائم فى الجنة. 

فشلتما يا صديقتَىَّ، أما أنا فأفلحت، ولو إلى حين. فشلتما لأنكما خلصتما مبكرًا إلى نتائج رأيتها متسرعة. صفاء توصلت قبل الأوان إلى أن أكثر نصيبها من المرشحين فضلوها لو انفصلت عن الجنة، اذكرك يا صديقتى وأنت تعترفين لنا أنك حاولت جهدك معهم ليقتنعوا بأن الجنة باقية معك أو بدونك. رفضوا العرض. قال أحدهم إنه لن يعيش يوما فى الجنة إن غبت عنها لأى سبب. 

لم تكن وفاء أوفر حظا مع نصيبها من المرشحين. تذكرين يا عزيزتى أن أحدهم رأى الجنة التى اخترناها زاعقة فى حلاوتها. يومها غضبنا ثلاثتنا عندما وصفها بأنها قطعة من البسبوسة يحتاج الإنسان فور مضغها وقبل ابتلاعها إلى قضم قطعة من اللفت المخلل للتعويض عن ميوعتها. الثانى طلب منك يا وفاء أن تصحبيه فى جولة بالجنة التى نعيش فيها. طلبنا منك أن نكون معكما خلال الجولة فالرجل لم يكن مريحا للعين ولا للأذن. بالفعل ذهبنا معك. سرنا خلفكما نتابع وننصت. رأيناه لا يترك بيتا دون أن يتوقف أمامه يدقق النظر فى داخله عبر نوافذه ومداخله، وبعد كل بيت يهز رأسه تعبيرا عن حسد أو غيظ أو نقص فى الرضا. نقطع الطرق بين الأشجار وعبر القنوات وعند نهاياتها يتوقف ليهز الرأس فى نفس الاتجاهات وعلى قسمات الوجه التعبير نفسه، حسد أو غيظ أو نقص فى الرضا. وصلنا إلى بيتك الأنيق دخلنا ولكنه رفض الدخول معتذرا بأنه تأخر عن موعد العودة، مصرحا بقوله «جنة بدون ناس ما تنداس»، وأضاف «لم نقابل شخصا واحدا على طول المشوار»، كنت أنت يا صفاء من أحسنت حين أجبت بقسوتك الناعمة «طبعا تقصد أنك لم تقابل امرأة وجها لوجه ولم يسمح لك زجاج النوافذ الغامق بأن تنفذ ببصرك إلى حرمات البيوت. ارحل من هنا فورا قبل أن تلوث جنتنا بما يدور فى ذهنك الآن».

أنا اختلفت فى الخلاصات عنكما. وجدت الرجل، وبدقة أشد وجدناه ثلاثتنا، حاز منكما ومنى على أعلى متوسط للدرجات. جاء إلى قريتنا بحثا عن سكينة وسكون وعن امرأة. قال، كما تذكران، إنه وجد ما سعى إليه فى الساعات الأولى من إقامته فى القرية. وجدنى ومعى السكون والسكينة. وجد أيضا أن الناس هنا لا يمارسون الحسد أو الغيرة. وجد، بين ما وجد، أن كل أطباقنا شهية وأن الناس وهى تمشى فى ممشى المارينا تتهامس كما يتهامس العشاق. وجد فى تقلبات الريح مصدر خير وجمال لهذه الجنة، كان يقول وكنا نسمعها بانبهار وحب «لولا هذه الريح المتقلبة المزاج لما تجددت المياه فى القنوات، ولما استبدلت الأشجار أوراقها الذابلة بأوراق خضراء، ولما اشتغل أهل الجنة بمتعة الإنصات إلى الأنغام الصادرة عن اختلاط حفيف أوراق الشجر بأصوات السكون المطبق». كان يقول أيضا: «صحيح قول من لا يفهمون إن الجنة بدون ناس ما تنداس وصحيح أيضا قول من يفهمون أن الجنة تفقد سبب وجودها لو اكتظت بأناس لا يقدرون الجمال والسكون والريح المتقلبة. الناس ليسوا سواسية، منهم المرشحون للعيش فى الجنة والمرشحون لسكن المدينة الكبيرة الصاخبة». 

عشنا سنوات وهو بيننا.. عاش بيننا رجلا لثلاث نساء، زوجا لواحدة وراعيا وأحيانا كثيرة حاميا للثلاث.. استحق حبنا. ذات يوم جمعنا ليقول لنا إنه اكتشف للأسف أن الجنة لا يمكن أن تكون أبدية. هو المحب والعاشق فى محرابها بدأ يشعر بالملل. قرر الرحيل حتى لا يفسد علينا أجواء حياتنا. قال «حتى فى الجنة يجب على أهلها أن يجربوا العيش خارجها بين الحين والآخر. فكما أن الجنة ليست لكل الناس، فهى كذلك ليست لكل الأوقات». تبدل الرجل وقرر الرحيل ورحل. غاب عشر سنوات وها هو يعود فى زيارة تقولان إنها خاطفة وتطلبان منى استضافته فى البنسيون الذى أديره. 

تعرفان كم أحبه. كان نغمة حلوة أرددها حتى اليوم. إذا وافقت على اقتراحكما واستضفته سوف ينام فى أحسن الغرف، وقبل وصوله سوف أرشها بعطره المفضل، إن لم يكن غيره لعطر آخر كما غيرنى. أشياؤه ستعود حتى لو لم يتعرف عليها. أتعتقدان أنها اختفت فى زوايا النسيان؟. أنا نفسى كنت واحدة من أشيائه. أتساءل إن كان يذكرني! هل يتذكر شكلى وطباعى وحبى ودموعى، هل يتذكر تفاصيلى ولبعضها، كما كان يقول همسا، سحر الجنة التى أعيش فيها. سحرته فاختار جنتنا موطنا. كم أنا سعيدة بعودة الرجل! نعم. نعم. أعرضوا عليه الاستضافة فى بيته بل وفى غرفته. كلنا سنفرح بوجوده معنا، أنا وأنتما وأشياؤه الأخرى والجنة التى احتضنته. كلنا.

• • •

من صفاء فى الفندق إلى سناء.. 

عرضت عليه اقتراحنا. يشكرك ويشكرنا. ويأسف شديد الأسف لأن إقامته فى القرية قصيرة جدا وهو مضطر للعودة إلى المدينة الكبيرة فى الصباح الباكر. قال أيضا إنه لاحظ، للأسف، أن القرية أو الجنة كما نسميها لم تتغير. ختم كلامه لى بالقول «بمعنى آخر.. شعرت خلال الساعات القليلة التى قضيتها هنا أن أسباب رحيلى لا تزال قائمة. لقد ازداد يقينى بأن الجنة، أى جنة، لها ناسها. وأنا لست واحدا منهم. حاولت وفشلت».

جميل مطر كاتب ومحلل سياسي