قصتى مع الجمعيات النسائية.. نرجسيات وفاعلات خير - المواقع العربيه - بوابة الشروق
الإثنين 21 يونيو 2021 3:06 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

قصتى مع الجمعيات النسائية.. نرجسيات وفاعلات خير

نشر فى : الإثنين 10 مايو 2021 - 7:25 م | آخر تحديث : الإثنين 10 مايو 2021 - 7:25 م
نشر موقع رصيف22 مقالا للكاتبة أميمة عبدالغفار، تناولت فيه تجربتها الشخصية عندما كانت عضوة فى إحدى الجمعيات النسائية التى تولى قيادتها نساء نرجسيات عملن لصالح مصالحهن الشخصية وليس لخدمة المرأة مما دفعها لترك الجمعية.. نعرض منه ما يلى.
النرجسية سلوك بشرى منتشر نجده فى كل مجالات العمل، ومنها العمل التطوعى. جميع النرجسيون/ات لديهم حاجة كبيرة لأن يصادق الآخرون والأخريات على رواياتهم. يستمدون فاعليتهم من الاستعلاء والشعور بالاستحقاق ولا يشعرون بالتعاطف مع الغير. لكن النرجسي/ة فى المجال التطوعى فوق ذلك كله يجيد الاختفاء خلف أعمال الخير، مما يجنبه النقد ويمكنه من الشعور بالتفوق على الآخرين والأخريات. كل من تطوع فى العمل النسائى يعرف بأن هناك من يعمل بصمت بلا كلل وملل لخدمة المرأة. وهناك بالمقابل من يتكلم ويظهر أكثر بكثير مما يعمل، فيصب اهتمامه باستعراض صورته أمام الرأى العام. وقبل أن أستطرد قد يفيد أن نسأل: ما المشكلة فى أن يكون النرجسي/ة فاعل خير؟ أليس أفضل من نرجسي/ة يختار ألا يفعل الخير؟ ألسنا كلنا نعمل الخير لدوافع ذاتية لنحصل على الامتنان من الآخرين؟
فى العمل التطوعى النسائى، بعض من يعتبرهن المجتمع رائدات فى المجال، لا يعملن. من يقوم حقا بالعمل هم الأخريات المحيطات. فيما ينشغلن هن بالتقاط الصور واجترار نجاحات الماضى وإجهاد الموظفات بالعمل. طالما تُسلّط الأضواء عليهن، فإنهن يتصدرن الصور، ولكن عندما تنطفئ الأضواء قد يتعاملن مع أفراد الحلقة التى تحيطهن بشكل مزر. وبالتالى، فإن شعورهن بأن الأضواء لم تسلط عليهن كما ينبغى أو أن الآخرين والأخريات لم يظهروا لهن الامتنان الذى يستحققنه، قد يصيبهن بالإحباط والحاجة لتفريغه فى المحيط القريب. ولأن البعيدات والبعيدين يرونهم مع هالة معينة، يصعب توصيل صورتهن الحقيقية. وقد تتعرض أنت بدورك للتشكيك فيك وفى تجاربك من قبل البعيدين الذين لا يعيشون التفاصيل المرة. ولذلك قد تجد جمعيات كهذه صعوبة فى الاحتفاظ بالعضوات.
وفى حين تجلس الواحدة منهن، تدير ظهرها إلى حائط مغطى بصورها وشهاداتها، فإن الكثير من العضوات يتركن الجمعية لأنهن التحقن بها لعمل الخير وليس لعبادة شخص. تكمن المشكلة فى أن الإنسانية هنا هى فقط قناع لاجتذاب الإعجاب الذى ينقص النرجسية بشدة ويعزز شعورها بالأهمية، بينما تتبخر هذه الإنسانية عند التعامل مع الموظفة أو العميلة أو حتى أفراد الأسرة.
فمثلا، إذا كانت العضوة النرجسية ألفت كتابا عن المرأة، لكنها لم تدعم أى نشاط للمرأة فى الجمعية. كيف نتجاهل تصرفها هذا الذى يؤثر على المرأة أكثر من كتابها الذى ألفته لتخلد به اسمها. نرجسية فاعل/ة الخير هى الضرب الأصعب، ذلك لأن الآخرين والأخريات يمكنون النرجسي/ة فى أن يستمر. فالقارئ/ة الذى يشترى كتب رائدة العمل النسائى النرجسية يجهل أعمالها المضرة بالمرأة الموظفة أو العميلة. والنرجسي/ة هنا يخيب أملنا أكثر من بقية أصناف النرجسيين، فنحن صدقناه وقللنا من تجارب الآخرين إلى أن يصدمونا بأنهم لا يستحقون المصداقية التى يدعونها.
***
مع اطلاعى على مفهوم النرجسية فى العمل التطوعى، فإنى أود أن أطبق المفهوم على العمل النسائى من خلال الجمعيات التى التحقتُ بها سواء كموظفة أو كعضوة. ففى إحدى الجمعيات، كنت لاحظت بأن هناك دائرة ضيقة من العضوات المؤسسات (من الممكن تسميتهن بالعضوات الذهبيات) هى من تملك القرار الحقيقى، وليس مجلس الإدارة أو حتى الجمعية العمومية. عمليا، كل ما يتم اتخاذه فى مجلس الإدارة يجب أن يتفق مع ما ترتأيه العضوات الذهبيات. ومع الوقت، أصبح واضحا بأن القيم التى تتبناها الجمعية ليست خدمة للمرأة إنما الولاء للحلقة الضيقة من العضوات الذهبيات فقط.
فى حين أن جميع العضوات يدفعن نفس قيمة الاشتراك، إلا أن العضوة الذهبية تمنح نفسها حق الفيتو بدون وجود مستند قانونى أو مخول أخلاقى فقط لأنها ترى نفسها أعلى من الأخريات. إن الاستعلاء عليهن يظهر فى أخذها كل الوقت المتاح لطرح الأسئلة فى الاجتماع العمومى واحتكار الوقت والاعتراض على طرحهن للأسئلة بحجة ضيق الوقت. يظهر فى لغة الجسد مثلا الإصرار على أن يبادرها الأخريات السلام وأن يحضروا ندواتها، بينما لا تحضر هى نشاطاتهن التى تعتبرهما أقل أهمية منها. ويظهر أيضا فى تصرفات صغيرة مثل إصرارها على أن تكون فى مقدمة الحفل وأن تحصل على أحسن طاولة وأن يتم تصويرها وتداول صورها إلى أبد الآبدين.
ثمة حاجة دائمة للحصول على تصديق الأخريات validation، وتذكيرهن بعطائهن. بحيث أصبحت أى مناسبة، كيوم المرأة، مناسبة للتذكير بهن وبعطائهن. مع العلم أنهن أسسن الجمعية بالتعاون مع أسماء أخرى يتم تجاهلها. كل الجهود يتم توجيهها باتجاه تمجيد جهودهن التى قمن بها منذ 30 سنة مضت. وفى نفس الوقت يتم التقليل من جهد الأخريات حتى يسطعن هن بالمقارنة. لذلك، لا تحتفظ الجمعية بعضواتها الجدد بالرغم من أن الكثير التحقن بها.
سلوكنا مع من هم/هن أضعف منا، دون أن يراقبنا أحد، هو المعيار الذى يكشف إنسانيتنا، وليس سلوكنا مع الأقوى، فيما الأنوار مسلطة علينا. وما هو مقياس تعاطف جمعية نسائية مع المرأة؟ للإجابة على ذلك سأستخدم مقياسين عامين للأداء هما: التعاطف مع المرأة التى تمر بظروف صعبة وسنأخذ هنا حالة وفاة المرأة المقترضة (حيث تقدم الجمعية قروضا بسيطة بفوائد للنساء)، وثانى مقياس هو مدى دعم الجمعية لأجر المرأة الموظفة لديها، حيث إن الموظفات يتلقين رواتب بسيطة من الجمعية.
لو توفت عميلة مقترضة هل تطالب الجمعية بالمبلغ أم تعدمه من باب عدم إثقال كاهل الورثة؟ الجواب: تطالب الجمعية ورثة العميلة بالمبلغ بدون مراعاة لظروفها بينما نرى كيف تعدم البنوك التجارية القروض فى حالة كهذه. كما رفضت الجمعية الانضمام لبرنامج دعم الأجور، وذلك لأن مدة الدعم 3 سنوات فقط، بعدها تلتزم الجمعية بالراتب المدعوم. من جهتها، تريد الجمعية أن تستفيد من جهد الموظفات لكى تُدر أرباحا أكثر للجمعية، ثم تستأثر بالأرباح وتعطيهم الفتات. أين التعاطف مع المرأة فى كل ذلك؟
***
لا ينتقد النرجسي/ة نفسه، بل يشغل وقته بانتقاد الآخرين. وقد يشعر بالخجل من أن يعرف الآخرون بأنه يرتكب أخطاء وأنه ليس مثاليا وكاملا كما يدعى. لذلك، عندما يوجه له الآخرون النقد يشعر بالتوتر، وقد يلجأ لسلوك عدوانى مبطن تجاه الشخص الذى أشار لأخطائه. كما يشعر النرجسي/ة بالتهديد من الأشخاص الأكثر نجاحا منه، سيما المحيطين به ممن يعتبرهم أقل منه، لأن الأضواء قد تتحول عنه. يصبح حساسا ومثيرا للشفقة ويشكك فى قدرات الآخرين وإنجازاتهم أو يتحجج بأن شروط النجاح متوافرة للغير وليس له وأنه عانى الأمرِّين بينما الطريق ممهد للغير.
لا يحتمل النرجسيون/ات خيبات الأمل، وقد يلومون الآخرين على خيباتهم وينزعون عنهم مسئوليتها. فمثلا قد يعرفون بأن الجمعية تعانى من قلة الأعضاء لكن مستحيل أن يعزوا الأمر إليهم وإلى سياساتهم الخاطئة. فتوضع اللائمة على الآخرين الذين لا يقدرون العمل التطوعى وأهميته.
الجمعيات النسائية التى تتصدرها قيادات نرجسية تعيش على رصيدها الماضوى، ورسالتها للعالم: «نحن نعلّم العالم ولا نتعلم منه». قد يفيد بأن نكون أكثر وعيا، كمجتمع، تجاه النرجسية وانتشارها، وأكثر إدراكا بأن العمل التطوعى ليس ملائكيا وليس خاليا من العيوب البشرية. كما قد يفيد أن تنزل هذه الجمعيات من عليائها وتمارس نقدا صادقا لسلوكيات غير صحية. وفى حال أرادت هذه الجمعيات النسائية إنعاش عضويتها وجذب عناصر شابة، يتوجب عليها أن تتمسك بقواعد اللعبة الديمقراطية. فجميع العضوات متساويات فى الحقوق والواجبات، ولا توجد عضوية ذهبية، وليس هنالك فرد، مهما زاد علمه أو خبرته، ممكن أن يشكل ينبوعا للحكمة فى كل المجالات.
النص الأصلى:

التعليقات