«كل أموال العالم».. العجوز الذى امتلكته ثروته! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 6:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«كل أموال العالم».. العجوز الذى امتلكته ثروته!

نشر فى : الخميس 10 مايو 2018 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 10 مايو 2018 - 9:20 م

وكأن الفيلم يريد منك أن تكمل عنوانه، بعد أن يترك فى داخلك، عقب نهايته، شعورا عميقا بالرعب والفزع، ليس لأن محوره اختطاف مراهق هو حفيد ملياردير النفط الشهير «بول جيتى»، ولا لأن المختطفين شرِسون، يصل بهم الأمر إلى درجة قطع أذن المراهق المخطوف، وإرسالها إلى البوليس الإيطالى، ولا حتى لأن ما تراه مستلهمٌ من قصة حقيقية معروفة؛ بدأت وقائعها بعملية الخطف فى يوليو من العام 1973.

ولكن ما يجعل من فيلم «all the money in the world» أو «كل أموال العالم» عملا مخيفا هو نموذج الرجل الرأسمالى الذى امتلكته ثروته وليس العكس، بول جيتى، كما ظهر فى الفيلم بأداء المشخصاتى القدير كريتسوفر بلامر، وحش حقيقى يرى فى كل معاملة «صفقة»، ويعتبر كل شىء فرصة للربح والانتصار المادى، حتى حياة حفيده المحبوب.

ذكاء الفيلم، الذى أخرجه ريدلى سكوت، أنه جعل الوحشية على مستويين: مستوى مجاز لرجل رأسمالى يهتم بالأشياء والتحف أكثر من البشر، ولا يتردد فى المساومة والمقايضة، بينما حفيده فى أيدى جلاديه، ومستوى واقعى، حيث لا يقل الخاطفون وحشية عن الجد، بل إنهم يستخدمون نفس المصطلحات الاقتصادية!

فالمراهق المخطوف يباع إلى خاطفين جدد، وكأنه فى سوق، ومبلغ الفدية يتم التفاوض عليه وكأننا فى مناقصة، ليهبط المبلغ من 17 مليون دولار إلى أربعة ملايين دولار، والانتقال بين بول جيتى ومعاونيه، وبين الرجال المختطفين يكاد يشير إلى أنهم من نفس العينة التى لا يهمها سوى الربح.

ويقطع ريدلى سكوت بذكاء فى أحد أجزاء الفيلم بين مشهد حصول بول جيتى على لوحة مقابل مليون ونصف المليون دولار، بعد أن يرفض أن يدفع الفدية المطلوبة لإنقاذ حفيده، وبين مشهد جزار يقطع اللحم ويبيعه لأحد المختطفين!

وكأن الجد متوحش ومسئول عما سيحدث من قطع لأذن حفيده، وكأن المراهق البائس تعاسته ثلاثية: فهو حفيد مليونير يطمع الناس فى ثورته، والجد يشارك فى تمزيق جسد حفيده بتصرفاته، رغم أن الحفيد يحمل اسمه، كما أن المراهق تعيس مرة ثالثة بشراسة خاطفيه، وإن كان تصرفهم وليد الفقر، وأحدهم كان أرحم عليه من جده، إذ ساعد المختطف على إنقاذ حياة رهينته.

بول جيتى الجد ليس شخصية جامدة على طول الخط، ولكن لديه فلسفة كاملة عن الثروة والبخل، ولديه إحساس بأنه إمبراطور حقيقى، ونعرف أن والده كان يراه بلا فائدة، ورغم حب جيتى لحفيده الصغير، فإن حصول الأم على الوصاية على ابنها المراهق، جعل جيتى يشعر بأن الحفيد مثل تحفة سلبت منه.

ولذلك سينتهز لجوء الأم إليه، لكى يسترد الوصاية، ولا يفوته أن يدفع أموال الفدية بطريقة لا تفرض عليها ضرائب، لقد صار لا يرى العالم إلا من خلال البيزنس، ولا يخجل من أن يصفه البعض بأنه «قذر وقديم وثرى»، أصبح هو نفسه تحفة من تحف قصره، وهكذا ستراه زوجة ابنه فعلا فى نهاية الفيلم.

رغم ذكاء السيناريو إلا أن هناك ملاحظات كان يمكن تلافيها: شخصية مثل فليتشر شيس (مارك والبرج)، وهو مستشار الجد والذى كان يعمل سابقا كرجل مخابرات، يبدو أقل كفاءة وبراعة من المتوقع، مما أضعف الصراع مع المختطفين.

نفس الأمر مع البوليس الإيطالى، الذى اكتفى فى مشاهد كثيرة بتسجيل مكالمات الخاطفين، الحقيقة أن الصراع بين الأم، بأداء ميشيل ويليامز المتفوق، وبين المياردير بول جيتى للحصول على الفدية، كان أقوى وأكثر إثارة من الصراع بين الشرطة والخاطفين، والمفترض أن يكون الصراع بنفس القوة على كل المستويات: قوة الأم فى مواجهة وحشية الجد هى المعادل لقوة الشرطة فى مواجهة وحشية المختطفين، هذا هو منطق الدراما، والرأسمالى المتوحش الذى لا يرى فى البشر سوى صفقات، لا يقل خطورة عن المختطفين الباحثين أيضا على الثروة، حتى لو جاءت من خلال اختطاف الآخرين.

أعظم ما فعله كريستوفر بلامر هو ضبط انفعاله، وفهم منطق الشخصية، والابتعاد بها عن الأداء النمطى، لقد استوعب تماما أن الرجل سجين لأفكاره عن المال، وسجين لأنانيته، فى لقطات كثيرة يبدو بول جيتى بالضوء والظل مثل تمثال جامد، لو تغير لتهشم، وهو سيموت حرفيا بين أيدى لوحة لطفل، وكأنه لا يستطيع أن يتمثل حفيده، أو يتعاطف معه إلا من خلال تحفة أو لوحة، هذا رجل اشترى ثروته ببيع قلبه وعواطفه، والفيلم عن اختطاف عواطف ملياردير، وليس عن اختطاف حفيده المراهق.

الآن نستطيع أن نكمل عنوان الفيلم البليغ فنقول بناء على تجربة بول جيتى، وكل جيتى آخر: كل أموال العالم لا تساوى أن تفقد إنسانيتك، وكل أموال العالم لا تساوى أن تنقذ حفيدا من الموت.

ذهب بول جيتى الجد، وبقيت التحف الصامتة، وعاش بول جيتى الحفيد عاشق الحياة.

التعليقات