ثورة التبغ طارت كالدخان - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 5 ديسمبر 2020 1:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

ثورة التبغ طارت كالدخان

نشر فى : السبت 10 مارس 2018 - 10:20 م | آخر تحديث : السبت 10 مارس 2018 - 10:20 م

الذاكرة هى شرط الحلم، فى مكان ما. فكرة يفرضها مشهد مناضلى السبعينيات فى لبنان ونقاشاتهم الحامية بمصنع قديم ببرج حمود، بعد مرور أكثر من أربعين عاما على اشتراكهم فى إضرابات مصنع الغندور للحلويات بالشياح جنوب بيروت أو فى مظاهرات مزارعى التبغ بالنبطية. اختارت المخرجة اللبنانية الأصل مارى جرمناس سابا أن تتناول فى أول فيلم لها «شعور أكبر من الحب» تاريخ الحركات الاحتجاجية التى سبقت حرب لبنان الأهلية (1975ــ1990)، وتحديدا إضراب عمال معمل الغندور فى نوفمبر 1972 للمطالبة بزيادة الأجور وبحق التنظيم النقابى، وما تلاها من تظاهرات أطلقها مزارعو التبغ فى يناير1973، احتلوا فى إثرها مبانى إدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي). سنة عاصفة بالتحركات العمالية (1972ــ1973)، حدث فيها أيضا صدام واسع بين الجيش اللبنانى والفدائيين الفلسطينيين الذين كان لهم دور هام فى تحريك المجتمع ضد البرجوازية اللبنانية وقيام الانتفاضات المختلفة وتنامى الوعى النقابى اليسارى. لكن لا يأتى ذكرها كثيرا ونادرا ما نجد لها مواد أرشيفية.
***

المخرجة التى درست العلوم الاجتماعية فى جامعتى هارفارد وبيركلى قبل أن تتجه للعمل التليفزيونى والسينمائى أرادت أن تلقى الضوء على هذه المرحلة التى ربما لا يعرف بعضنا عنها الكثير، خاصة من لم يعاصروا الأحداث، فى محاولة لفك طلاسم مأزق الحركات الاجتماعية الحالية بالرجوع إلى التاريخ وإنعاش الذاكرة قليلا. وقد أرادت أيضا أن تروى القصة بالتركيز على شخصيات نسائية شاركت فى النضال بشكل فعال وقتها، والآن تفرقت بها السبل. لذا فقد عرض الفيلم مؤخرا فى إطار مهرجان القاهرة الدولى لسينما المرأة الحادى عشر، الذى يهتم بتقديم الأفلام التى تصنعها النساء، مجانا للجمهور، فى قاعات عرض مختلفة. وقد كان لبنان هو ضيف الشرف هذا العام.

حوارات شخصيات هذا الفيلم التسجيلى، ونوستالجيا النضال التى تجتاح الشاشة، سواء من خلال كلامهم أو الصور القديمة التى استعانت بها المخرجة، تأخذنا إلى وقت غير الوقت كانت تشوبه رومانسية الحلم والرغبة فى التواجد حيث توجد الجماهير. وهنا تبرز أهمية النقاش الذى يدور بين أبطال الفيلم حول من كان يقود على طريق الثورة، هل كانت الأحزاب والحركات اليسارية؟ أم جاءت الأحزاب فيما بعد وصادرت العملية لحسابها؟ هل هذه التنظيمات مثلها مثل القبائل التى يتخللها بعض الأشخاص الصادقين أو اللامعين، لكن هى تحمل شيئا فى تركيبتها جعل مصيرها التصارع والتفتت؟ كيف بدأت ثورة التبغ عفوية؟ ولماذا لم تنجح هذه التيارات العلمانية القوية فى رأب الصدع وتفادى الصراع الطائفى والأهلى الذى اشتعل بعدها بقليل؟
***

يتم طرح العديد من الأسئلة والمراجعات التى قد نجد لها صدى فى الوقت الحالى، وهو ما حاولت المخرجة التلميح له، لكن بشكل مشتت نوعا ما. حاولت أيضا الإشارة إلى أن الخلل يأتى غالبا من الانفصال بين رأس الحركة وما يجرى فى الشارع، بين المثقفين وعامة الناس. أرادت أن تروى حكايات الإضراب وثورة التبغ بعيدا عن روايات القادة الموجهة، فقاطعت وجهات النظر والآراء المختلفة حول حدث أو نقطة ما، يتخللها صورا لأوراق التبغ والأصابع تغزها واحدة تلو الأخرى، فيتذكر أحدهم دوره ويرويه بعد أن تبدل شكله وطعن فى السن. ضحكات وقهقهات تأتينا من زمن آخر، أبيضّ شعر البعض وتغيرت مسارات البعض، لكن لا تزال آلاف العائلات التى احترفت مهنة زراعة التبغ وتوارثتها عبر الأجيال تعانى من الاستغلال فى ظل ظروف اقتصادية صعبة، ولا تزال فى صراع يحتدم من وقت لآخر مع شركة «الريجى» المسئولة عن إدارة التبغ والتنباك فى لبنان.

التعليقات