الإثنين 25 مارس 2019 3:09 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في التصميم الجديد لقميص المنتخب المصري لكرة القدم؟

يا طالع الشجرة

نشر فى : الخميس 10 يناير 2019 - 10:30 م | آخر تحديث : الخميس 10 يناير 2019 - 10:30 م

لا يشترك عنوان المقال مع عنوان المسرحية الشهيرة لأديبنا الكبير توفيق الحكيم إلا في أن كليهما له صلة بالعبث وإن كان البون شاسعا بين عبث وآخر. أتى عمل "يا طالع الشجرة " لتوفيق الحكيم في عام ١٩٦٢ تأثرا بمسرح العبث الذي انطلقت بداياته من فرنسا. أما تفسير ماذا كان يقصد الحكيم بمسرحيته فلقد ورد بشأنه رأيان، قال قائل إن الحكيم لم يكن يقصد شيئا بل أراد أن يقدم متعة عقلية لقارئه بأنه يُعَرّضه لمؤثرات جديدة ويُغرقه في تفاصيل ملغزة. وقال آخر بل إن الحكيم كان يقصد شيئا وهذا الشيء هو نسبية الظواهر، فما يراه البعض محض عبث يراه سواه ليس كذلك، وكمثال فأن تثمر الشجرة مع أنها غير قادرة على أن تذوق ثمارها أو تزهر مع أنها لا تستطيع أن تشم روائح زهرها فهذا قد يكون قمة العبث وقد يكون قمة نكران الذات في الوقت نفسه. وحول الجدل بشأن دلالات العمل ومقاصده كتب إبراهيم حجاج مقالا بديعا في مجلة الحوار المتمدن قبل سنين.
***

هذه إذن هي مسرحية توفيق الحكيم وهذا إذن هو عبثه، عبث في حده الأدنى يستعرض القدرات الإبداعية لصاحبه وفي حده الأقصى يدعو لاحترام التنوع ، وفي الحالتين يكرّس قيمة الجمال. فما بال مقالي وما حكاية عبثه؟. اعتدنا نحن سكان حي مصر الجديدة أن ننتظر قرب حلول ميلاد السيد المسيح أن يزدان ميدان الكوربة بشجرة ضخمة، عن نفسي لم أعاصر أبدا وضع الشجرة في مكانها ولا تزيينها بزينة بسيطة لكن مبهجة، لكني عندما كنت أراها حين أمُرُ على الكوربة وأنا كثيرة المرور كان ينشرح قلبي وتُسّرُ عيني فالكوربة ليست أي مكان. وسط زحف العمارات الجديدة فاسدة الذوق على المباني التراثية كانت بواكي الكوربة واقفة في مكانها تقاوم وتدافع عن الجمال، وعندما قُدّر لي أن أطل على الميدان من شرفة منزل الدكتورة هناء خير الدين رحمها الله كانت مساحة الرؤية تتسع وكان الجمال يتجلى وينكشف أكثر وأكثر. لاحقا أتيحت لي إطلالات أخرى من شرفات أخرى في الكوربة فلم يزدني تكرار الرؤية إشباعا قط فالجمال دوما يغري بالمزيد. وعندما أستخدم هنا ضمير المتكلم "أنا" أزعم أنني أعبر عن مشاعر كثير ممن ولدوا في هذا الحي أو وفدوا إليه على كِبَر بعد الزواج، فكما توجد الآن هوجة التجمع الخامس والقاهرة الجديدة ظهرت في السبعينيات هوجة مصر الجديدة ومدينة نصر، وتكونت آلاف العائلات في ظل هذه الهوجة. لكن الكوربة ليست مجرد بواكي أثرية بديعة المعمار بل هي منطقة تحتضن بقايا من الأرمن الذين اغتنت مصر بإبداعاتهم فنا وصناعة وسياسة أيضا، فكأنك حين تأتي إلى الكوربة تهفهف عليك روائح زمان. لهذا كله كانت شجرة الميلاد في الكوربة تعني الكثير، كنا نقارن بين زينتها من عام لعام فنتمنى لو أن جرسا ذهبيا تدلى من هذا الفرع، أو أن القطن الأبيض تكثف تحت سيقانها، أو ..أو كنا نحبها.. نحبها جدا.
***
في صباح آخر يوم في سنة ٢٠١٨ ذهبتُ مع مجموعة من الأصدقاء إلى الكوربة، كبر طلابي وصاروا أصدقائي، ذهب الخوف المعتاد تجاه الأستاذ وحلت مكان الخوف مشاعر الود وعلاقات الصداقة وخروجات بين الحين والحين نتبادل فيها الأخبار والضحكات. كانت الشجرة هناك كعادتها وكعادتنا معها التقطنا أمامها صورة جماعية، لم نكن وحدنا هناك بل وقفنا في طابور ننتظر دورنا، كبار وصغار.. عشاق وأصحاب يطلبون من الآخرين تصويرهم ويردون لهم الخدمة فيصورونهم.. غدا عام جديد اللهم اجعله عاما أجمل وأجمل. لكن ما بين غمضة عين وانتباهتها تغير حال الشجرة وياله من تغيير. انتشر على وسائل التواصل ڤيديو لمجموعة من الصبية يحتفلون برأس السنة الجديدة على طريقتهم، تسلقوا كالقرود الشجرة الضخمة الواحد منهم بعد الآخر وراحوا يلقون من عل زينتها على الأرض، ومن حولهم وقف الخلق ينظرون جميعا كيف يعبث هؤلاء الصغار بالشجرة ويتحرشون بها كما يتحرشون بالنساء في الطريق العام، لم يعلمهم أحد قيمة الجمال فاعتادوا على مرأى القبح وألفوه، صارت الشجرة غريبة عليهم. مد أحدهم يده إلى واحدة من النجوم الفضية التي تزدان بها الشجرة وطوّحها في الهواء فشعرت أن يدا امتدت إلى قفصي الصدري لتعتصر قلبي. تحتاج الأشياء العجماء إلى من يدافع عنها لأنها لا تستطيع أن تدافع عن نفسها، فما بال هؤلاء الذين يتحلقون حول الشجرة يصورون العبث بها ولا يتحركون؟ ألم يكن أحد من هؤلاء بين من صوروا وتصوروا مع هذه الشجرة في الصباح؟ أليس بينهم أحد يحب الجمال؟ ربطت قلبي هناك.
***
غالبا ستأتي إجابات كل الأسئلة السابقة بلا النافية، لكن محبي الجمال الذين ينصبون الشجرة في قلب الكوربة ويزينونها كل عام خفّوا لنجدتها ودافعوا عن بقايا البقايا من إنسانيتنا، عادت الشجرة إلى مكانها على أياديهم وبأياديهم فشكرا لهم لأنهم موجودون في حياتنا، وهم يستحقون التعريف بهم في مقال يخصص لهم وحدهم حتى وإن لم يكونوا طالبي شهرة. أما هؤلاء الصبية من طالعي الشجرة الذين لم يسمعوا عن توفيق الحكيم فإن مسؤوليتهم تقع علينا لأننا لم نعلمهم في بيوتنا ومدارسنا. وإعلامنا كيف يحبون الجمال وكيف يحافظون عليه .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات