بوسة القمر - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 9 ديسمبر 2019 3:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

بوسة القمر

نشر فى : السبت 9 ديسمبر 2017 - 9:30 م | آخر تحديث : السبت 9 ديسمبر 2017 - 9:30 م

فى يوم الجمعة السوداء أى اليوم الذى يأتى مباشرة بعد عيد الشكر فى الولايات المتحدة الأمريكية بنهاية شهر نوفمبر، والذى يعتبر بداية شراء هدايا الكريسماس، صار مؤسس موقع أمازون للتسوق الإلكترونى ورئيسه التنفيذيــ جيف بيزوســ أغنى رجل فى العالم بعد أن تجاوزت ثروته مئة مليار دولار، وذلك بفضل المبيعات القياسية التى حققتها شركته. كان ذلك اليوم أسودا على مصر بشكل مختلف بعد تفجيرات مسجد الروضة الإرهابية وسقوط ضحايا بين المدنيين بعدد غير مسبوق، ومن بعدها تواترت الأنباء التى تعد بمستقبل عربى أكثر سوادا، وتطالعنا أخبار فصائل مسلحة غريبة حتى فى أسمائها وكأننا ارتدينا لعصر هبل وقريش الجاهلية فى فيلم فجر الإسلام. المفارقة واضحة.

بيزوس شخص يحلم ويحلم ويحلم... ويحقق ما يحلم به، مقتنعا بما قالته له جدته فى الماضى القريب، بما أنه من مواليد يناير 1964: «كل شيء مسموح وممكن، طالما أنك استحقيته»، فى حين هناك آخرون يدمرون ما لديهم تدميرا، ويقتلون وينهبون ويدنسون كل مقدس، فتفقد البقية الباقية الأمل فيما كانت تظنه ممكنا وتضيع فى الفوضى. بيزوس ينظر إلى المستقبل باسما مثلما فى صوره، مؤكدا أن المستقبل للرقمنة وللفضاء، وبالتالى يسعى لغزو هذا وذاك، ولديه طموح أن يعيد تنظيم العالم كما لوكان كله فاترينة تخص أمازون، أما غيره فلا يستطيعون تنظيم مرور مدينتهم ويهدمون بغبائهم وانحطاطهم ما بنوا من جسور.

***

يقدر حجم أعمال شركة أمازون بحوالى 135 مليار دولار، ويصل عدد موظفيها حول العالم إلى 340 ألفا، ويتوقع المحللون الاقتصاديون أن تتجاوز مبيعاتها خمسمائة مليار دولار خلال عشر سنوات من الآن، فنشاطها لم يعد مقصورا على الكتب والمنتجات الثقافية كأقراص الفيديو الرقمية وخلافه، لكنه امتد لكل ما يباع ويقبل عليه الناس من ألبسة وطعام وشراب ومنسوجات وأدوات تجميل إلى ما غير ذلك، بل وسيأتى يوم يصبح لديها شاحنات وطائرات خاصة لتوصيل بضاعتها إلى الزبائن، لأن بيزوس وغيره من الخبراء مقتنعون أننا فى عصر التجارة الإلكترونية بامتياز، وأننا بصدد نمط اقتصادى يحل محل آخر، وأن جزء كبير من تجارة الجملة يختفى لصالح تجارة تجزئة تتم إلكترونيا.

بدأ المشوار بمشروع صغير فى جراج منزل جيف بيزوس وزوجته بمدينة سياتل، التى اختارها لتكون محل إقامته بحكم شهرتها كمقر لشركة مايكروسوفت وللعديد من مهندسى الإلكترونيات والبرمجيات. جاب البلاد شرقا وغربا بصحبة زوجته الكاتبة، ليدرس السوق ويعرف ما الذى يمكن أن يتاجر فيه على الإنترنت، بعد سنوات عمل خلالها فى بورصة وول ستريت، فأنشأ موقعا لبيع الكتب عام 1994، وأستفاد من الثغرات الضريبية الأمريكية التى تحاسب فقط شركات البيع بالتجزئة ذات الوجود الواقعى على الأرض مثل واجهة متجر أو مركز توزيع، فالشراء عبر الإنترنت كان معفيا من الضرائب لسنوات ما سمح للشركة بتحطيم الأسعار، لكن تغير الوضع تدريجيا، ومع اتساع الشركة السريع وإنشائها لمراكز توزيع فى بعض الأحيان بدأت فى جمع ضرائب المبيعات فى عدد متزايد من الولايات. وظلت استراتيجية جيف بيزوس ثابتة: أسعار أقل، وقت أقل لأن المنتج يصل للمستهلك بكبسة زر، الزبون أولا... ومع الوقت، حتى لو استغرق الأمر سنوات ستصبح مصلحة الزبون والشركة أو المساهمين فيها متقاربة جدا. وبالتالى كان حريصا أن تكون خدمة العملاء على رأس أولوياته « لأن زبون واحد غاضب كفيل بأن يوصل صوته لخمسة آلاف شخص«، وبالتالى أيضا هو حريص أشد الحرص على اختيار معاونيه بنفسه بعد إجراء العديد من المقابلات التى قد تستغرق ساعات يستجوبهم فيها عن كل شيء.

***

الكثيرون ينظرون لجيف بيزوس على أنه رمز لاقتصاد حر قائم على الابتكار واحتياج السوق، وآخرون يركزون على مسيرته الشخصية ويعقدون المقارنات بينه وبين من احتفظ لنفسه بلقب «أغنى رجل فى العالم» لمدة سبع سنوات متتالية، وهو بيل جيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت العالمية، التى تقدر ثروته بنحو تسعين مليار دولار. كلاهما اتجه للأعمال الخيرية، مع أن بيزوس لايزال يتحسس طريقه، ففى شهر يونيو الماضى غرد على حسابه الخاص فى تويتر مطالبا الناس أن يشاركوه الأفكار فيما يمكن أن يفعله بجزء من ثروته لخدمة الآخرين على المدى القصير، إذ يعتبر أن استثماراته فى مجال التسوق الرقمى أو الميديا بشرائه مجموعة الواشنطن بوست سنة 2013 أو ما ينتوى عمله فى مجال السينما والقراءة الرقمية من خلال جهاز «أمازون كيندل»، إلى ما غير ذلك، هى كلها استثمارات ستؤتى ثمارها الحقيقية على المدى الطويل. وخريج برينستون من أنصار سياسة النفس الطويل، وهو القائل: «يمكن لأى شخص أن يفعل كل شيء بنفسه إذا تحلى بالصبر«، وقد طبق ذلك بالفعل منذ الصغر، فمع بلوغه عامه الثانى كان يعيد تركيب قضبان سريره بعد فكها. ثم بعدها بسنوات قليلة، وهو فى الثامنة، صنع بيديه لعبة غالية الثمن رغب فى اقتنائها، وفى الثانية عشر من عمره علم نفسه بنفسه، بواسطة كتيب صغير، كيفية القيام بأعمال الصيانة فى مزرعة جده بولاية تكساس، وهم عائلة مهاجرين من أصول لاتينية بالأساس لم يدخروا جهدا ولا مالا فى سبيل توفير أفضل تعليم لجيف، إيمانا منهم بقدراته. لذا كانت بداية رأس مال مشروعه 300 ألف دولار، هى مدخرات أمه وأبيه بالتبنى طوال حياتهما، قدماها له طواعية، ثقة فيه. وكان ما كان، فصار جميع أفراد العائلة من أغنياء العالم، وصار حلم جيف بيزوس أن يصطحب والدته فى رحلة للفضاء، وهو الذى يهوى الخيال العلمى ويستثمر فى هذا المجال منذ العام 2010 من خلال شركة «بلو أوريجين« بالقرب من الحدود المكسيكية حيث موطن أمه الأصلى.

الملياردير يحلم بالفضاء، ببوسة القمر كما تقول أغنية شادية...يعلم بعض الأشخاص ما الذى يمكن أن يطلبوه من مارد الأحلام، يصبحون أحرارا وأسياد أنفسهم، وعندما يمتلكون حريتهم ويشعرون بالقوة يحاولون مساعدة الآخرين، وذلك بخلاف من لديهم قدرة هائلة على تدمير النفس والغير.

التعليقات