وهم الهوية بين الذات والآخر المختلف - إكرام لمعي - بوابة الشروق
السبت 10 أبريل 2021 5:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

وهم الهوية بين الذات والآخر المختلف

نشر فى : الجمعة 9 نوفمبر 2018 - 11:55 م | آخر تحديث : الجمعة 9 نوفمبر 2018 - 11:55 م

منذ أكثر من ألفى عام أثار سقراط العالم وما زال عندما أطلق تعبيره الخالد «اعرف نفسك» فماذا كان يعنى سقراط بتلك المقولة؟ هل كان يعنى أن يتأمل الإنسان ذاته من خلال عملية التعمق فى داخله لفهم ذاته؟ يقول البعض إن هناك أكثر من ذات للشخص الواحد الفرد فهناك هوية شخصية وهناك هوية اجتماعية وهناك فارق بين الاثنتين، وهنا يبرز سؤال هل يستطيع الإنسان أن يفهم ذاته؟ يقول علماء النفس إن الإنسان الواعى يعجز أن يلم بذاته الداخلية ككل فأنا عاجز عن الإحاطة بذاتى إذا لم أرقب ردود أفعالى التلقائية للأحداث ومن مثل ردود الأفعال هذه، لا أرى سوى ما أستطيع أن أدركه بما يعنى أنه يوجد الكثير داخلى لا أدركه بمعنى أفهمه وهكذا من المستحيل أن أعرف ذاتى بشكل واضح أو كامل، وإذا افترضنا اختفاء تلك الإدراكات عن الذات يبدو للإنسان كما لو أن الذات غير موجودة وبالتالى يصبح الإنسان أمام الآخرين بلا هوية واضحة، من هنا نصل إلى نتيجة أنه لا وجود للذات عينها وإنما فقط لإدراكاتنا عنها وعن خصالها وصفاتها وأوضاعها النفسية، أما الفيلسوف الفرنسى باسكال فقال «لا وجود لشىء اسمه الهوية الشخصية وعندما نتحدث عن الآخر فنحن نتحدث بالضرورة عن خصاله (صفاته وسلوكه) وهذه الخصال تتحدد نتيجة للسياق الاجتماعى، وحين نزعم أننا نعرف شخصا حق المعرفة فإننا لا نعرف إلا الطابع المتكرر لسلوكه داخل المجتمع لذلك علينا أن نتحدث عن هوية اجتماعية وليس هوية شخصية.
لكننا بالغوص داخل أنفسنا يأتينا الشعور بأن الإنسان كائن أنانى محض بل ونفعى والبشر الآخرون ليسوا بالنسبة له سوى منافسين أو عقبات فى وجه تحقيق طموحاته، ولولا الخضوع لقيود قوية يفرضها المجتمع عليه لربما عاش ذلك الكائن المتوحد فى حرب مستمرة مع أقرانه وفى مطاردة جامحة للسلطة، لكن يأتى السؤال: لماذا يختار الإنسان الذى هو بطبيعته كائن وحدانى وأنانى العيش فى مجتمع؟ ويأتى الجواب إن البشر يعيشون فى المجتمع بدافع المصلحة وهم يقومون بذلك لأنه لا يوجد بالنسبة لهم شكل آخر لوجود ممكن غير هذا، من هنا يقول كانط «إن المولود الجديد يخرج من بطن أمه وهو يصرخ خلافا لكل الحيوانات الأخرى لأنه يشعر بعجزه فى استعمال أعضائه، لهذا هو يطالب فورا بحريته، كما يرى أن الإنسان لديه ثلاثة احتياجات العطش للشرف، والعطش للهيمنة، والعطش للثروة، إنها إرادة القوة عند الإنسان السوبر فى رأى نيتشه، لكن هناك خطا آخر يأتى بالتوازى مع هؤلاء المفكرين بدءا من الفلاسفة اليونانيين القدامى الذين وصفوا الإنسان بأنه حيوان اجتماعى، ويقول أرسطو «إن الإنسان الذى لا يقوى على أن يكون عضوا فى مجتمع أو الذى لا يرى أنه ليس بحاجة إلى الآخرين مطلقا لأنه يكفى ذاته بذاته، فإنه لا يعتبر جزءا من المدينة ويقول إن الآلهة والحيوانات هى وحدها المكتفية بذاتها وبالتالى يمكن أن نتمثلها وحدها، أما الإنسان فهو كائن ناقص وبحاجة للآخرين، ولقد أكد ذلك وبقوة جان جاك روسو إذ قدم الإنسان ككائن يحتاج للآخرين وقد ميز بين «حب الذات»
و«احترام الذات» المفهوم الأول إيجابى فهو يمثل غريزة البقاء البسيطة وهى غريزة ضرورية لكل كائن، أما المفهوم الثانى «احترام الذات» يعبر عنه روسو بـ« فكرة التقدير عند البشر منذ أن بدأوا العيش فى مجتمع فهم يحاولون بكل طريقة أن يجذبوا نظر الآخرين لهم يقول «إننا نريد أن يُنظر إلينا ونبحث عن تقدير الجمهور كما نحاول أن نستجلب اهتمام الآخرين إلينا ليس لكى نرضى غرورنا ولكن لأننا ندين لهم بوجودنا نفسه لأننا ناقصون أصلا ولا نكتمل إلا بهم لذلك يعد كل تعلق بالآخرين علامة على عدم الكفاية الذاتية، فإذا لم تكن لأحدنا أى حاجة إلى الآخرين فلن نفكر مطلقا بالتوحد معهم ولكننا هكذا ولدنا وهكذا نموت ونحن فريسة حاجتنا الدائمة للآخرين ونبحث باستمرار عن استكمال النقص الذى فينا.
الله وحده هو الذى يعرف السعادة فى التوحد من هنا وُجد المجتمع الإنسانى بقيمه فنحن لا نستطيع أن نصدر حكما على أنفسنا من غير أن نخرج من ذاتنا، وأن ننظر إلى ذاتنا من خلال عيون الآخرين، إذن لا وجود للأنا دون الأنت وهكذا يزداد إيماننا بإنسانية الإنسان. من هنا لا يستطيع الإنسان أن يدرك ذاته من خلال ذاته لكن الإنسان يعرف ذاته من خلال الآخرين، فعلى الرغم من أن اكتشاف الذات عمل استبطانى داخلى بحت فإنه يحدث من خلال الاختبارات التى يكتشفها الواحد من خلال الآخرين (الرسم والفن والأدب والفلسفة... إلخ ) فالآخر هو المجال الذى اكتشف نفسى فيه.
***
هنا يأتى السؤال هل يصح أن نسقط هذا المفهوم على منظومة دينية تشكلت من زمن بعيد؟. لقد تشكلت المنظومة الدينية الإسلامية فى القرنين الرابع والخامس الهجرى 1100 – 1200 م فهل أدخل مفهومى للآخر على منظومة تشكلت فى زمن آخر؟! وإذا أردت هل أستطيع؟! اليوم لم تعد الحقيقة توجد فى مكان محدد. الحقيقة اليوم فكرة متغيرة أو متجددة، فالمعنى تشعب وفقد مركزيته. فالمنظومة الدينية الثابتة غير المتطورة تضع الآخر خارج المنظومة فمثلًا عندما سافر الشيخ محمد عبده إلى باريس ووجد نمط تفكير مختلفا ونموذجًا مختلفًا تحدث عن «أسلمة الحداثة» و«تحديث الإسلام» ولتطبيق هذا الفكر نقول: هل القديسة مريم التى يتحدث عنها القرآن هى مريم التى يتحدث عنها الإنجيل؟، نستطيع هنا أن نقول إنها نفس الشخصية المقدسة فى الحالتين، لكن عندما نقرأ مريم القرآنية نلاحظ أنها غير مريم الإنجيلية فمريم الإنجيلية جاءت فى سياق تلقى البشارة بالمخلص أما مريم القرآنية فجاءت لتثبت قدرة الله أن يقول «كن فيكون» هنا نلاحظ أن التاريخ يأتى لنا مفسرا أو مئولا (للحدث التاريخى) فالتاريخ لا يأتى إلينا محايدا بذاته، فعندما تحضر مريم ليست هى التاريخ محايدا لكن التاريخ فى إطار تفسيرى. من هنا علينا عندما نتحدث عن الآخر لا نتحدث عنه فى نص تشكل فى زمن آخر. لذلك علينا لكى نفهم الآخر جيدا وعمليا أن نقرأه من خلال نظرية منهجية سواء كانت قرآنية أم إنجيلية أى أنا لا أقرأ العبارة فى ذاتها لكن أقرأ الخطاب بسياقاته بخلفيته الثقافية والفقهية واللاهوتية فمريم التى صاغها القرآن بدلالته هى مختلفة وهنا على أن أفتح حوارا ليحدث التفاعل الحقيقى بين النص القرآنى والنص الإنجيلى هنا يمكن أن نجد التكامل بين مريم التى وجدت لأجل البشارة بميلاد السيد المسيح ومريم التى تثبت قدرة الله «كن فيكون» يقول هيجل إن الحقيقة التاريخية ليست حقيقة مطلقة بل هى مسار لتثبيت المعنى المركزى العام فلم تعد هناك معايير للصواب والخطأ، فهناك فكرة جديدة مقدمة فهمها لا يخضع لقواعد الصواب والخطأ لكن توضع لاكتشاف المعنى، أى لا ترفض بمجرد قولها على أنها خطأ ولا تقبل على أنها صواب لكن توضح لاكتشاف المعنى القديم بشكل جديد فالفهم هنا أصبح عملية فى حد ذاتها والسؤال كيف تحدث عملية الفهم؟
***
تحدث عملية الفهم بإدراك أن كل نظام له طريقة تفكير، فكل منظومة تدرس بطريقة مختلفة والقارئ أصبح جزءا من عملية الفهم فهو جزء من المعنى، ويفهم النص من خلال مقارنته مع النصوص الأخرى فالنص دائما مفتوح على التأويل وباستمرار.
يقول شيلر ميخر الفهم والتفسير هو فن وعملية ابتكارية خلاقة، لذلك فالنص مفتوح لعدد ضخم من المعانى أكثر خصوبة وأكثر قربا للحياة والعصر. وكما أخذنا مثل القديسة مريم فى القرآن والإنجيل علينا أن نأخذ مثل الاستشهاد والجهاد فى القرآن والإنجيل فى ضوء حادث دير الأنبا صموئيل على نفس النسق بدلا من الكلام الأجوف الذى يتردد مع كل حادثة سواء من المسئولين أو المثقفين أو المؤسستين الدينيتين فالجهاد والاستشهاد أسىء فهمهما وشرحهما عند هؤلاء جميعا دون استثناء. إن الزمن الحالى لديه رهانات مختلفة فكل زمان له أسئلته وفهمه وقراءاته واجتهاداته يا سادة فإما نكون أو لا نكون وهذه هى القضية.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات