سد النهضة كأزمة وجودية: وقفة عند طريق مسدود - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الخميس 24 أكتوبر 2019 1:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


سد النهضة كأزمة وجودية: وقفة عند طريق مسدود

نشر فى : الأربعاء 9 أكتوبر 2019 - 9:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 9 أكتوبر 2019 - 9:45 م


كأى أزمة بمثل هذا الحجم فإن وطأتها ومخاطرها تنال من البلد كله، حاضره ومستقبله، أمنه وسلامته، دوره ووجوده إلى آماد طويلة.
إذا ما تهددت حصة مصر فى مياه النيل على نحو يفضى إلى الإضرار الجسيم بأمنها المائى فإن التبعات لا تحتمل على أمنها الغذائى وأمنها القومى وكل شىء يتحرك فيها.
حسب بيان رسمى فإن مفاوضات سد النهضة الأثيوبى وصلت إلى طريق مسدود.
التعبير صادم بصياغته وتبعاته رغم إشارات عديدة سبقته عن تعثر المفاوضات الثلاثية بين إثيوبيا ودولتى المصب السودان ومصر فى التوصل إلى توافقات مرضية تحفظ لكل الأطراف حقوقها فى التنمية والحياة.
وجه الصدمة ليس فى إعلان تعثر المفاوضات، فقد حدث ذلك على مدى أكثر من أربع سنوات، ولا فى الحديث عن مدى التعنت الأثيوبى، فطوال الوقت هناك كلام كثير حول تشدد أديس أبابا وتنصلها من أى التزامات يجرى التوصل إليها دون اعتبار لحجم ما قد تتعرض له مصر من أضرار إذا ما ضربت مصالحها المائية على نحو جسيم، خاصة أنها تعانى مع ارتفاع عدد سكانها إلى أكثر من مائة مليون نسمة من عجز مائى فى تلبية احتياجاتها المتزايدة.
الصدمة الحقيقية فى التوقيت، فقد استهلك وقت طويل فى مفاوضات تراوح مكانها، كلما بدا أن هناك توافقا ما سرعان ما يتبدد حتى وصلنا إلى الاعتراف بأننا أمام طريق مسدود قبل شهور قليلة من البداية الفعلية لملء خزان سد النهضة دون أى اتفاق على فترات الملء وقواعد التشغيل.
الأكثر فداحة التأويل الأثيوبى لاتفاق المبادئ الموقع عام (2015) بين قادة الدول الثلاث باعتبار أن المطالب المصرية ــ وفق وزير المالية والرى الأثيوبى ــ «تنتهك الاتفاق حول الاستخدام العادل لمياه نهر النيل».
الاستخدام العادل لمياه الأنهار تعبير دولى معتمد فى كل الوثائق والمعاهدات والقوانين الدولية ذات الصلة ولا يعنى بأى نحو فرض إرادة طرف أيا كانت الأضرار التى تلحق بالطرف الآخر.
التنمية من حق أثيوبيا، التى يحرم (65) مليون من مواطنيها من الكهرباء، هذه حقيقة لا يصح المجادلة فيها، كما أن من حق مصر الحياة والحفاظ على حقوقها من مياه النيل.
لا يفهم على أى نحو ما صرح به مسئول أثيوبى أنه «إذا ما قبلت أديس أبابا بما تطالب به مصر من مد فترة الملء إلى (7) سنوات والحفاظ على مستوى خزان السد العالى عند ارتفاع (165) مترا فوق سطح الأرض فهناك احتمال ألا يملء خزان سد النهضة أبدا».
فى الكلام تعسف ينطوى من الناحيتين الفنية والسياسية على رغبة جامحة فى فرض الأمر الواقع، وهذا ما لا يمكن قبوله.
وقد كان من نتائج الضجر المصرى المعلن عودة المسئولين الأثيوبيين مرة أخرى إلى أحاديث التفاوض ونفى أن نكون قد وصلنا إلى طريق مسدود، غير أنه لا يوجد وقت لكى يستهلك مجددا فى وعود لا تجد أرضا تقف عليها.
لا توجد أى مؤشرات فى المعطيات الحالية لها صفة الجدية على أى تغير محتمل فى الموقف الأثيوبى، الذى يستهلك الوقت ويرفع سقف تشدده كلما اقترب الانتهاء من بناء سد النهضة.
الأزمة تتجاوز طابعها الفنى إلى أسئلة لا مفر من مواجهتها عند الطريق المسدود.
إلى أين؟.. وماذا قد يحدث فى مصر وللمصريين؟.. ما الخيارات المتاحة؟.. وهل يجدى فى الوقت بدل الضائع التدويل أم أن الخيار العسكرى بكل محظوراته لا مفر منه خشية مجاعات محتملة تذكر بما تعرضت له مصر من مشاهد مفزعة عرفت فى التاريخ بـ«الشدة المستنصرية» حيث ضربت المجاعات مصر وأهلها وسادت أحوال فوضى وتفشت جرائم أقرب إلى أفلام الرعب؟
إن أى إجابة على أسئلة المصير تستدعى ــ أولا ــ المكاشفة بالحقائق، وقد تأخرت كثيرا حتى كانت صدمة الاعتراف بأننا وصلنا إلى طريق مسدود وأن الأزمة المائية الوجودية قد تداهمنا بعد شهور قليلة.
وتستدعى ــ ثانيا ــ استنفار ما لدى البلد من كفاءات فنية وقانونية وسياسية للدفاع عن حقوقه المائية، عن وجوده نفسه، بغض النظر عن أى حسابات أو مناكفات سياسية، أو غير سياسية.
البدائل المتاحة محدودة بين التدويل والتدخل العسكرى.
فى التدويل يصعب عرض النزاع على التحكيم الدولى ومحكمة العدل الدولية حيث يتطلب نظر الأزمة موافقة طرفى النزاع، كما أن الذهاب إلى مجلس الأمن باعتبار أن ما تتعرض له مصر خرقا للقانون الدولى والمواثيق والمعاهدات الدولية قد يصطدم بإرادات دولية متضاربة، فضلا عن أننا لم نعرض قضيتنا العادلة بطريقة صحيحة على مدى سنوات الأزمة.
بذات القدر فإن طلب تدخل طرف رابع للتوسط وفق نص فى اتفاق إعلان المبادئ، والمقصود أمريكا، فإنها مسألة قد تساعد لكنها ليست حاسمة إذا لم يتحرك صاحب الحق مستخدما كل ما لديه من أوراق.
أرجو أن نتذكر أن مصر ليست دولة صغيرة حتى يتعرض شعبها لما يشبه الإبادة دون أن تبدى غضبا ويسمع صوتها قويا فى أرجاء العالم.
وقد كان البيان الأمريكى الذى صدر بشأن الأزمة مائعا، يدعو للتوصل لاتفاق يحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث دون أن يردفه بأى موقف واضح يعول عليه.
إذا أخفقت كل البدائل الدبلوماسية والقانونية والسياسية فإن التدخل العسكرى ربما يكون اضطراريا.
لا يوجد عاقل واحد يدعو إليه فعواقبه وخيمة، لكن إذا ما وصلت السكين إلى حد الرقبة فلا أحد بوسعه أن يوقف مثل هذا الخيار، لا أحد على الإطلاق حيث الجوع قابع على نواصى الشوارع والبيوت وأشباح الفوضى تعم المكان.
هذا خيار شبه انتحارى لكنه قد يكون اضطراريا إذا لم تتعقل إثيوبيا أن الأزمة إذا أفلتت من عقالها فإن البلدين الإفريقيين الكبيرين سوف يتضرران بوجودهما، وإذا لم تعقل السودان أهمية أن تتقدم خطوة إيجابية تجاه مصر بغض النظر عن أى حساسيات سياسية متوارثة أو مستجدة، وأن تفهم الأطراف العربية كلها أن سقوط مصر يعنى سقوطا كاملا ونهائيا للعالم العربى كله.
نقطة المركز فى الموقف كله هو ما يحدث هنا فى مصر التى يجب أن تعرف مواضع أقدامها وتصالح نفسها حتى يمكنها تصحيح صورتها فى قارتها وعالمها عند الطريق المسدود.
ذلك يستدعى ــ ثالثا ــ صنع أكبر تماسك وطنى ممكن، وهذه مسألة تستدعى مكاشفة أخرى، فصنع التوافقات الكبرى لها شروط ومتطلبات، أهمها فتح المجال العام للتنفس السياسى والإعلامى وتبادل الآراء بحرية دون خشية أو خوف وتقبل نقد الأداء العام لإدارة أزمة سد النهضة بقدر ما يفيد فى التصحيح والتصويب وتدارك الأخطاء التى جرت.
إذا أردنا أن نرتب الأولويات الضاغطة على الأعصاب العامة فى مصر فإن أزمة سد النهضة تحتل مكانة متقدمة، فهى تتعلق بالحياة أو الموت، تنازعها الأزمة الاقتصادية بأنينها الاجتماعى وتداعياتها على مستويات الثقة فى المستقبل، ثم تأتى بعدهما الأزمة السياسية بكل تجلياتها فى مستويات الأداء الإعلامى والبرلمانى والحزبى فى بيئة جف فيها بحر السياسة على نحو منذر.
رغم ذلك الترتيب فإن حلحلة الأزمة السياسية تمثل مفتاحا لصناعة التوافق الوطنى الضرورى لمواجهة أخطار الأزمتين الأخريين.
بقدر خطورة أزمة سد النهضة فإن مصر بحاجة إلى أن تكاشف نفسها بالحقائق، وأن تتنبه إلى مستويات التهديد الوجودى حتى تتجاوزه بسلام.