أمريكا والصين وزوبعة بيلوسى فى تايوان - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الخميس 29 سبتمبر 2022 12:09 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إلى أي مدى راض عن تعاقد الأهلي مع السويسري مارسيل كولر؟

أمريكا والصين وزوبعة بيلوسى فى تايوان

نشر فى : الثلاثاء 9 أغسطس 2022 - 8:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 9 أغسطس 2022 - 8:50 م

لقد أثارت زيارة نانسى بيلوسى، رئيسة مجلس النواب الأمريكى، إلى تايوان لمدة أقل من 24 ساعة بين يومى 2 و3 أغسطس 2022، زوبعة كبيرة قبيل وأثناء وبعد الزيارة، على الرغم من أنها تمت فى جولة آسيوية شملت سنغافورة وماليزيا وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان، بدعوى دعم وتأييد النظم الديمقراطية حليفة الولايات المتحدة الأمريكية فى مواجهة النظم الدكتاتورية. ولم يحظ باهتمام كبير وتوتر لأعلى مستوى إلا زيارتها لتايوان والتى اعتبرتها الصين تعديا على سيادتها وإخلالا كبيرا بما سبق الاتفاق عليه مع واشنطن حول مبدأ صين واحدة وأن تايوان جزء منها.
كانت زيارة بيلوسى لتايوان مقررة فى إبريل 2022، ولكنها أجلتها بدعوى أنها أصيبت بكورونا. وعندما بدأ الحديث عن الموعد الجديد للزيارة ضمن الجولة الآسيوية اعترضت الصين وطلبت من الإدارة الأمريكية عدم إتمام هذه الزيارة لما سيكون لها من آثار سلبية على العلاقات بين البلدين وعلى الأمن والاستقرار فى منطقة الشرق الأقصى. وقد تعمدت الإدارة الأمريكية تسريب ما يفيد بأن الرئيس بايدن ــ وهو على وفاق تام دائما مع بيلوسى ــ يرى عدم قيام بيلوسى بالزيارة فى هذا التوقيت لما سيترتب عليها من توتر شديد بين واشنطن وبكين. وتسرب أيضا أن وزارة الدفاع الأمريكية غير محبذة لإتمام الزيارة لنفس الأسباب.
ولكن تمسك بيلوسى بإتمام الزيارة وحصولها على تأييد قوى من الكونجرس سواء من الحزب الديمقراطى أو الجمهورى بالذات، وهى من المرات النادرة إن لم تكن الوحيدة التى يؤيد فيها الحزب الجمهورى بيلوسى، مما جعل إدارة بايدن تكتفى بما أبدته من ملاحظات دون تدخل لمنع أو تأجيل الزيارة مستندة إلى مبدأ الفصل بين السلطات وأن من حق رئيسة مجلس النواب أن تتخذ مثل هذا القرار. بل وأشير إلى أنه سبق أن زار رئيس مجلس النواب الأمريكى الجمهورى نيوت جنجريتش تايوان فى عام 1997 أثناء إدارة الحزب الديمقراطى برئاسة كلينتون ولم تعترض الصين وقتئذ على زيارته. ولكن الأسباب كانت مختلفة وهو أن الصين اعتبرت جنجريتش من المعارضة ولا يمثل الإدارة، أما بيلوسى فهى فى الترتيب الثالث بين قمة قيادات الإدارة الديمقراطية الحاكمة الآن بما يجعلها جزءا من إدارة بايدن من الناحية الواقعية. كما أن بيلوسى معروفة باتجاهاتها غير الودية من نظام الحكم فى الصين ومنذ عام 1991 وهى تهاجم سياسة الصين بخصوص حقوق الإنسان والحريات العامة، وسياستها مع التبت وأقلية الإيجور المسلمة وهو ما أدى إلى أن ترى الصين فى زيارتها لتايوان تحديا سافرا لها وليست مجرد زيارة عادية على الرغم من تأكيد بيلوسى أكثر من مرة أن الزيارة لا تتعارض مع استمرار السياسة الأمريكية باتباع مبدأ صين واحدة دون تغيير. وثمة جانب شخصى وراء تمسك بيلوسى بإتمام زيارتها لتايوان على الرغم مما سبقها وما أحاط بها من عدم ترحيب من جانب عدة دوائر أمريكية ترى أن ما تثيره الزيارة من مزيد من التوتر فى العلاقات الصينية الأمريكية وما تحمله من مخاطر وأعباء ستتعرض لها تايوان لا تتكافأ مع أية مزايا سياسية إعلامية وقتية تنتهى بانتهاء الزيارة، ولكن بيلوسى التى تبلغ من العمر 82 عاما ترى أن انتخابات تجديد نصف أعضاء الكونجرس الأمريكى فى نوفمبر 2022 من المرجح أن تسفر عن فقدان الحزب الديمقراطى الأغلبية فى مجلس النواب وبالتالى لن تكون بعدها رئيسة لمجلس النواب، ومن ثم تفكر فى اعتزال الحياة السياسية بالقيام بعمل يرضى غرورها ويستفز الصين ويحقق بعض الأغراض الأخرى لإدارة الحزب الديمقراطى فى صراعها مع روسيا والصين.
• • •
يلاحظ أن توقيت زيارة بيلوسى لتايوان يتوافق مع التدريبات البحرية الأمريكية مع قوات حلفائها فى المنطقة حيث سبق الزيارة تدريبات عسكرية بحرية أمريكية إندونيسية شارك فيها نحو 4 آلاف جندى وضابط من الجانبين وقوات بحرية وطيران بكل أنواعها. وتجرى فى نفس الصيف المناورات العسكرية البحرية الأمريكية واليابانية والكورية الجنوبية. كما أن طائرة بيلوسى العسكرية، وهو ما جرى العمل به فى رحلات القيادات الأمريكية ــ غير الرئيس ــ منذ أحداث 11 سبتمبر2001، باستخدام طائرات عسكرية، رافقتها 12 طائرة عسكرية أمريكية فى وصولها ومغادرتها تايوان تحسبا لأى احتمالات غير محسوبة قد تعرضها للخطر.
والحقيقة أن ما صدر عن الإدارة الأمريكية من عدم ترحيبها بالزيارة سواء من حيث التوقيت أو من حيث ما قد تنطوى عليه من مخاطر وتداعيات، ليس مقنعا تماما لأنه كان باستطاعة الإدارة منع الزيارة أو تأجيلها، ولكنها وجدت فيها فرصة لتحقيق عدة أغراض منها:

• اختبار ما تناولته عدة تحليلات من أن الصين قد تنتهز فرصة انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بالحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها الاقتصادية، وتقوم بغزو تايوان وإعلان ضمها إليها.
• إبعاد الأنظار ولو مرحليا عن التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وعجز واشنطن وحلفائها فى الناتو عن تقديم مساعدات عسكرية فعالة لأوكرانيا وعدم تحقيق العقوبات الاقتصادية على روسيا كل أهدافها بل إنها انقلبت بآثار سلبية للغاية على الاقتصاد الأمريكى واقتصادات الحلفاء، وهو ما أدى إلى التراجع جزئيا عن بعض هذه العقوبات فى الاتفاق الأخير بين روسيا وأوكرانيا برعاية الأمم المتحدة والخاص بالسماح بتصدير المواد الغذائية ــ خاصة القمح ــ من أوكرانيا مقابل رفع الحظر عن استيراد مثيلاتها من روسيا.
• إدراك واشنطون أنه على الرغم مما تمثله الزيارة من تحدٍّ واستفزاز للصين فإنها ستعمل بكل الوسائل على التهدئة سواء بتأكيدها أن الزيارة لن تغير من التزامها بمبدأ الصين الواحدة وأن تايوان جزء منها، كما حرص الرئيس بايدن على إجراء مكالمة هاتفية لنحو ساعتين مع نظيره الرئيس الصينى لتوضيح الموقف ومحاولة التخفيف من غضب الصين من الزيارة وما تسرب من المحادثة بين الرئيسين من قول الرئيس الصينى لبايدن إنك إذا لعبت بالنار فإنها تحرقك.
• إدراك واشنطن أن احتمالات غزو الصين لتايوان فى المرحلة الحالية مهما كان الحذر من احتمال حدوثها، هى احتمالات مستبعدة لما سيترتب عليها ــ إن حدثت ــ من تداعيات أمنية واقتصادية خطيرة فى الشرق الأقصى قد لا يحتملها الاقتصاد الصينى مجتمعة مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وقبلها تداعيات جائحة كورونا، ومن ثم تقدر أن غضب الصين سيكون محكوما ــ مهما تصاعد ــ بسقف معين دون الحرب.

• • •
أما بالنسبة للصين فقد وصفت الخارجية الصينية الزيارة بأنها «بلطجة أمريكية» وحذرت من أنهم يلعبون بالنار فى قضية تايوان. وقد أغلقت الصين المجال الجوى قرب مضيق تايوان الفاصل بين الجزيرة وأراضى الصين، وحلقت طائرات سوخوى 35 الحربية الصينية فى أجواء المنطقة على مقربة نحو 20 كيلومترا من شواطئ تايوان. وأعلنت الصين أنها تعتبر الزيارة تدخلا سافرا فى شئونها الداخلية، وأن الجيش الصينى مستعد لكل الاحتمالات بشكل كامل ولن يقف مكتوف الأيدى وسيتخذ إجراءات قوية وحاسمة لحماية سيادة ووحدة أراضى الصين. وقام الإعلام الصينى بتصعيد كبير واتهام واشنطون بأنها غير ملتزمة باتفاقات 1972 بشأن وجود صين واحدة تمثلها حكومة بكين وأن تايوان إقليم صينى بحكم ذاتى.
وقد قامت الصين بتدريبات عسكرية بحرية وجوية وبالصواريخ فى 6 مناطق محيطة بجزيرة تايوان استمرت فى الفترة من 4 ــ 7 أغسطس 2022، وبدت وكأنها محاكاة لعملية اجتياح لتايوان، مع الحرص بأن تبدأ التدريبات غير المسبوقة بعد مغادرة بيلوسى لتايوان تجنبا لأى احتمال لحدوث أى احتكاك ولو بالخطأ مع القوات الأمريكية التى اقتربت بعض قطعها البحرية من الجزيرة. وأرادت الصين إظهار قدرتها على محاصرة تايوان وتعطيل تجارتها. وقد أكدت تايوان أن التدريبات العسكرية الصينية تنتهك مياهها الإقليمية، وتهدد موانيها الرئيسية والمناطق السكنية، وأنها دعمت قواتها لترد وبحزم على أى عدوان تتعرض له.
ومن ناحية أخرى أوقفت الصين استيراد بعض المنتجات الغذائية من تايوان، كما أوقفت تصدير بعض السلع الصينية إليها. وتجدر الإشارة إلى أن قيمة التبادل التجارى بين تايوان والصين فى عام 2021 بلغت 328 مليار دولار أمريكى، وهو ما يدل على قوة وأهمية العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما والتى لا شك ستكون من بين العوامل المهدئة بعد فترة من غضب الصين، خاصة أن زيارة بيلوسى لتايوان جاءت بمثابة تحدٍّ واستفزاز للصين فى توقيت تستعد فيه لانعقاد مؤتمر الحزب الشيوعى الصينى، وترشح الرئيس الصينى للمرة الثالثة لرئاسة الصين فى أول سابقة بعد ماو تسى تونج، لذا فقد يستمر رد فعل الصين القوى لبعض الوقت. كما فرضت الصين عقوبات على بيلوسى وأسرتها، وأوقفت التعاون مع واشنطون فى محادثات التغيرات المناخية، ومكافحة الجريمة عبر الحدود، وفى مجال إعادة المهاجرين غير الشرعيين وبعض الموضوعات الأخرى البعيدة تماما عن العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وهى الأهم والقوى.
وقد اعتبرت روسيا أن زيارة بيلوسى لتايوان استفزاز كبير وأعربت عن تضامنها المطلق مع الصين واتهمت واشنطن بالعمل على زعزعة الاستقرار فى العالم بإحداث هذا التوتر بشأن تايوان. وأصدرت مجموعة السبع الصناعية الكبرى بيانا أيدت فيه حق النواب البرلمانيين فى دولهم القيام بزيارات دولية، ويرون أنه لا مبرر أن تستخدم الصين زيارة بيلوسى لتايوان ذريعة لإجراء مناورات عسكرية كبيرة. بينما أبدت اليابان قلقها ودعت إلى التزام الهدوء حتى تمر الأزمة.
• • •
يلاحظ أن واشنطن استخدمت الزيارة لتحقيق الأهداف المشار إليها من ناحية ولإثبات أن الصين لم تفرض عليها إلغاء أو تأجيل الزيارة لتبدو وكأنها حققت مكسبا سياسيا لأغراض شخصية وحزبية. أما الصين فقد انتهزت الفرصة وعبرت عن غضبها بقوة عسكرية وسياسية وإعلامية قوية لتظهر أنها قادرة على اجتياح تايوان ولكن فى الوقت المناسب الذى تختاره إذا دعت الضرورة لذلك.
ولكن تبقى توازنات القوى والمصالح الاقتصادية والتجارية، والظروف الدولية السائدة حاليا هى الحاكمة والكابحة لمواقف الطرفين الأمريكى والصينى على حد سواء.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

الاقتباس:
قيمة التبادل التجارى بين تايوان والصين فى عام 2021 بلغت 328 مليار دولار أمريكى، وهو ما يدل على قوة وأهمية العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما والتى لا شك ستكون من بين العوامل المهدئة بعد فترة من غضب الصين.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات