نظرة على التكنولوجيا والتعليم والامتحانات - محمد زهران - بوابة الشروق
الأربعاء 30 سبتمبر 2020 11:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

تنصح الأهلي بالتعاقد مع؟


نظرة على التكنولوجيا والتعليم والامتحانات

نشر فى : الأحد 9 أغسطس 2020 - 12:35 ص | آخر تحديث : الأحد 9 أغسطس 2020 - 12:35 ص

كنا قد تكلمنا في مقال سابق عن تكنولوجيا التعليم عن بعد والذي أصبح في بؤرة الضوء بعد جائحة الكورونا التي أجبرت الجميع على الجلوس في البيوت وأجبرت الطلبة والمدرسين على استكمال العملية التعليمية عن بعد ولم يكونوا مستعدين لها. الآن وبعد عدة أشهر من التعليم عن بعد في العالم كله بدأ القائمون على العملية التعليمية في النظر إلى تكنولوجيا التعليم عامة بنظرة متفحصة وكيفية الاستفادة منها حتى بعد انتهاء الجائحة.

 

التعليم هو إعطاء مهارات ومعلومات للطالب تطور من طريقة تفكيره وتساعده على اكتساب معلومات أكثر بنفسه بعد التخرج، ويجب أن يتم تعليم الطالب بطريقة تأخذ قدرته هو على التحصيل في الاعتبار. هناك عدة أشياء يجب أن نناقشها في هذا التعريف. أولاً التعليم يتضمن مهارات وليس فقط معلومات وهذا ما يغفل عنه الكثيرون. بل نجد الكثير من العائلات في مصر تظن أنه كلما قلت المعلومات التي تعطى للطالب فقد قلت كفاءة العملية التعليمية وهذا خطأ بين. المهارات تظل مع الطالب ويستفيد منها مدة أطول بكثير من المعلومات التي تتغير ويمكن الحصول عليها بسهولة عند الحاجة. ثانياً التعريف يتضمن مهارة من أهم المهارات في هذا العصر وهي مهارة اكتساب المعلومات، أي أن التعليم يتضمن تدريب الطالب على كيفية تعليم نفسه فهو لن يظل في المدرسة أو الجامعة مدى الحياة. النقطة الأخيرة والمهمة جداً هي تعليم الطالب تبعاً لقدرته، إذا ليس الكل متساويين من حيث السرعة والقدرة على التحصيل.

إذا نظرنا إلى كل ذلك سنجد أن الطريقة العادية في التدريس لا تحقق هذا التعريف وهنا يأتي دور التكنولوجيا.

 

للتكنولوجيا دوران: دور للطالب ودور للمدرس.

 

دور التكنولوجيا للطالب يتلخص في وجود برمجيات تعطي الطالب المعلومات والمهارات عن طريق كبسولات صغيرة تعرض على شاشة الكمبيوتر. كل كبسولة هي كمية قليلة من المادة العلمية، ويشبه هذا قراءة صفحة من كتاب بدلاً من قراءة فصل كامل مرة واحده. يستطيع الطالب إعادة دراسة تلك الكبسولة كلما أراد. برمجيات التعليم تستخدم الوسائط المتعددة في إعطاء المعلومة فليس الموضوع مجرد كلمات يقرأها الطالب من على الشاشة، وقد تقدمت جداً تلك الوسائط المتعددة حتى أن تلك الكبسولات التعليمية قد يشترك في صنعها (مع المبرمجين وخبراء التعليم) مخرجون وخبراء خدع سينمائية وما شابه وبذلك نضمن أن يظل الطالب مشدوداً للدراسة بدلاً من قراءة كتب مدرسية تخطاها العصر منذ زمن (هذا الرأي قد لا يعجب الجيل القديم والذي منه كاتب هذه السطور الذي تربى على الكتاب الورقي المكدس بالمعلومات) كما أن جعل الطالب مشدوداً إلى المادة العلمية يجعله يهضمها ويفهمها بعمق أكثر. إذا أضفنا إلى ذلك أن كل الجيل الجديد متمرس على استخدام التكنولوجيا سنجد أن استخدامها في العملية التعليمية سيكون سهلاً جداً لهذا الجيل.

بين كل عدة كبسولات تعليمية ستعطي البرمجيات للطالب عدة تمارين وتساعده إذا تعثر في الحل. مع مرور الوقت ستتعلم تلك البرمجيات قدرة استيعاب الطالب (وهذه احدى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم) وستعطيه التمارين التي تناسب مستواه بل وستنصحه بعدد الكبسولات التي يتعلمها في اليوم ومتى يمكنه التقدم للكبسولة التالية، بل ويمكن للبرمجيات تقليل حجم المعلومات في الكبسولة التي تعرض للطالب أو دمج عدة كبسولات حسب مستوى الطالب.

هل يعني كل ذلك أنه لم تعد هناك حاجة للمدرس؟ بالطبع لا.

 

للمدرس وخبراء التعليم عدة أدوار فيما ذكرناه. المدرس هو من يضع المنهج والمادة العلمية والبرمجيات تقسمها لكبسولات. الكبسولة قد تعرض فيديو قصير أو أستاذ يشرح على سبورة وهذا دور من أدوار المدرس.

المدرس يجتمع مه الطلاب عندما ينتهون من عدة كبسولات مثلاً ويتناقش معهم فيها أي أن قاعة الدرس أصبحت للمناقشة وليس لإعطاء المادة العلمية وهذا ما يطلق عليه (flipped classrooms) أو "الفصل المقلوب". قد يحتاج بعض الطلاب التدخل البشري ويحدث ذلك عادة عندما يكون الطالب قوياً جداً أو ضعيفاً جداً، في الحالة الأولى لإعطائه مواد أكثر تقدماً مما في البرمجيات وفي الحالة الثانية لمعرفة المشكلات التي يواجها الطالب وقد تكون نفسية أو عائلية أو نفسية ويتم التعامل معها.

 

نأتي إلى نقطة مهمة وتهم أولياء الأمور أكثر من المادة العلمية والمهارات (للأسف) وهي تقييم الطلاب. ما الذي يهمنا بالنسبة لتقييم الطالب؟ الدرجة وترتيب الطالب بين أقرانه؟ أم أن يتعلم المادة العلمية؟ للأسف أغلب العائلات في مصر سيقولون (ولو بينهم وبين أنفسهم) أشياء من قبيل "إحنا بلد شهادات" أو "ياخد شهادته وبعدين يبقى يعمل اللي يعجبه" أو "هو أصلاً مش حيشتغل في الحاجات دي". لذلك أقترح ألا يكون هناك درجات أو ترتيب بين الطلاب منذ الحضانة وحتى قبل الثانوية العامة وندع البرمجيات تحدد إذا كان الطالب قد تعلم المادة العلمية والمهارات المطلوبة وبهذا يمكنه التقدم للسنة التي يليها أو أنه يحتاج مزيداً من الوقت. هذا السيناريو قد يكون خيالياً لكن إذا فكرنا فيه بجدية سنجد أنه يمنع الغش والدروس الخصوصية والمحسوبية.

 

ما ناقشناه في هذا المقال قد يحتاج عدة سنوات قبل أن يمكن تطبيقه كاملاً عندنا في مصر لكن نستطيع البدء من الآن. نستطيع إنشاء شركات لبرمجيات التعليم في مصر باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والوسائط المتعددة، نستطيع تقوية شبكات الاتصالات حتى تتحمل الضغط عليها، نستطيع تهيئة الرأي العام لهذا النظام الجديد، نستطيع تهيئة المدرسين والمدارس نفسها لهذا الأسلوب الجديد، نستطيع إيجاد حلول للعائلات الفقيرة التي لا تستطيع تحمل شراء جهاز كمبيوتر أو باقة إنترنت.

 

إذا كان هناك من فائدة في موضوع الجائحة هذا فهو دفع القائمين على العلمية التعليمية إلى التفكر والتحرك لاستخدام التكنولوجيا في التعليم بدرجة أكبر وأحسن ... لننتظر ونرى النتائج.

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات