إنها حقا أيد أمينة - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 10:44 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

إنها حقا أيد أمينة

نشر فى : الإثنين 9 أغسطس 2010 - 11:12 ص | آخر تحديث : الإثنين 9 أغسطس 2010 - 11:12 ص
وزير الرى أهل مصر إلى عدم الانشغال بموضوع مياه النيل، فإنه استخدم حجة قوية يتعذر ردها ــ فى العلن على الأقل ــ هى أن الرئيس مبارك يباشر الموضوع بنفسه. وهو ما دعاه إلى طمأنة الجميع إلى أن الأمور «زى الفل وتمام» ــ (جريدة الدستور 6/8). والرجل بهذا الكلام أراد أن يهدئ من روعنا، ويقنعنا بأن ملف حوض النيل فى أيد أمينة. وتصور بذلك أنه قطع الطريق على ألسنة المشككين والنمامين الذين أرادوا أن يشيعوا بيننا القلق على مستقبل مصر بسبب اللغط الذى ثار مؤخرا حول نصيبها من المياه، الذى تدعو بعض دول حوض النيل إلى مراجعته. وبطريق غير مباشر فإنه أعطانا انطباعا بأن الضجة التى أثارتها تلك الدول والارتباك الذى حدث نتيجة اتجاهها إلى توقيع اتفاقية فيما بينها غابت عنها مصر والسودان، ذلك كله وقع لأن الرئيس لم يكن قد باشر الموضوع بنفسه. لكن الأمر اختلف الآن بحيث أصبحت الأمور «زى الفل» على حد تعبيره.

إن الوزير أراد أن يرفع عنا عبء التفكير فى مستقبل موضوع المياه، وأعفانا من بذل أى جهد لتحمل المسئولية إزاءه، سواء عن طريق ترشيد الاستهلاك أو الاعتماد على زراعات بديلة تحتاج إلى مياه أقل، وكان كلامه صريحا وواضحا فى أنه طالما أن الأمر بيد الرئيس فإن المجتمع لا ينبغى له أن ينعى هما، أو ينشغل بالموضوع، وعلى الناس أن ينصرفوا إلى غيره من الشئون التى تركز عليها وسائل الإعلام المصرية. لا أعرف ما الذى كان يقصده وزيرالرى من الأمور التى تستحق أن ينشغل بها المصريون. لكن أول ما يخطر على بالى فى هذا الصدد موضوع لاعب الكرة السكندرى «جدُّو»، الذى يتنازع عليه فريقا الأهلى والزمالك، حتى أصبحت فصول ذلك الصراع المحتدم خبرا يوميا يحتل مكانا تجاوز بكثير موضوع المياه أو الحرب فى العراق أو الهزائم الأمريكية فى أفغانستان. ليس جدو وحده فى حقيقة الأمر لأن أخبار الرياضة صارت ضمن أهم أحداث الساعة، ولولا أن مانشيتات الصحف القومية محجوزة لحساب الرئيس. لاحتلت أخبار جدو مكانها بجدارة، خصوصا أن أخبار الرئيس تخلو من الإثارة وفيها من احترام المنصب أكثر مما فيها الإضافة الصحفية واحترام القارئ. علما بأن مسلسل جدو فيه جديد كل يوم.

وكذلك أخبار اللاعبين الآخرين «متعب» وشيكابالا والحضرى، ولا تسأل عن مسلسل التراشق بين أحمد شوبير والمحامى مرتضى منصور. حتى إن صحفنا اهتمت بصدى تعادل فريق الزمالك مع حرس الحدود، وانفعال حسام حسن مدرب الزمالك، حيث اختلفت الأخبار حول ما إذا كان الرجل بكى جراء ذلك ومزق قميصه، أم أنه بكى فقط ولم يمزق شيئا من ثيابه!
قائمة الشواغل الأخرى كثيرة. فالبلد يزدحم بالأخبار التى تتعلق بياميش رمضان وشوادر اللحمة، والمفاضلة بين الإثيوبية والبرازيلية وسمعة اللحوم الهندية.

ذلك إلى جانب نحو 30 مسلسلا تم إعدادها للعرض فى رمضان لإشباع الاحتياجات «الروحية» للصائمين. ثم إن هناك مسلسلات أخرى لا تقل إثارة، أحدها يتعلق بالاشتباك العجيب بين المحامين والقضاة، وبعقد «مدينتى» المنظور أمام القضاء. واختلاط مياه الشرب بالمجارى فى محافظات الدلتا، وحملة تشويه الإخوان فى الصحف القومية والمستقلة بمناسبة موسم الانتخابات، وتسابق الأحزاب على عقد صفقات مع الحكومة والأمن للفوز بما يتيسر من مقاعد فى انتخابات مجلس الشورى القادم.

لا أستبعد أن يكون الدكتور محمد علام وزير الرى قد خطر له أن يؤدى انشغال الرأى العام فى مصر بموضوع بسيط مثل مستقبل مياه النيل إلى انصراف الناس عن هذه العناوين التى فرضت نفسها على الصحف اليومية. ولذلك فإن الرجل كان صادقا ومخلصا حين دعاهم إلى ترك أمر المياه للرئيس والاهتمام بالعناوين التى سبقت الإشارة إليها. وهو من هذه الزاوية يستحق منا أن نعبر له عن مشاعر الشكر والامتنان، وخطر لى فى هذا السياق أن يكون الرجل قد انطلق فى نصيحته تلك ليس فقط من أن مباشرة الرئيس للملف فيها الكفاية، ولكن أيضا من اعتباره أن موضوع المياه فى الوقت الراهن يمكن اعتباره شأنا خارجيا، فى حين أن استراتيجية الإعلام المصرى مبنية على إشغال الناس بما هو داخلى وتجهيلهم بما يحدث فى الخارج، ربما تطبيقا لشعار «مصر أولا».

سؤال وحيد أرقنى حين قلَّبت الأمر ووجدت وجاهة فى الدعوة التى أطلقها وزير الرى، خلاصته كالتالى: كيف لنا أن نطمئن على مستقبل ملف المياه فى البلد لأنه صار بين يدى الرئيس، فى حين أننا تركنا له البلد كله طوال ثلاثين عاما وأصبح حاله كما تعرف؟
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.