نتواصل بالرموز والرسوم - جميل مطر - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 6:58 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

نتواصل بالرموز والرسوم

نشر فى : الثلاثاء 9 يوليه 2019 - 11:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 9 يوليه 2019 - 11:35 م

«سمعتهم يتخاطبون. وقرأت بعض ما يكتبون. ما زلت أرفض أنهم ــ سواء كانوا كثيرين كما يزعم البعض أو قليلين كما أتمنى ــ لا يمثلون علامة من علامات مستقبل. هم لا يجيدون العربية، لغة ديانة أكثرية أمتهم واللغة الرسمية لدول ينتمون إليها. وحين أقول إنهم لا يجيدون العربية فأنا فى الواقع أحاول تجميلهم، فالعبارة الأدق فى وصف حالتهم هى إنهم لا يتكلمون العربية. أكتب هنا عن أشخاص حلوا محل شخصيات كنا نتباهى بها أمام أقراننا العرب، حين كان للعرب وطنا قبل أن ينحدر فيستحق عنوانا مختلفا أقل فى القيمة والمكانة. صار الوطن العربى فى الخرائط منطقة، وكذلك فى كتيبات التربية الوطنية والتاريخ الحديث وخطب القادة والزعماء وعناوين الصحف والدوريات ونشرات الأخبار. أفهم ما حدث للوطن الكبير، وأفهم أيضا ما حدث للوطن الصغير، ولكن ما استعصى على الفهم عامة وفهمى بخاصة كان تدهور النطق بالعربية عند نسبة كبيرة من العاملين فى ساحات القانون ودور المشافى وقيادات الأمن والسياسة وأعضاء المجالس النيابية وفى المدارس والجامعات. عرفنا أن العرب، والمصريين بخاصة، وقعوا لمدد طويلة تحت حكم أجانب لم يهتموا باللغة العربية إلا فيما يخص أغراض الإدارة، ومع ذلك صمدت اللغة العربية. الغريب أن اللغة بدأت انحسارها المتسارع على الرغم من رحيل الحكام الأجانب وتولى قيادات عربية نواصى الحكم. تكالبت فيما يبدو على اللغة ضغوط فرضت بعضها تطورات حالة العولمة وفرضت البعض الآخر ظروف تتعلق بانحدار النهضة فى كل أنحاء المنطقة العربية. المؤكد أن حكومات عديدة فى شتى أنحاء العالم العربى اهتمت بتحسين أشياء والمحافظة على أشياء ولكن يجب الاعتراف أن غالبيتها لم تعط الاهتمام الكافى للغة العربية بدليل أن أغلب أولياء الأمور فى دول تحكمها بالوراثة عائلات وقبائل لا يجيدون اللغة العربية، الأمر الذى يشير إلى أن الأجداد والآباء لم يهتموا بتلقين أبنائهم هذه اللغة.
أطلت فاعذرانى ولكنى أتطلع لشهادتيكما فى القضية التى اجتمعنا للتداول فيها. كلاكما من جيل مختلف عن الآخر وعنى، وكلاكما تعملان فى حقول تسمح لكما بالاختلاط بقواعد من الشباب واسعة ومؤثرة. بمعنى آخر أنتما أقرب للمستقبل منى وأقدر على وضع تصور لحال اللغة العربية فى العقود القليلة القادمة. الكلمة الآن لكِ يا حسناء.

***
أشكرك يا سيدى على هذا العرض الموجز لمشكلة حقا خطيرة. كانت مفاجأة حين سمعنا محامين مشهودا لهم بالوطنية والرغبة فى التغيير، سمعناهم يترافعون بعربية هزيلة ومفككة وباعثة لإحباطنا ومثبطة لهمم القضاة والمستشارين الذين انتصبوا فى محاكمهم فى انتظار دفاعات مقنعة بلغة مؤثرة. كنا قد فهمنا منذ كنا طلبة فى الجامعة أن طالب الطب سوف يتخرج وقد تضعضعت لغته العربية بعد سنوات عديدة قضاها يدرس الطب باللغة الإنجليزية، وأن طالب الهندسة قد يكون أحسن حالا ولا عذر لبقية الطلبة الذين يدرسون الإنسانيات. أتصور أن أسبابا كثيرة تفسر حال انحدار اللغة العربية. ولكن قبل أن أناقش الأسباب أحب أن أعرب عن اعتقادى أن الانحدار لم يكن لحساب انتعاش لغة أو لغات أجنبية. فى رأيى أنه بينما كان انحدار اللغة العربية عاما وشاملا غطى جميع الطبقات كان انتعاش اللغات الأجنبية وبخاصة اللغة الإنجليزية من نصيب فئة ضئيلة من طبقة متميزة فى المجتمع المصرى.
أحب أيضا أن أشير إلى الفضل الكبير لقواعد وسلوكيات مرحلة العولمة على انحدار اللغة العربية فى مصر. ولدت فى مرحلة كانت تشهد بدء انحسار العولمة ونشأت وسط موجة عارمة من ثقافة الاستهلاك والتلقين غربية ــ وبالأصح، أمريكية ــ المحتوى واللغة والتوجه. لا أظن أن طبقة فى المجتمع المصرى لم تمسها هذه الموجة بدليل أن لا أحد فى الدولة أو المجتمع المدنى اهتم بواجب دعم اللغة الأم وإنقاذها من طوفان المفاهيم والكلمات المستعارة من الخارج. لا يعفى أحدا من المسئولية حقيقة أن مصر لم تكن الضحية الوحيدة للعولمة ولكنى أعرف أن دولا أخرى ومنها الهند تنبهت فيها قوى اجتماعية وسياسية للخطر الذى يواجه «الهندية» كلغة وتراث وعقائد، وبالفعل وصلت إلى الحكم بأغلبية ساحقة وهدفها محدد وواضح.. عزيزى سامح فلنسمع رأيك.
***

صديقتى، وليسمح لى أستاذنا، ربما بالغت فى حديثك عن قيمة الدور الذى لعبته العولمة متسببة فى انحدار اللغة العربية وتدهور مكانتها. لن أقلل من هذا الدور ولكنى سوف أنبه إلى دور آخر لا يقل أهمية، وهو دور الطفرة الهائلة فى التقدم التكنولوجى حتى وإن لم يصل إلينا منه إلا طلائعه، وفى أحيان القشور فقط. لن أطيل فى التقديم وأتوجه مباشرة إلى صلب قضيتى. أعتقد أن دور السوشيال ميديا، وبخاصة الفيسبوك والتغريد، أهم وأبقى إلى يومنا من أى دور آخر. أقصد بطبيعة الحال الاستخدام المفرط للإنسان المصرى، طفلا كان أم شيخا، لكلمات ومفاهيم لغة هجين أقرب إلى الإنجليزية ومستحيل تعريبها فى كلمات أو عبارات سهلة ومفهومة.
ولكن ليس هذا وحده ما أرمى إليه. أدعوكما للتأمل قليلا فى توجه القائمين على إدارة السوشيال ميديا نحو نمط للتراسل والمخاطبة يميل بشدة للإيجاز المفرط، ومعظم الإيجاز يأتى على حساب اللغة. ثم إن هذا النمط يتطور بدرجة، أقول مخيفة، نحو استخدام الرموز والرسوم محل أكبر عدد ممكن من أفكار ومضامين الرسالة أو الخطاب. الآن يضعون للمستخدم مجموعة هائلة من وجوه، وجه يبتسم رضاء واستمتاعا، ووجه غاضب محتج أو معترض، ووجه متشكك وآخر متربص وخامس متعاطف وسادس مشمئز، وجوه كل منها يلخص فى ذاته سطورا وفقرات وخطابات كان يمكن للمستخدم أن يكتبها ليعرض فيها رأيه. هو الآن يعبر عن موقفه من خلال وجه رسمه شخص بعيد جدا. ما فعله هذا الشخص لا يخرج فى حقيقة الأمر عن أنه أضاف وسيلة مبتكرة لتقييد حرية المستخدم فى التعبير عن رأيه. أعترف بأن هذه الوسيلة تستحق اعتبارها قمة فى الإبداع. أقصد ما حققته فى خدمة أهداف نظام عالمى قادم على الطريق يرفض الاعتراف بالقيم الليبرالية.
عزيزتى حسناء: لقد أصبحت السوشيال ميديا ــ برموزها وطبيعتها الإيجازية فى عرض الرأى والموقف ــ المصدر الرئيس للأخبار والرأى فى دنيا الإعلام المعاصر. هذه السوشيال ميديا توفر نظريا للبشرية هامشا لحرية التعبير يبدو لك ولى واسعا، بينما كثيرا ما ينتابنى شعور من ألبسوه قميصا من حديد، يجبرنى أن أقول رأيى فى أمهات القضايا فى كلمة أو رمز أو رسم، هم يرسمونه لى. يحرمنى فى الوقت نفسه من متعة التفكير فى خلعه. يعلم مروج السوشيال ميديا وأنا أعلم أن البدائل المتاحة صعبة وتكلفتها باهظة. السوشيال ميديا كانت شريكا مسئولا عن انحدار اللغة العربية، وهى الآن شريك مسئول عن حشر الإنسان فى نمط ممارسة مقيدة لحرياته، وأخشى أنها بوصفها درعا من دروع التكنولوجيا الحديثة مثلها مثل إبداعات الذكاء الاصطناعى ستكون شريكا كاملا ومتكاملا فى نظام دولى جديد على وشك الإطلاق».
***
أحسنتما. اذهبا الآن وابحثا مع الحالمين من أبناء جيلكما، ابحثا عن سبيل لاسترجاع مكانة للغتنا العربية كانت محل توقير واعتبار. تذكروا دائما أنه إذا فقدتم اللغة انفرطت هويتكم.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا .