تركيا بين الإسلاميين والقوميين - علاء الحديدي - بوابة الشروق
الأحد 25 أغسطس 2019 4:12 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





تركيا بين الإسلاميين والقوميين

نشر فى : الإثنين 9 يوليه 2018 - 10:45 م | آخر تحديث : الإثنين 9 يوليه 2018 - 10:45 م

لعل من أبرز نتائج الانتخابات الرئاسية والنيابية الأخيرة فى تركيا بجانب فوز رجب طيب أردوغان وحزبه، كان تنامى وتصاعد نفوذ «الحزب القومى التركى» بزعامة دولت بهتشلى، والذى أشرت إليه فى ختام مقالى السابق بعنوان «تركيا ومحاولة فهم ما حدث». فماذا يعنى صعود «الحزب القومى التركى» وتأثير تحالفه مع «حزب العدالة والتنمية» بزعامة أردوغان على توجهات وسياسات تركيا الداخلية والخارجية خلال الفترة القادمة؟
بداية، فقد اعتمد أردوغان فى مستهل عهده عندما حقق حزبه فوزه الأول فى الانتخابات التشريعية بنهاية عام ٢٠٠٢ على ثلاثة محاور رئيسية. المحور الأول كان الإصلاح الاقتصادى مع تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وتوزيع ثمار هذا النمو على أكبر قطاع ممكن من المواطنين. المحور الثانى كان تعديل القوانين وبما يتلاءم مع الهوية الثقافية والإسلامية لقاعدة عريضة من المواطنين الذين تضرروا من سياسات النخبة العلمانية الأتاتوركية، وكما شرحته فى مقالى السابق. وأخيرا، أو المحور الثالث، كان الانفتاح على الأقلية الكردية التى تشكل نحو ١٧ ٪ من السكان بالعمل على الاستجابة لبعض مطالبهم وصولا لتحقيق مصالحة تاريخية تنهى الصراع الدائر فى جنوب شرق البلاد منذ بداية الثمانينيات فى القرن الماضى وحتى الآن.
هذا المحور الثالث، التصالح مع الأكراد، كان يهدف بجانب حل مشكلة الأرهاب التى تعانى منها البلاد جراء الأعمال التى كان يقوم بها حزب العمال الكردستانى ذو الاتجاهات اليسارية الماركسية، إلى جذب أصوات الأكراد المحافظين المتدينين الذين لم ينسجموا مع مواقف حزب العمال الثورية، ولكنهم فى ذات الوقت لم يجدوا حزبا تركيا يقبل بمطالبهم المعتدلة. لذلك رحب هذا القطاع من الأكراد بدعوة حزب العدالة والتنمية لهم وانضموا إليه، وهو ما عزز من قاعدة أردوغان الشعبية داخل الدوائر الانتخابية الكردية. وقد وجد هؤلاء الأكراد فى أيديولوجية حزب العدالة والتنمية تعبيرا عن هويتهم الاجتماعية والإسلامية دون التضحية بانتماءاتهم الكردية.
إلا أن سياسة الاحتواء هذه التى اتبعها أردوغان ــ وشريكه حينئذ عبدالله جول ــ فى العمل على استمالة قطاع يعتد به من الأكراد، لم تلقَ ترحابا من الاتجاهات القومية التركية والمعادية لأى نزعة لدى الأقلية الكردية للتعبير عن هويتها المختلفة. وكان على رأس هذه القوى وأشدها معارضة لسياسات أردوغان الكردية هذه «الحزب القومى التركى»، والذى تبنى الدعوة لإعلاء القومية التركية داخليا وخارجيا. داخليا من خلال رفض الاعتراف بحقوق أى أقلية فى البلاد، أكرادا أو غير أكراد. وخارجيا، من خلال الدعوة لإحياء «القومية التورانية» بين شعوب الاتحاد السوفيتى السابق الناطقة باللغة التركية، كأذربيجان وتركمنستان وقيرغستان وغيرهم. هذا الحزب إذا لم يكن يبدو كحليف محتمل لأردوغان الذى لم يكن بحاجة إلى تغيير نهجه أو استبدال حلفاء الأمس بحلفاء جدد طالما كانت سياساته تؤتى بثمارها.
جاء التغيير بعد أن وصلت جهود حزب العدالة والتنمية فى تحقيق المصالحة مع الأكراد إلى أقصى ما يستطيع أردوغان وحزبه تقديمه من تنازلات، وهو ما لم يرقَ إلى مستوى الطموحات الكردية. الأمر الذى أدى إلى انتهاء الهدنة والمفاوضات التى كانت قائمة بين الحكومة وحزب العمال الكردستانى وعودة العمليات المسلحة بينهما. هذا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تواكب معه اتساع هوة الخلاف بين أردوغان وأهم حلفائه فى التيار الإسلامى، فتح الله جولن وأتباعه من حركة «الخدمة». وكان جولن وأنصاره يشكلون قوة لا يستهان بها داخل المجتمع التركى وداعما رئيسيا لحزبه. وقد أدى تضافر هذين العاملين إلى تراجع فى قاعدة أردوغان الانتخابية وخاصة فى المناطق الكردية، الأمر الذى أفقد أردوغان أغلبيته البرلمانية فى انتخابات يونيو ٢٠١٥، وهو ما قرر معه أردوغان تغيير المحور الثالث فى سياساته باستبدال نهجه السابق بالانفتاح على الأكراد إلى العمل على استمالة التيار القومى والدخول فى تحالف رسمى معه. وهو ما مكنه من الفوز بعد ذلك بستة أشهر فى انتخابات نوفمبر من نفس العام. وهو نفس المنهج الذى كرره فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة واستطاع به تحقيق أغلبية برلمانية بمقاعد الحزبين معا (٢٩٥ لحزب العدالة والتنمية و٤٩ للحزب القومى التركى بمجموع ٣٤٤ من ٦٠٠).
يطرح ما سبق التساؤل حول مدى تأثير هذا التحالف الجديد على سياسات تركيا الداخلية والخارجية فى الفترة القصيرة القادمة على الأقل. النتيجة الأولى ستكون زيادة حدة الانقسام والاستقطاب داخل المجتمع التركى بين الأكراد وبين المنادين بـ«تتريك» المجتمع والدولة التركية، وبعد أن تم إغلاق ملف المصالحة مع الأكراد بشكل نهائى، وبما ينذر بمزيد من التوتر وعدم الاستقرار وتصاعد فى أعمال العنف والإرهاب ومزيد من سفك الدماء، سواء فى داخل أو خارج تركيا.
فى الداخل حيث المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية العالية وبخاصة فى جنوب شرق البلاد وحيث ينشط حزب العمال الكردى، وفى الخارج حيث المناطق الكردية على الحدود فى الدول المجاورة. وما عملية عفرين فى شمال شرق سوريا، أو العملية العسكرية التركية الأخيرة فى جبال قنديل بإقليم شمال العراق الكردى، سوى مثالين على ذلك. هذا التدخل فى شئون الدول المجاورة وخاصة سوريا والعراق، سيصطدم مع مبدأ الحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهما مبدآن تدافع عنهما مصر بكل قوة وتحرص على التزام جميع الدول بهما، الأمر الذى على الأرجح سيعمق من هوة الخلاف بين الدولتين (مصر وتركيا).
أما النتيجة الثانية فستكون فى ملف العلاقات بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبى. فقد عمل أردوغان فى بداية عهده على تدعيم علاقته مع الاتحاد الأوروبى من إجل دعم إصلاحاته الداخلية وخاصة الاقتصادية، وفى ذات الوقت تدعيم مركزه الداخلى وخاصة إزاء القوى والمؤسسات العلمانية الأتاتوركية التى تناصبه العداء. وهو الأمر الذى فرض عليه الالتزام ببعض المعايير الأوروبية وخاصة فيما يتعلق بالحريات العامة وحقوق الإنسان. ولكن مع وضوح موقف فرنسا وألمانيا من رفض طلب تركيا الانضمام للاتحاد، ومع استنفاد أردوغان للغرض من تقاربه مع بروكسل بعد تحقيقه لأهدافه الداخلية، فقد توارى الاهتمام بالمعايير الأوروبية فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحرياته. كما زادت حدة انتقاداته للاتحاد وقيامه بتوجيه مختلف الاتهامات له بحياكة المؤامرات ضد بلاده، وهو ما يلقى قبولا لدى التيار القومى التركى، والمعارض أصلا للانضمام للاتحاد. ولذلك فإن توتر العلاقات بين تركيا ودول الاتحاد مرشح لمزيد من التصاعد، خاصة أن ذلك يكسب أردوغان مزيدا من الشعبية داخل قطاعات عديدة فى الشارع التركى التى ما زالت تذكر كيف تأمرت الدول الغربية عليه لتقسيم البلاد بمعاهدة سيفر فى عام ١٩٢٠.
ثالثا وأخيرا، فإن أنقرة ستكون أقرب لموسكو عن بروكسل أو واشنطن من أجل تحقيق أهدافها والتوصل إلى تفاهمات وخاصة ما يتعلق منها بالشأن الكردى الذى أصبح يتصدر اهتمامات التحالف الإسلامى القومى الحاكم الآن فى تركيا، مع العمل فى ذات الوقت على الحفاظ على استمرار عضويتها فى حلف الناتو. ولكن إلى إى مدى ستستطيع الموازنة بين متطلبات عضويتها فى الناتو، وفى ذات الوقت تحقيق بعض أهدافها المتعارضة معها كالتقارب مع روسيا وإيران، فإن ذلك ما ستجيب عنه الأيام القادمة.

التعليقات