أمام الأديان - رجائي عطية - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 يوليه 2021 4:20 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

أمام الأديان

نشر فى : الأربعاء 9 يونيو 2021 - 8:20 م | آخر تحديث : السبت 12 يونيو 2021 - 11:00 ص
من العسير على الكثيرين من المتدينين المؤمنين بالأنبياء ـ أن يذكروا أسبابًا لتفضيلهم الدين الذى يعتقدونه على سواه ، ناهيك بأن يكون أمام الأديان ، ومرد هذا فيما يرى الأستاذ العقاد إلى العجز عن تعليل اختيارهم عقلاً لمن اختاروه من الأنبياء ، فحضور العاطفة لا يكفى وحده لتعليل التفضيل ناهيك بالأمامة ، وإنما يحتاج أساسًا إلى القدرة العقلية على هذا التفضيل فى إطار العقل ومقتضياته.
بيد أن المسلم له فيما ـ يحتج الأستاذ العقاد ـ له عصمة فى عقيدته تحميه من هذا العجز الذى يعيب العقل ويعيب العقيدة معًا ، ففضلاً عن أنه دين التفكير ، فإن المسلم يؤمن بجميع الرسالات ، ويوقر جميع الرسل والأنبياء ، ولا ينكر إلاَّ ما نسخته الشرائع النبوية لاختلاف مقتضيات الزمـن ، أو ما ينكره العقل الذى ينكر ما أضافه المتدينون للأديان السابقة من خرافات أو من أوشاب العبادات التى اختلطت ببقايا الوثنية ..
ومع إيمان المسلم برسالات الأنبياء المرسلين ـ يتفتح أمامه التفكير والاحتكام إلى العقل باعتقاده أن الأنبياء والمرسلين سيتفاضلون ويحق له التمييز بين دعواتهم بما لها من حجة وما فيها من هداية .. وهو يقرأ فى كتابه المبين : « وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ » (الإسراء 55 ) ، ويقرأ : « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ » ( البقرة 253 ) .
* * *
والمسلم لا يسعه أن يهمل عقله أمام الأديان والرسالات كافة حين يوفق بين واجب الإيمان بها فى أصولها وقواعدها ، وواجب الإعراض عما اختلط بها من أوشاب الخرافة أو الضلالة .. ذلك لأن العقل هو مرجعه الأول فى التوفيق بين هذين الواجبين .
ويستعرض الأستاذ العقاد بعض ما ورد من روايات عن بعض الأنبياء فى أسفار العهد القديم ، فيورد ما قصَّه الإصحاح التاسع من سفر التكوين عن شرب نوح للخمر وتعريه داخل خبائه ورؤية حام وكنعان لعورة أبيهما وإخبار سام ويافث إلى آخر القصة ، وأورد ما قصَّه الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين عن اضطجاع لوط مع ابنتيه بعد أن سقتاه الخمر ، وأورد ما قصَّه الإصحاح الخامس والعشرون من ذات سفر التكوين عن يعقوب وأخيه عيسو وما قيل فيه عن بيع عيسو بكوريته لأخيه يعقوب ، وما رواه الإصحاح السابع والعشرون من أن إسحق شاخ وكَلَّت عيناه ودعا عيسو ابنه الأكبر ، وكلفه بالصيد فى البرية وأن يأتى إليه بما يصطاده ليأكل ، وكيف استمعت « رفقة » إلى هذا الحديث فأبلغته إلى يعقوب وظلت تأمره وتحرضه حتى أتت إليه بالثياب الفاخرة لأخيه الأكبر عيسو ، وبالأطعمة والخبز ، ليدخل على أبيه إسحق على أنه عيسو وينال منه الوعد والبركة بدلاً من أخيه الأكبر ، وأشار الأستاذ العقاد إلى ما ورد بالعهد القديم عن داود عليه السلام من قصص كثيرة ذكر منها قصته مع قائده « أوريا » وزوجته طبقًا لرواية الإصحاح الحادى عشر من كتاب صمويل الثانى ، وكيف أرسله للحرب وأخذ زوجته واضطجع معها ، وحبلت منه ، وكيف استدعى داود أوريا الحثى وأسكره ثم وجهه إلى الحرب الشديدة وأوصى من بعثهم معه أن يرجعوا ويتركوه وراءهم فَيُضْرب ويموت ، وكيف أن ما فعله داود قبح فى عين الرب .
وقد حرص الأستاذ العقاد أن يورد « نصوص » العهد القديم التى لخصتها لك كما هى ، ليكون الحديث حديثها لا حديثه ، وأشار إلى وجود أمثال هذه الروايات عن أنبياء مذكورين فى التوراة كقصة « هوشع » فى سفر هوشع ، بدعوى أن الرب قال له : « اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب .. إلى آخر القصة » ، وما ورد بالإصحاح التالى لهذا الإصحـاح ، مـن روايـة هوشع نفسـه الذى قال برواية التـوراة : « وقال الرب لى اذهب أيضًا أحب امرأة حبيبة صاحب وزانية كمحبة الرب لبنى إسرائيل وهم ملتفتون إلى آلهة أخرى » .... إلى آخر الرواية .
* * *
على أن الأستاذ العقاد إذ أورد هذه الروايات بنصها فى إصحاحات أسفار العهد القديم ، فإنه أبدى أنه أورد ما أورده دون أن يناقشه أو يتعرض لنفيه أو إثباته ، لأنه لم يكتب هذه الفصول ليخوض فى جدل دينى لا صلة له بما يتغيَّا بيانه من فريضة التفكير فى الإسلام .
وإنما أوردها ليستخلص منها منهج الإنسان أمام الأديان كما يتعلمه من الإسلام ، ومنهجه من الإسلام كما يتعلمه من غيره .
فالذين يقبلون هذه النبوات ويكذبون برسالة عيسى ومحمد عليهما السلام ، أو يكذبون برسالة محمد عليه الصلاة والسلام وحدها ـ يقبلون ما ورد بكتابهم عن أنبيائهم دون أن تقوم عندهم حجة النبوة بقداسة أو بعظمة مروية ، ولا بفضيلة الهداية فـى آدابهـا ومعانيها .
أما الإسلام ، فإنه إذ علَّم المسلم أن يقبل جميع الرسالات ولا يرفض منها شيئًا لغير سبب يفقهه ويقيم الحجة عليه ، فإن فضل الإسلام لديه ليس لمجرد أنه دينه وكفى ، وإنما لأنه يدعوه فى كل عقيدة دينية إلى ما هو خير عنده مما تدعو إليه الأديان عامة .
أما النبوة التى يدين بها المسلم ، فهى نبوة الهداية التى ترشد العقل بالبينة والموعظة الحسنة ، ولا تفحمه بالمعجزة المسكتة أو بالحماية من مجهول .
والإنسان فى عقيدة المسلم والإسلام ـ مخلوق مكلف ينجو بعمله لا بوساطة لا فضل له فيها ، ويحمل وزره ولا يحمل وزر غيره أو أوزارًا موروثة من ميراث الآباء الأولين .
وكل مفاضلة بين عقيدة وعقيدة عند المسلم ـ إنما مردّها إلى سبب ، وأن هـذا السبب قائم على فضيلة يفهمها العقل ويطمئن إليها الضمير .. وقد يختلف فيها الغيب والشهادة ، ولكنه اختلاف لا يصدم العقل فيما تقرر لديه ، وإنما يفوقه بما يتممه إذا انتهـى إلى غاية مداه .

الاجتهاد فى الدين

ولا مراء أن الاجتهاد فى الدين ، علامة قوية من علامات احترامه العقل والتفكير ، ووجوب استخدامهما فى فهم الدين ، وبيان عقائده وأحكامه التى أريد بها أن توافق كل زمان ومكان ، وأن تلبى احتياجات الإنسان فى زمانه ومكانه ليستقيم على أحكام يفهمها للدين .
فى مقدمة مصادر الشرع والأحكام فى الدين الإسلامى ، وبها استهل الأستاذ العقاد : الكتاب ، والسنة ، والإجماع .
وأبدى أن الإجماع يقوم على اجتهاد أولى الأمر وأهل الذكر بما اشتمل عليه من قياس واستحسان أو مصالح مرسلة , أى مصالح لم تتقيد فيما يقول بحكم خاص ينطبق عليها فى جميع الأحوال وجميع الأزمنة .
ولا مراء أن الترتيب الذى أورده للمصادر الشرعية هو الصحيح المتفق مع آراء الفقهاء وكتب أصول الفقه وإن كانت هناك مصادر أخرى للتشريع بعد هذه المصادر , ولكنه أدمج بعد ذلك مصادر التشريع ووسائل الاستنباط , فاعتبر أن وسيلة الإجماع فى الاجتهاد هى القياس والاستحسان والمصالح المرسلة , وهذا صحيح , ولكنه ليس الصحيح كله .. فالوسائل الثلاث التى ذكرها للاجتهاد لتحصيل الإجماع , هى بالفعل من وسائل الاجتهاد واستنباط الأحكام , معدودة أيضًا من مصادر التشريع , هذا إلى أن هذه الوسائل كما هى أدوات الاجتهاد لتحصيل الإجماع , فإنها أيضًا أدوات استنباط الأحكام من كل من الكتاب والسنة المصدرين الأول والثانى للتشريع .
والمتفق عليه بين جمهور الفقهاء , أن مصادر التشريع الإسلامى هى : القرآن , والسنة , والإجماع , وفتوى الصحابى , والقياس , والاستحسان , والمصالح المرسلة , والعرف فيما لا يخالف النص , والذرائع , والاستصحاب , ثم شرع فيما لا يخالف الإسلام .
ومن هذه المصادر , بعد الكتاب والسنة والإجماع , ما هو معدود فى ذات الوقت من مصادر الاجتهاد , للتعرف على الأحكام الشرعية فى الإسلام وهو ما سنستأنف بيانه فى المقال القادم .

Email:rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com
التعليقات