لعبة الضلال - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأربعاء 3 يونيو 2020 6:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

لعبة الضلال

نشر فى : الخميس 9 أبريل 2020 - 11:15 م | آخر تحديث : الخميس 9 أبريل 2020 - 11:15 م

هذا هو المقال الثاني الذي أكتبه في سلسلة المقالات التي تتناول الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة يناير، والمقال الجديد عن رواية "لعبة الضلال" للكاتب الكبير روبير الفارس التي صدرت في عام ٢٠١٦ عن دار روافد. وكما هو واضح فإن الرواية مضى على صدورها أربعة أعوام لكني وجدتها من العمق والغنى بحيث تعد واحدة من أهم أعمال روبير الفارس، وهي مع الدراسة الاجتماعية المتعمقة التي صدرت لروبير الفارس أيضا في عام ٢٠١٦ بعنوان "المسكوت عنه من الفولكلور السياسي للأقباط" عن دار روافد تمثلان الخط الجديد الذي ميز معالجة الملف القبطي بعد ٢٠١١. هذا الخط الجديد فيه من الصراحة والغضب والروح النقدية الشيء الكثير، ومن ذا الذي كان يتصور أن يتم تمحيص التراث السياسي القبطي لاستخراج نصوص تعبر عن مشاعر "الاضطهاد" لدى آباء الكنيسة الأرثوذوكسية الأقدمين بسبب ما اعتبروه ممارسات ظالمة فعلتها "الأمة العربية"؟ هذا بالضبط ما فعله روبير الفارس في دراسته عن الفلكلور السياسي للأقباط، إذ قام بنشر عدة نصوص تاريخية جسدت مشاعر الاضطهاد القبطية الدفينة بكل وضوح. وسنقرأ في هذه الدراسة أيضاً كيف تم تفسير الاضطهاد بواسطة آباء الكنيسة- وكدأب أكثر رجال الدين في مختلف الديانات - باعتباره غضبًا من الله نتيجة الآثام التي ارتكبها الأرثوذكس بحق أنفسهم (كتركهم استخدام اللغة القبطية والأسماء القبطية مثلا أو وقوعهم في الخطيئة). أما كيف تفاعل الأقباط مع مشاعر الاضطهاد هذه التي تجذرت فيهم فإنهم تفاعلوا معها بالانسحاب من المجال العام حتى جاءت ثورة يناير فكانت نقطة تحول مهمة. عموماً فإن الحديث عن التراث- كل التراث- حديث ذو شجون وهو يحتاج بحثاً مستقلاً متعمقاً ومتخصصاً، أما موضوع هذا المقال فإنه رواية "لعبة الضلال".
***
البطل الذي تنبع منه أحداث رواية "لعبة الضلال" شخص أبكم يُدعي غريب، لسنا متأكدين أصلاً من أن اسمه غريب فطالما هو لا يعرّف نفسه بنفسه فكل شخص إذن يستطيع أن يعرّفه على هواه. وكما أن اسمه غير معروف فإن دينه أيضاً لم يكن معروفا، لكن المقدس جمال الغنّام قرر أن ينسبه إلى المسيحية ليداري على فضيحة ابنته دميانة التي زنت مع خطيبها ثم مات فلم يجد أبوها مخرجًا من هذه الفضيحة إلا بتزويج ابنته من شخص لا ينطق أبداً. وستظل الوساوس تطارد المقدس غنّام لأنه في الحقيقة كان غير متأكد من أنه زوّج ابنته لمسيحي فعلاً، وهى وساوس لم يُقدَر لها أن تزول أبداً لأن المقدس حين أراد أن يقطع الشك باليقين ويقوم بتعميد غريب، ليثبت مسيحيته أو ليتأكد منها، فوجئ أن كاهن الكنيسة الذي أتم زواج غريب من دميانة قد فارق الحياة. لاحقاً سوف تضع دميانة ابنها غير الشرعي الذي نسبته بغير حق إلى غريب وستطلق عليه اسم صموئيل، وسوف يتصاعد الخط الدرامي للأحداث ليصل إلى ذروته عندما يظهر أقارب لغريب من عائلة القفاص ينتسبون للجماعات المدعوة إسلامية، وسيطالبون باسترداد صموئيل باعتباره من صُلبهم، لكن الدكتور صموئيل سيكون قد هاجر إلى الولايات المتحدة ومضى يتصارع مع أقباط المهجر ويتاجر بالملف القبطي ويحرض ضد مصر ليصنع لنفسه دور بطل من ورق. هكذا يصبح دين غريب وابنه صموئيل مجرد أداة، أداة في يد المقدس جمال الغنام لكتمان فضيحة ابنته ثم أداة في يد عائلة القفاص بمشروعها الإسلامي السياسي، أما غريب نفسه الذي مات قهراً على رحيل بابا الأرثوذوكس المحبوب: كيرلس السادس، فلسنا نعلم بالضبط هل كان مسلماً ثم دخل المسيحية وأخلص لها وشارك في بناء الكاتدرائية المرقسية في العباسية وأحب البابا كيرلس إلى حد الموت في ركابه، أم أن عائلة القفاص هي التي افترت عليه ونسبته إلى عصبها في إطار لعبة الأسلمة والتنصير التي تتم في الاتجاهين من المسيحية للإسلام ومن الإسلام للمسيحية. مسكين هذا الغريب الذي عاش حياته أبكم وتلاعب به الكل وظلمه الجميع، ولم ينعم بالسكينة حتى حين مات إذ نبش قبره آل القفاص وداسوا على عظامه وبصقوا عليها.
***
هذا الخيط الأساسي في رواية "لعبة الضلال" قام روبير الفارس بتضفيره مع العديد من الخيوط الفرعية الأخرى التي ألقى بها في بداية روايته ثم راح يجمعها ويلملمها خيطاً خيطًا كما يفعل الصياد بشبكته. ومن خلال هذه الضفيرة السميكة المُحكَمة سيفتح الكاتب كل الجراح في العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها بشكل لم يسبق تناوله في كل أعماله السابقة أكانت روائية أم مجموعات قصصية. وعلى سبيل المثال فإن قضية التمييز ضد الأقباط في التعيينات الحكومية لا سيما في عضوية هيئات التدريس بالكليات المختلفة تطرق لها روبير الفارس في رواية "مترو مارجرجس" الصادرة عام ٢٠١٨ ضمن روايات الهلال، لكن هذه القضية لم تكن إلا واحدة من حزمة قضايا كثيرة تناولها روبير الفارس في رواية "لعبة الضلال"، قضايا تبدأ من مستوى المزاح الثقيل مع الأقباط بجمل من نوع "أربعة ريشة أو كيفتيس"، وتنتهي بالعنف ضدهم على يد الجماعات الإسلامية كما في قتل حفيد المقدس جمال الغنام وحبيبته بواسطة مجهولَين/ معلومَين كانا يركبان دراجة بخارية. وفي مقاربته لإشكاليات هذه العلاقة يتضح لنا حجم الازدواجية الأخلاقية والنفاق على الجانبين المسلم والمسيحي، فنجد لصاً مسلماً يقتحم بيتاً لا يعرف أنه لمسيحيين فما أن يعرف حتى يحاول أن يتقيأ الدجاج الشهي الذي التهمه التهامًا في هذا البيت لأن خطيب المنطقة حرّم "أكل النصاري الكفرة"، ونجد أمين الخدمة في أبراشية بالصعيد ينتزع لنفسه عمولة معتَبَرة بينما هو يمرر رشوة من أحد الأساقفة لمسؤول كبير كي ييسر له الأمور، إنها لعبة ضلال من العيار الثقيل.
***
تستوعب الفترة التي تغطيها الرواية حكم الرؤساء الثلاثة عبد الناصر والسادات ومبارك وتمتد إلى ثلاثة أجيال متتالية ترسم معالم التغيير الذي طرأ على الواقع الاجتماعي والسياسي المصري. هكذا نجد هنري خطيب دميانة ينتحر بعد أن طعن الضابط الذي جاء ينفذ قرار تأميم مصنع والده للزجاج الفاخر، وأبانوب يستشهد في حرب أكتوبر وهو ينقذ زميله المجند عبد الصمد ورغم ذلك يغتال المتطرفون شقيقه كاراس لأن هؤلاء المتطرفين رأوا أنه بعد التخلص من "اليهود" جاء الدور على "النصاري"، والقس يسي يضطر للعمل كسائق تاكسي لأن البابا شنودة أخرجه من الكهنوت عقابًا له على عضويته في لجنة الأساقفة التي شكلها السادات لإدارة الكنيسة بعد عزل البابا. هكذا يتلخص موقف روبير الفارس من مقاربة رؤساء مصر الثلاثة للملف القبطي على النحو التالي: هو يري أن عبد الناصر لم يوظف شخصيته الكاريزمية لبناء الدولة المدنية الحديثة وأضر الأقباط (مع المسلمين) بإجراءات التأميم، ويرى أن السادات تحالف مع التيارات الدينية الإسلامية لضرب الحركة اليسارية فتفاقمت في عهده الفتنة الطائفية، ويرى أن مبارك أقام نظامه على أساس سياسة فرق تسد وإن لم يكن هو نفسه طائفيًا. وكقارئة وصلتني رسالة لم أستسغها كثيراً، رسالة تفيد وجود علاقة بين الرغبة في الانتقام من ظلم الحاكم الذي لم يحسن إدارة ملف الأقباط وبين إطفاء بعض الشخصيات القبطية في الرواية شهوتها الجنسية، فعندما مات عبد الناصر تمكن غريب الأبكم من معاشرة زوجته دميانة لأول مرة، ورغم أن غريب نفسه كان يحب عبد الناصر إلا أن تغلبه على عجزه جعله يترحم على عبد الناصر "زعيم الأمة" بينما دعت زوجته في سرها لعبد الناصر "وبركته"، وعندما اغتيل السادات بأربعين رصاصة تماثل الأربعين يوماً التي عزل فيها البابا شنودة احتفل الحانوتي شحاتة بمعاشرة زوجته سعدية ابتهاجاً بالحدث، وكأن الرصاص وحده لا يكفي.
***
في الأخير نجد أن رواية "لعبة الضلال" لم تتعرض لانعكاس ثورة يناير على الملف القبطي، ولا تعرضت لهذا الأثر إجمالًا أعمال روبير الفارس منذ عام ٢٠١١. ومع ذلك فإن هذه الجرأة الكبيرة في انتقاد الأوضاع داخل الكنيسة القبطية التي تجلت كأوضح ما يكون في رواية "صلاة القتلة" الصادرة عام ٢٠١٨ عن دار روافد، هذه الجرأة لم تكن ممكنة قبل ٢٠١١ تماماً، ولا كان الحديث عن تحريض بعض أقباط المهجر ضد مصر وصراعاتهم البينية في رواية "لعبة الضلال" ممكناً قبل تسع سنين. إنها رواية دسمة تُقرَأ مرتين وتخرُج منها أكثر من رواية، مزج فيها الكاتب خياله الأدبي بوقائع مثبتة ووثائق منشورة وأسماء حقيقية، ووظف انشغاله بالملف القبطي منذ أكثر من عشرين عاماً توظيفاً جيداً وأطل علينا بشخصه قرب نهاية الأحداث على نحو يذكرنا بإطلالات بعض كبار المخرجين الأجانب والعرب علينا في أفلامهم.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات