على رصيف الحياة.. - خولة مطر - بوابة الشروق
الإثنين 17 يناير 2022 6:50 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


على رصيف الحياة..

نشر فى : الإثنين 9 مارس 2015 - 8:35 ص | آخر تحديث : الإثنين 9 مارس 2015 - 8:35 ص

يجلس هو خلف النافذة الزجاجية يحملق فى المائدة المليئة بكل ما لذّ وطاب.. لا ينبت بكلمة ولا حركة فقط عيناه الواسعتان المليئتان بالدمع تطل من خلف البلور الفاصل بينه وبينهم.. هكذا هو حال كثيرين فى أوطاننا اليوم.. هكذا قالوا قبل أكثر من أربع سنوات ستكون الثورة القادمة هى ثورة جياع، والجوع لا يعنى خواء المعدة فقط بل يتنوع الجوع بتلاوين كثيرة..


جلس الكثيرون الذين دفع بهم إما إلى الأعلى بحكم العلاقات وكثير من «الفهلوة» أو ربما «البلطجة» وبعض النصب وبعض من الحظ حتى لا نظلمهم كلهم وبقى الآخرون يدفعون تدريجيا إلى الهامش.. أصبحت الأقلية تملك كل شىء على الأرض وما فوقها وفى البحر وما فيه من خيرات وما بين السماء والأرض أيضا.. كل شىء وكثيرون بالكاد يسددون ديونا تتراكم هنا وهناك لدفع مصاريف تعليم يزداد ارتفاعا.. وصحة شحة، وتخلصت الدولة من مسؤوليتها تجاه الأمرين بل وارتفعت أسعار الأراضى والعقارات فتحول أن تملك سقف أو بيت متواضع شىء من ضرب الخيال..

•••



جلست الأكثرية على رصيف الحياة العامة تتطلع من بعيد وتراقب مدن حديثة وبنايات شاهقة وقصورا يكسو أراضيها رخام مستورد من إيطاليا وحجر من حلب.. تنظر للأسواق المتخمة بما لذّ وطاب من آخر بقعة فى الأرض، كرز فى الشتاء من تشيلى وكيوى من نيوزيلاندا وتوت وعنب من هنا وهناك... لا موسم للفواكه فى هذه الاسواق بل سلة غذاء متكاملة طوال العام حتى لا يتعب أحدهم أو ربما يتذمر لقلة حظه لأنه لا يستطيع أن يحصل على المنجا فى الشتاء لصناعة تلك الحلوى الخاصة !!!!

لم يفكر أحدهم وثرواتهم تسبق كروشهم وبطونهم المتخمة أن كل هذا الكم من المعاناة والعوز وكثير من الظلم أيضا لا بد وأن ينتج عنه شىء من الانفجار... تحولت تلك الشريحة الصغيرة جدا إلى قبيلة جديدة تمتد وتتواصل بين بلد وآخر فجميعهم يؤمنون بنفس المبدأ، إن كان بالإمكان تسميته بمبدأ، ألا وهو أنا ومن بعدى الطوفان وأن المليون الأول لا يكفى فلا بد من ملايين أخرى وأن السماء هى سقفهم ولا سقف غيرها.. فتتوسع الثروات وتزداد وتتسع الفجوه بينهم وبين أقرب الأقربين منهم.. !!!

•••

تصوروا بعدها أن الصدقة بين الحين والآخر تكفى لسد عوز وحاجة وفقر الأغلبية من الأهل وجاء لهم رجال دين يعملون فى خياطة الحلول على قدر المطلوب فراحوا يتاجرون بالدين ويرددون عليهم أن زكاتهم كافية وأن حقيبة مدرسة فى أول الموسم الدراسى تعوض ذاك الطفل الصغير عن حقه فى التعليم الجيد وأن توفير الأدوية لعلاج أبيه المريض من شدة الكدح وقلة الحيلة!!! وأن وضع بضعة دراهم أو دنانير أو دولارات فى مغلف وإرسالها مع كل رمضان أو فى مواسم العمرة والحج كافية لأن الله يستمع لدعاء الفقراء عندما يطلبون مزيدا من الخير إلى النائمين فى حضن المال الغائبين عن حضن ودفء الانسان!!!


كم تحولت تلك المجتمعات الممزقة أصلا إلى جزر متناقضة ومتنافرة أحيانا.. جزر تفصلها بحار عميقة جدا.. كما هو حال ذاك الواقف خلف الجدار البلورى هو يراهم خلف موائدهم العامرة يرمون بقطع اللحمة للكلب الجالس تحت أقدامهم فوق سجاد إيرانى فاخر، هو يبقى هناك فى المساحة غير المرئية.. المساحة الفاصلة بين شريحتين كل منهما تبعد عن الأخرى مسافة وطن..

•••


ربما الآن هى اللحظة إما أن نحسن إغلاق الفجوة أو نهلك جميعا.. كانت هناك الكثير من المؤشرات التى لم يقرأها الكثيرون والذين لا يزالون نياما فى العسل والذين يتصورون أنهم أبعد من تلك الأراضى التى تسقى بدماء أبنائها فى كل دقيقة من أيامها ولياليها.. هم لا يزالون يعيشون عند خاصرة الوطن الأكبر متصورين أنهم فى قلبه ويوهمون أنفسهم أن الطوفان لا يزال بعيدا بعيدا.. ذاك الذى لو نظروا مرة تحت قدمهم لوجدوا ظل الشرارة الأولى التى ستشعل السهل يوما ما وتمحى ناطحات السحاب والقصور المطعمة بماء الذهب.

كاتبة من البحرين

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات