«أنا دانييل بليك».. النجّار الذى فشل فى إصلاح القوانين! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 1:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

«أنا دانييل بليك».. النجّار الذى فشل فى إصلاح القوانين!

نشر فى : الخميس 9 فبراير 2017 - 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 9 فبراير 2017 - 9:30 م
البساطة والعمق هما مفتاحا فيلم «أنا دانييل بليك» I Daniel blake للمخرج البريطانى الكبير «كين لوتش»، وقد فاز فيلمه المهم والمؤثر بالسعفة الذهبية فى مهرجان كان 2016. ليس من السهل أبدا تحقيق هذه المعادلة: أن تحكى ببساطة حكاية عن شخص عادى، ثم تنطلق بها إلى أسئلة صعبة ومؤلمة، وأن تقول فى نفس الوقت أشياء مهمة عن طبيعة النظام الرأسمالى، الذى لم يفلح فى معالجة آثاره السيئة، والذى يربط عنايته بالإنسان بمدى الاستفادة منه، ثم تأتى القوانين الغبية لكى تكمل المأساة، فيتحول الإنسان إلى مجرد رقم.

لكن كين لوتش، الذى تعامل بمنتهى الحساسية مع
«أنا دانييل بليك».. النجّار الذى فشل فى إصلاح القوانين!
البساطة والعمق هما مفتاحا فيلم «أنا دانييل بليك» I Daniel blake للمخرج البريطانى الكبير «كين لوتش»، وقد فاز فيلمه المهم والمؤثر بالسعفة الذهبية فى مهرجان كان 2016. ليس من السهل أبدا تحقيق هذه المعادلة: أن تحكى ببساطة حكاية عن شخص عادى، ثم تنطلق بها إلى أسئلة صعبة ومؤلمة، وأن تقول فى نفس الوقت أشياء مهمة عن طبيعة النظام الرأسمالى، الذى لم يفلح فى معالجة آثاره السيئة، والذى يربط عنايته بالإنسان بمدى الاستفادة منه، ثم تأتى القوانين الغبية لكى تكمل المأساة، فيتحول الإنسان إلى مجرد رقم.

لكن كين لوتش، الذى تعامل بمنتهى الحساسية مع السيناريو الذى كتبه بول لافيرتى، انتبه أيضا إلى أن الحكاية توازن بين المأساة والسخرية، وبين الحالة الخاصة والموقف الأيديولوجى العام، وبين الإخلاص للدراما فى منطقها، والإخلاص لفكرة مباشرة وجهيرة الصوت فى إدانة النظام الرأسمالى والبيروقراطى معا، وكلها توازنات واضحة على الورق، ولكنها تحتاج إلى مخرج كبير، يستطيع أن ينقلها ببراعة إلى الشاشة، وهو ما حققه لوتش إلى حد كبير.

حالة دانييل بليك (ديف جونز فى دور لا ينسى) تنطبق على الكثيرين، وتضع الفرد الممتلئ بالحيوية والمشاعر، الفرد الذى لا توجد منه نسخة أخرى، فى مواجهة قوانين صماء، دانييل نجار ماهر، لديه خبرة عظيمة فى مهنته لأربعين عاما، ولكن بسبب مشكلات فى القلب، استبعد من عمله، القانون فى مثل حالته يمنحه إعانة مالية؛ لأنه بدون أى دخل آخر، ولكن مراجعة طبية خاطئة تجعل هيئة الضمان الاجتماعى لا تعترف بمرض دانييل، وبالتالى تحرمه من الإعانة، والفيلم فى خطه المحورى ليس سوى معركة «دانييل بليك» العنيد فى أن ينتزع من القانون، ومن المجتمع، الحق فى أن يعيش بكرامة، وأن يحصل على الإعانة، لأنه دافع للضرائب، ومواطن صالح.

دانييل يعبر رمزيا عن الإنسان عموما فى مواجهة القانون الغبى، إلا أنه بالأساس شخصية من لحم ودم، رجل ساخر وودود، نعرف أنه قام برعاية زوجته المضطربة عقليا لفترة طويلة قبل وفاتها، فيه بساطة وحيوية مدهشة، نراه وهو يتعامل مع الأخشاب، ويصلح الأشياء، لا يعرف استخدام الكمبيوتر، وما زال يحتفظ بجهاز كاسيت قديم، كانت زوجته تستخدمه لسماع موسيقى تحبها.

علاقة الإنسان البائسة بالقانون فى مجتمع رأسمالى لا يرحم، تأخذ أيضا تنويعتين بخلاف دانييل: لدينا أيضا شخصية كيت مورجان (هايلى سكويز)، وهى امرأة جاءت إلى نيوكاسيل، حيث يعيش بليك، ومعها ابن وابنة من زوجين سابقين، حصلت على شقة أوسع، ولكنها تبحث بلا جدوى عن عمل، وتحاول أن تستكمل دراستها فى جامعة مفتوحة، ليس لديها أى دخل، وتعيش على ما تحصل عليه من أغذية يتبرع بها الناس فى أماكن محددة للمتبطلين والمشردين، كيت وزميلاتها لا يراهنّ القانون، ويجب أن تعتمد على نفسها، حتى لو اضطرت فى النهاية إلى احتراف الدعارة.

النموذج الثانى هو الشاب الأسود تشاينا، جار دانييل، الذى قرر ألا يدخل لعبة القانون والضمان الاجتماعى من الأساس، وأن يكسب رزقه بطريقته التى تخدع القانون: يقوم باستيراد أحذية رياضية من الصين عبر الإنترنت، فتصله على عدة عناوين، ثم يقوم ببيعها بسعر أقل، تجارة غير شرعية، لا يعرف عنها القانون شيئا، تشاينا، الذى أخذ لقبه من تجارته الصينية، قرر أن يواجه ظروفه بالتحايل، بدلا من أن يدخل فى مفرمة الروتين.

من الطبيعى أن تمتد الجسور بين دانييل وكل من تشاينا وكيتى وولديها، إنهم يشرحون المأساة دراميا، دانييل يسخر من كل شىء، ويكتشف أن الحل الوحيد أمامه هو أن يتقدم للبحث عن عمل، مع أنه أصلا غير قادر على العمل، يندهش بليك لأن عليه أن ينتظر لأسابيع هيئة الاستئناف على القرار الخاطئ بحرمانه من الإعانة، أما كيتى فتحسم أمرها، وتمتهن الدعارة لتوفر الطعام ومصروفات الدراسة لولديها.

ليست الحكاية عن المال والإعانة الشهرية فحسب، إنها بالأساس عن العيش بكرامة، لأنك مواطن كامل الأهلية، لم تقصر فى خدمة المجتمع، ولذلك فمن واجب الدولة أن تخدمك إذا سقطت، ولذلك يقدم السيناريو مشاهد رائعة التأثير عن مدى الامتهان الذى تشعر به الشخصيات، سواء عند استجواب دانييل حول تفاصيل حالته الصحية، وكأنه مجرم أو متهم، أو عندما تسرق كيتى عدة أشياء من سوبر ماركت، فيتم القبض عليها، أو عندما تنهار كيتى من الجوع، فتفتح علبة وتأكل منها فى مركز الإعانات المجانية، تشعر بالعار فتبكى، فيساندها دانييل، يقول لها إنها يجب ألا تشعر بالعار لأنها جائعة، ثم يترك لنا أن نكمل عبارته، بأن نقول لأنفسنا: إن الذين يجب أن يشعروا بالعار، هم من تركوها جائعة.

وبينما يمتلئ البشر بالمشاعر، فإن القانون فى الفيلم تعبر عنه عادة استمارات مكتوبة، وأصوات لا نرى وجوه أصحابها، تتسلل إلى أسماعنا عبر خطوط التليفون، وصانع القرار، الذى يفترض أن يحدد مصير إعانة دانيل المتوقفة، نسمع صوته فقط، ولا نراه أبدا، وبسبب هذه التناقض الحاد بين ما هو حى وحاضر (دانييل وكيتى وطفلاها وتشاينا)، وبين ما هو جاف وخال من المشاعر، فإن انحياز المشاهد يصبح كاملا لصالح الأبطال، وعلى الرغم من أن القوانين توضع لكى تخدم الإنسان، فإن ما نراه طوال الفيلم هو أنها تقود البشر إلى الانهيار، وهنا يصبح الإنسان حرفيا فى مواجهة آلة غبية مما يستدعى المواجهة بالتمرد.

ينتقل الفيلم بسلاسة إلى فكرته، تصبح عبارة «أنا دانييل بليك» التى يكتبها دانييل على الجدار فى الشارع تأكيدا للهوية الإنسانية فى مواجهة النظام الغبى، ليست مجرد كلمات يشرح فيها قصته، ويحصل من خلالها على تأييد ومساندة المارة، وليست حتى مجرد مظاهرة احتجاج، إنها إعلان للوجود، فى مواجهة قانون لا يرى المهمشين، ثم تأخذ الفكرة صورتها الاحتجاجية المباشرة فى مشهد النهاية: فى الكنيسة، حيث جنازة فقيرة لدانييل الفقير، تقرأ كيتى ورقة كتبها وأعدها دانييل لكى يلقيها أمام هيئة الاستئناف لاستعادة إعانته، يقول فيها إنه لم يسرق ولم يخالف القانون، وإنه مجرد مواطن يريد أن يحصل على حقه، ويريد أن يعيش بكرامة.

كين لوتش المخرج الكبير لا يشغلك أبدا بحركات الكاميرا، ولا يستعرض مثل المخرجين المبتدئين، ولكنه يشتغل على مكونات كل مشهد، ويمنح ممثليه الفرصة لأداء صادق ومعبر، يقتصد فى استخدام الموسيقى، أعتقد أيضا أن مشاهد بحث دانييل عن عمل فى الشارع هى مشاهد حقيقية، إنه يريد أن يصل إلى عفوية الحياة ونبضها الواقعى، وقد نجح فى ذلك بامتياز.

«أنا دانييل بليك» يتجاوز التجربة البريطانية بمعناه الأعمق البليغ: لا يوجد أهم من الإنسان، الذى يجب أن يعيش حياته بكرامة، سواء كان قادرا أو عاجزا، وأن يحصل أيضا على حقه بكرامة.. هكذا علّمنا نجار بسيط اسمه دانييل أصلح كل شىء إلا غباء القوانين.
التعليقات