«أشباح بروكسل».. ذلك اللقاء المستحيل! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الجمعة 3 أبريل 2020 7:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«أشباح بروكسل».. ذلك اللقاء المستحيل!

نشر فى : الخميس 9 يناير 2020 - 9:15 م | آخر تحديث : الخميس 9 يناير 2020 - 9:15 م

تستمد هذه الرواية المدهشة طزاجتها من قراءتها الراهنة للقاء الشرق بالغرب، ومن هذه الحيوية التى رسم بها مؤلفها عالمها الخاص، مازجا بين ما يشبه التقرير الصحفى، والسرد الروائى، ومناقشا فكرة اكتشاف الآخر فى كل مستوياتها، الغربة تستدعى الماضى فى الوطن، نتصور لوهلة أن الجسور ممكنة، وأن التكيف جائز، ولكن بطلنا يجد نفسه فجأة فى خانة المشتبهين، وكان توا تحت مظلة المراقب الآمن.
محمد بركة فى روايته «أشباح بروكسل.. ربيع القتلة» الصادرة عن هيئة الكتاب، يمد الخيط إلى نهايته، يجعل من بطله مكاوى، مراسل الجريدة المصرية الكبرى فى بلجيكا، شاهدا وشريكا فى الوقت نفسه، نرى من خلال عينه أحوال العرب واللاجئين المسلمين فى أوروبا، مأزق مكاوى أنه يريد أن يحقق شيئا، رغم إداركه لعبثية مهمته، ومأزق العرب والمسلمين فى أوربا أنهم مسحوقون بين سندان التهميش والفقر، ومطرقة الاتهام بالإرهاب، ومكاوى يقول، فيما يمكن اعتباره مفتاحا للتجربة بأكملها: «كم «آخر» علينا اكتشافه فى هذا العالم، نحن الذين فشلنا فى اكتشاف أقرب «آخر» إلينا، أنفسنا التى بين جنبينا؟».
بطل الرواية وساردها، إذن، لا هو لاجئ، ولا هو مهاجر غير شرعى، هو صحفى محبط فى وطنه، أبعدوه لأنه معارض، وهو أيضا بلا حياة أسرية ناجحة، منفصل عن زوجته، ولديه ابنة، ولكن عليه أن يكتشف هذا العالم المختلف، وأن يعمل ليحلل مرتبه، ومن الشهادة والدهشة إلى التورط، يجمع السرد بحرية بين النظرة من الخارج، والتجربة الملموسة.
لم تزعجنى الفصول التى تبدو مثل تقارير صحفية، فالسارد صحفى بالأساس، وهو، من ناحية أخرى، يتحدث عن طبيعة عمله، ويرسم فى نفس الوقت نماذجه الإنسانية، والأجواء العجيبة لأحوال المهاجرين، وبينما نبدأ الرواية من إيطاليا، حيث تلك اللحظات الحميمة المتمردة بين مكاوى وحبيبته المصورة الإيطالية كارلا، فإننا نعود بعد ذلك إلى الأحداث المحورية فى بلجيكا، ويكون الختام أيضا مع كارلا المتمردة.
لا يظهر التناقض كاملا إلا فى بروكسل، أما روما فهى مرحلة وسطى بين حر القاهرة، وصقيع بلجيكا، كارلا أيضا تبدو مزيجا بين الغيرة الشرقية، والتمرد والتحرر الغربى، ربما يكون تواصل مكاوى وكارلا بالذات، تعبيرا عن منطقة وسطى افتراضية يحلم بها الكاتب، ليست مستقرة تماما، ولكنها على الأقل فيها بعض الدفء، ورغم نهاية مفتوحة، وهروب آخر إلى شمال جديد، مع مكاوى ولكارلا، فإنها محاولة ما لاستكمال البداية، دون أى وعد بالنجاح، ودون أى شىء مضمون يمكن الإمساك به.
يحمل مكاوى دوما ذكرياته، لا يتوقف عن المقارنة مثل كل الذين احتكوا بالحضارة الغربية، هاجس الاختلاف الثقافى قوى وحاد، وعلاقة المهاجرين العرب والمسلمين بالسلطات علاقة تحايل ومراوغة: مجتمع صغير محافظ، فاجأه طوفان المهاجرين، سواء بسبب الحروب، أو نتيجة الفقر، بيروقراطية فى مواجهة ألاعيب لا تنتهى، من أجل الحصول على المساعدة الاجتماعية.
لا شىء يتغير تقريبا فى تناقضات عالمين مختلفين، يزيد من المسافة تطرف المتأسلمين المهاجرين، وميراث علاقة لم تلتئم مع مستعمر قديم، وكأن احتلال الماضى، يستلزم احتلالا معاصرا مضادا، وفى كل مكان من الاستديو الصغير، إلأى مكتب الجريدة فى بروكسل، وصولا إلى المقاهى والحدائق ونادى الصحفيين، تتناثر النماذج البشرية الطريفة، وليس من سمع، كمن عرف وعاش وكتب.
فى طريقة السارد كثير من السخرية اللامعة، والانتقالات الذكية بين الملهاة والمأساة، لا تتخيل مثلا أن ينتهى فصل سرد معاناة مهاجر من الموصل فى الانتقال عبر تركيا ودول أخرى إلى بلجيكا، بمسألة الترفيه عنه كلاجئ من خلال شباب بلجيكى متطوع، أو بحديثه عن خوفه من زوجته، حتى وهو بعيد عنها، ولا يمكن أن تتخيل أن يعجب مكاوى بمصورة، ولكن يحبطه أنها مثلية، ثم يدفعه ذلك إلى تذكر أنه جاء من بلد يمكن أن تلتقى فيها مثليا من الذكور، دون أن تلتقى بمثلية من الإناث! هذه الانتقالات منحت النص مذاقا خاصا.
لعله لقاء مستحيل جديد بين الشرق والغرب، جملة تناقضات لا تحصد فى النهاية إلا التنافر، رغم بعض الأيدى الممدودة من الطرفين، ورغم لقاءات الجسد العابرة، تظل الغربة كابوسا، يفرض أخلاقيات مغايرة، حتى بين المهاجرين. ويظل مكاوى باحثا عن نفسه، وتظل كارلا متمردة وهاربة، حتى إشعار آخر.

التعليقات