من العنف إلى الإرهاب إلى الجريمة - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأحد 28 نوفمبر 2021 4:31 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

من العنف إلى الإرهاب إلى الجريمة

نشر فى : الخميس 9 يناير 2014 - 9:00 ص | آخر تحديث : الخميس 9 يناير 2014 - 9:00 ص

ما عاد العنف ظاهرة فى أرض العرب كلها، وإنما أصبح ثقافة تتعمق وتتجذَّر فى العقول والنفوس لتطرد ثقافات التسامح والتراحم والحوار المرن ولتحلَّ محلّها ثقافات التعصُّب والعدوانية والكراهية والإقصاء والاجتثاث. وهى ثقافة إن سمح لها أن تبقى معنا لمدة طويلة فإنها ستحيل السياسة والثقافة فى مجتمعات العرب إلى عوالم بدائية متخلفة وإلى يباب فكرى مظلم.

وفى جوهرها هى استمرار لثقافة العنف السياسى فى المجتمع العربى الذى كتب عنها الكثير منذ ثمانينيات القرن الماضى. وفى حينها وضع اللّوم على الأزمات الاقتصادية والظروف الاجتماعية كمهيئ لمناخ ملائم لتواجد ونمو العنف السياسى، مع الإضافة بأن البيئة السياسية والثقافية العربية نفسها فيها خصائص تشجّع وتدفع نحو اللجوء إلى استعمال العنف السياسى سواء من قبل السلطة أو من قبل بعض الجماعات فى المجتمع. من بين أهم تلك الخصائص تمركز السلطة السياسية والمالية والإدارية والرمزية فى أيادى فرد أو بضعة أفراد، وبالتالى غياب المتنفّسات والوسائل الديمقراطية المعروفة التى يمكن أن يلجأ إليها المواطنون عند خلافهم أو صراعهم مع سلطة الحكم.

•••

وفى الثقافة تركّز اللوم على البيئة الفكرية التى فشلت فى التعامل مع الواقع العربى بدلا من الانغماس فى المماحكات الأيديولوجية المستوردة من هنا أو هناك. وكان نتيجة لذلك أن تهمَّش المثقّفون العرب وأن استعملت سلطات الاستبداد بعضا منهم لتبرير هيمنتها ونواقصها وإخفاقاتها.

وكان من بين أهم ما أشير إليه كأحد الحاضنين للعنف السياسى، وعلى الأخص المادى منه، هو الفهم المتخلف والخاطئ للإسلام، وعلى الأخص الجزء المتعلق بموضوع الجهاد. وبالطبع تبيَّن أن العنف السياسى المستند على تأويلات وقراءات خاطئة للنصوص الإسلامية ليس إلا امتدادا تاريخيا لعنف سياسى وصل إلى أعلى قممه فى أفكار وأفعال حركات عنفية كحركة الخوارج على سبيل المثال، ثم تعايش بأشكال مختلفة فى بلاطات الخلفاء والسلاطين، ترعاه وتبرره اجتهادات أعداد هائلة من فقهاء السلاطين وتلامذتهم، وكان موجها ضد كل مطالب بالحق والعدل والإنصاف وإسكات كل معارض لاستبداد وسفاهات الكثيرين من الخلفاء وحاشيتهم.

وكالعادات المكتسبة فإن ثقافة العنف قابلة للانتشار السريع وللتخفّى وراء ألف قناع وقناع، لتطلّ برأسها دوريا عبر العقود والقرون، وللجهوزية والقابلية للاستعمال من قبل المستبدين المغامرين أو الانتهازيين من السياسيين أو الحمقى فى كل مؤسسات المجتمع.

•••

ذلك العنف السياسى الممتد فى التاريخ والمتواجد فى الماضى القريب، منذ السبعينيات على الأخص، فى المشهد السياسى العربى كان محدودا وفى مستويات تدميرية كان باستطاعة المجتمعات العربية امتصاص آثارها السلبية وتجاوزها. وكان شجب ممارسات ذلك العنف من قبل رجالات الفكر وقيادات الفقه، وتعامل سلطات الأمن مع القائمين عليها بالحزم، كانا كافيين لمحاصرة الظاهرة.

لكن ذلك المشهد تغير بصورة جذرية فى السنوات القليلة الأخيرة، فانتقل من عنف سياسى، على مستوى السياسة والاقتصاد والإعلام والاجتماع، تمارسه الكثير من سلطات الدول العربية وتقابله وتردُ عليه بعض الجماعات فى بعض المجتمعات العربية.. انتقل إلى مستويات الإرهاب، ليصل اليوم إلى مستويات الجريمة.

تدريجيا لبس العنف السياسى أثواب الإرهاب، ليلبس اليوم اثواب الجريمة، بكل ما تمثله من بشاعات دموية مجنونة انتحارية عبثية لا تستثنى طفلاُ ولا امرأة ولا شيخا طاعنا فى السّن، ولا ترعى حرمة لمسجد أو مدرسة أو مستشفى، ولا تنتبه لقيم الشعار الأساسى الذى ترفعه، أى شعار الإسلام.

يصدق ذلك الوصف على ما تفعله الكثير من سلطات الأمن العربية، كما يصدق على ما تفعله قائمة طويلة من أسماء حركات جهادية تكفيرية عنفية تتوالد يوميا بأعداد وصور مذهلة.

نحن إذن أمام تطور نحو فاجعة كبرى تطرح السؤال الآتى: ما العمل؟ ما عادت كتابات المحللين الناقدين، ولا أقوال مؤسسات الدين الشاجبة بتردد، ولا ثرثرات الإعلام اللاّعنة بصورة كرتونية مضحكة، ولا عنتريات سلطات الأمن المتوعّدة.

ما عاد كل ذلك كافيا، وجميع تلك الجهات مضافا إليها جهات الجشع والفساد والأنانية والاستئثار بالسلطة والجاه والثروة، جميعها هَيأت البيئة والظروف وكل أنواع الحصار لإدخال المجتمعات العربية فى الجحيم الذى يعيشه الجميع ويهدٍّد، بصورة لم يعرفها تاريخ العرب قط، بإنهاء وجود هذه الأمة كجزء له ولو حتى ذرة من القيمة فى المسيرة الإنسانية المستقبلية.

•••

لقد قالها الكثيرون من قبل، ويقولها البعض الآن، إنه ما لم تنشأ كتلة تاريخية جماهيرية منظّمة، على المستويين الوطنى والقومى العروبى، وبتنسيق تام مع المستويين الشعبيّين الإسلامى والعالمى، حاملة لمشروع نهضوى واضح وشامل وقادر على الدفع الثورى السلمى المنظَّم لإصلاح الدولة والمجتمع ولإيقاف الاستباحة الخارجية المعيبة للوطن العربى كلّه، ما لم يحدث ذلك فى الحال فإن الربيع العربى سيخطفه المجانين، وبعض من الدول العربية سيختفى، والدين الإسلامى سيصبح من هوامش الوجود الحضارى المستقبلى، وسيٌعلن عن قيام الخلافة الصهيونية فى أرض العرب كلّها.

المطلوب هو خلق النواة وستتكفَّل الشعوب العربية بالباقى.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات