أصفر ليموني - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 11:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

أصفر ليموني

نشر فى : السبت 8 ديسمبر 2018 - 7:30 م | آخر تحديث : السبت 8 ديسمبر 2018 - 7:30 م

فجأة تحول الأصفر إلى لون الرفض، منذ أن دعاــ فى العاشر من أكتوبر الماضيــ خمسة رجال وثلاثة نساء، يترواح سنهم بين 27 و 35 عاما، يجمعهم حب تجمعات السيارات على الفيسبوك، إلى الاحتجاج على ارتفاع سعر المحروقات وغلاء المعيشة عموما فى فرنسا. الأصفر لا يرمز لأى حزب أو توجه سياسى، بل ارتبط فى الثقافة الغربية منذ القرون الوسطى بالخيانة وتغفيل الأزواج، وكأن المتظاهرين أرادوا القول باختيار لون ستراتهم التى لا تخطئها عين إنهم لن يسمحوا بالضحك عليهم وإنه من الأفضل الالتفات لمطالبهم التى لا تمثل اليمين أو اليسار، بل الطبقات الوسطى والأدنى، المتضررة من الأوضاع الاقتصادية وإلغاء ضريبة الثروة منذ 2017.
عندما يقف أحد أصحاب السترات الصفراء أمام عدسات المصورين يخطف النظر إليه ببريق اللون، وينبرى المراقبون فى تحليلاتهم والمقارنات التاريخية للتدليل على دم الفرنسيين الحامى: هنالك أوجه تشابه بينهم وبين فلاحى الشمال الفرنسى أو «الجاك« قبل الثورة الفرنسية واحتجاجهم التلقائى على زيادة الضرائب وطبقة الأسياد، هنالك أوجه تشابه مع الحركة «البوجادية« نسبة إلى بيير بوجاد فى الخمسينات ضد السياسات الضريبية التى جارت على الأضعف، هنالك أوجه تشابه مع «أصحاب القبعات الحمر« فى 1675 ومن تلوهم فى استخدام الاسم نفسه عام 2013 للاحتجاج على الضريبة البيئية، أو من بعدهم فى 2016 أعضاء حركة «وقوفا فى الليل« التى قامت ضد إصلاح قانون العمل الذى تخدم معاييره أرباب العمل وليس العاملين.
***
هذه المقارنات جاءت كلها ضمن الحالة الفرنسية فقط، فى حين تناول محللون آخرون أوجه التشابه بين أصحاب السترات الصفراء فى فرنسا ومن ماثلهم فى أوروبا مثل تنسيقية «بوديموس« فى إسبانيا (قادرون بالعربية) ضد الفساد السياسى والاقتصادى التى تحولت إلى حزب فى 2014، أو حركة «النجوم الخمسة« ضد الفساد فى إيطاليا عام 2009 والتى تحولت أيضا إلى حزب سياسى أو حركة «فوركوني« أو «الشوكة« للاحتجاج على سوء الخدمات المقدمة للمواطنين ورفع الضرائب فى 2013. وامتدت أيضا المقارنات إلى بعض دول الربيع العربى، وبعض دول أمريكا اللاتينية مثل احتجاجات «يونيو« فى البرازيل عام 2013 لأسباب مماثلة تتعلق بثمن تذاكر المواصلات العامة وخلافه.
رفضت هذه الحركات الأخيرة جهات التمثيل التقليدية من أحزاب ونقابات ومؤسسات لم تعد تعبر عنها، وقد تبلور ذلك تدريجيا منذ تسعينات القرن الماضى، مع تفاقم أوضاع فريق الخاسرين من جراء اقتصاد العولمة. أصحاب السترات الصفراء قطعا ضمن هؤلاء. ومع تنامى الإنترنت فى الألفية الثانية صار يمكننا الحديث فعليا عن نمط مختلف من الحركات الاجتماعية التى تعكس أزمة حقيقية تمر بها الديمقراطية التمثيلية أو النيابية، منذ العام 2010.
***
يمر العالم بسنوات فارقة، بانتقال من مرحلة إلى أخرى، ويأتى ذلك فى صورة حركات واحتجاجات أفقية تظهر فى البداية على الإنترنت، ثم تنطلق دون قيادة مركزية إلى الشارع لتطالب بحقها فيه وتحتل مساحات واضحة من الفضاء العام، كان آخرها الشانزليزيه. جموع تمارس نوعا من الديمقراطية المباشرة، ترفع مطالبها المحددة إلى عنان السماء، وترفض الزعامات التقليدية التى كانت من سمات القرن العشرين.
يساعدها فى حشد وتنظيم نفسها وجود الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة التى تسمح بالتشاور الجماعى وتبادل الآراء السريع واتخاذ القرار بالمضى قدما أو التعليق، لذا لا رأس لها يمكن التفاوض معه أو الدخول فى نقاشات حاسمة، وهو أحد مواضع قوتها وضعفها فى آن واحد.
أشكال السلطة والتمثيل تتغير. شرعيات ديمقراطية أخرى فى حالة مخاض، وكأننا بصدد إعادة اختراع العملية السياسية. نجد أنفسنا أمام مجموعة من المنظمين يديرون الموقف جماعيا، دورهم يكون بحجم تورطهم فى العمل والحركة، ما يغير مفهوم الزعامة من ناحية ويهدد وجودهم واستمراريتهم من ناحية أخرى. لكن غالبا الحركات الاجتماعية لا تموت، بل تتبدل أشكالها وتتحول، وهو ما يجب دراسته باستفاضة وعمق فى الفترة القادمة، سواء كانت صفراء تنذر بوضع الاستعداد أو بألوان أخرى أكثر خطورة وشعبوية، تشير إلى خلل فى المسألة الاجتماعية.

التعليقات