«هدية من الماضى».. حكاية حب استثنائية - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 6:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«هدية من الماضى».. حكاية حب استثنائية

نشر فى : الخميس 8 ديسمبر 2016 - 10:10 م | آخر تحديث : الخميس 8 ديسمبر 2016 - 10:10 م
أكرر دائما أن الفيلم الوثائقى الناضج يكتشف الدراما فى الواقع، ويعيد تركيب عناصرها من مادة الحياة مباشرة، وهنا صعوبته، ولكنه عندما ينجح فى ذلك، فإن تأثيره يكون مضاعفا، ويتحقق بذلك حرفيا معنى تعبير «الرؤية الخلاّقة للواقع»، وليس مجرد تسجيله أو توثيقه، أو تكديس مفرداته فى شرائط.

وهذا فيلم وثائقى مصرى ناضج تمامًا، يقدم تقريبًا صورة نموذجية لما أقول. «هدية من الماضى» فيلم من أفضل الأعمال المصرية التى عرضت فى الصالات فى العام 2016، يسرد لنا تجربة حقيقية لشابة هى مخرجة الفيلم كوثر يونس، التى استفادت من مادة الواقع، لتصنع فنا مؤثرا ومحملا بطاقة من المشاعر والأحاسيس الجميلة.

قررت كوثر أن تحتفل بعيد ميلاد والدها د.مختار يونس، الأستاذ فى معهد السينما، بطريقة استثنائية، فاصطحبته فى مناسبة عيد ميلاده إلى إيطاليا، لكى يبحث عن حبيبة شبابه الإيطالية «باتريسيا»، بعد أن افترقا منذ 33 عامًا، وهكذا قدمت المخرجة هدية استثنائية لوالدها من ماضيه، فحققت أيضًا، وفى نفس الوقت، فيلمًا استثنائيا ومدهشًا.

نجاح كوثر يونس فى فيلمها كان واضحا إلى درجة تثير الإعجاب حقًا، حيث نكتشف فى النهاية أننا أمام تجسيد لمعنى الحب فى اتجاهين مؤتلفين بذكاء: حب فى الحاضر من ابنة لوالدها، حيث تريد أن تدخل على قلبه البهجة، باستعادة ذكرى غالية قديمة، وحب الأب فى الماضى لفتاة إيطالية، بكل ما يستدعيه ذلك من ذكريات وحنين وصور وخطابات ومواقف، وفى الاتجاهين وصلت الفكرة، وأصبحنا مع المخرجة ووالدها فى قلب الرحلة، سواء زمانيا أو مكانيا، انطلقنا من حب الابنة العارم لأبيها، ورغبتها فى إسعاده فى عيد ميلاده، وانتهينا إلى استعادة وقائع قصة حب قديمة بكل بهجتها وجمالها.

لكن النجاح الأكبر الذى حققته المخرجة هو قدرتها على بناء مادتها الواقعية، سواء فى مصر أو فى إيطاليا، بصورة درامية تمامًا، بمعنى أننا أصبحنا أمام كل عناصر الدراما من شخصيات وحبكة وصراع وعقدة وحل وبداية ووسط ونهاية ومواقف وتفاصيل وحوارات، بل لعلى أقول إن فى هذا الفيلم الوثائقى من الدراما ما يتفوق على الدراما التى قدمتها الكثير من الأفلام المصرية الروائية المعروضة فى 2016، وآية ذلك أننا نظل مشدودين إلى الشاشة، ومنتظرين فى ترقب حصاد رحلة البحث عن الحبيبة، أكثر بكثير من انتظارنا لنهايات أفلام روائية مصرية سقيمة، يبعث بعضها على الملل، وربما يدفعنا أيضًا إلى النوم.

ينقسم فيلم «هدية من الماضى» إلى قسمين يترجمان فكرته، ويتكاملان على نحو ذكى، فى الجزء الأول الذى صور فى القاهرة، تحاول كوثر إقناع والدها أن يسافر معها إلى إيطاليا، بحثا عن باتريسيا، وفى الجزء الثانى، نتابع رحلة المخرجة ووالدها فى إيطاليا، للعثور على حبيبة زمان، رغم أنهما لا يمتلكان إلا بطاقة تحمل عنوانها القديم، وخاتما صغيرا أعادته باتريسيا إلى مختار.

وداخل القسمين تتحدد معالم دراما بطلها أب وابنته بالأساس، وينمو صراع متعدد الأبعاد، مصدره أولا جهود الابنة فى إقناع والدها المتردد بفكرة السفر، ثم جهودها فى الحصول على تأشيرة لها ولأبيها، بحيث يسبق موعد السفر عيد ميلاد الأب بوقت قصير. ثم ينشأ الصراع فى القسم الثانى بسبب جهود البحث ابتعادا واقترابا من باتريسيا، ومن خلال مونتاج جيد، اشترك فيه أربعة بمن فيهم المخرجة، تتصاعد الأحداث، ونصل إلى عقدة حقيقية، تكاد تقنعنا بأن البحث عن باتريسيا عملية عبثية، وأنه لا مفر من العودة بخفى حنين، ثم تنحلّ العقدة أخيرا، وتحقق المخرجة حلم والدها المؤجل.

وبسبب براعة البناء، ووضع المتفرج فى قلب التجربة/ الرحلة، فإن تحقيق أمنية الأب، يحقق تلقائيا أمنية المتفرج المتورط، ومن فكرة للسفر بعد الحصول على تذاكر طيران تمثل البداية، إلى بحث مزدوج فى القاهرة وإيطاليا عن ذكريات باتريسيا بما يمثل الوسط، نصل أخيرًا إلى نهاية قوية تمثل محطة الوصول، وهى بالمناسبة نهاية تمتلك تأثيرا مضاعفًا، ناتجًا عن قوة الفن، مضافًا إليه قوة الواقع بكل حيويته، ومن دون تدخل بالتعديل أو بالتجميل.
ومثل أى دراما جيدة، فإن ملامح الشخصيتين المحوريتين تبدو واضحة المعالم: الابنة النشيطة الطموحة، التى تصور الأب أولا بدون أن يعرف، ثم تصوره فى رحلة الحب الضائع، إنها واعية تمامًا بأنها تصنع فيلمًا، ولكن ذلك لا يؤثر أبدا على أصل الفكرة، وهى أن تدخل السعادة على قلب والدها فى عيد ميلاده، بتحقيق أمنية قديمة، الابنة أيضًا قوية ومثابرة، ولا تتراجع أبدًا عن تحقيق هدفها، وهى من جيل آخر مختلف، ولذلك لا تتردد فى تسجيل مناوشاتها مع والدها سواء فى القاهرة أو فى روما، ولكن حبها لأبيها بلا حدود، لدرجة أنها تبكى طلبا للمساعدة فى روما، من أجل الوصول إلى باتريسيا.

أما الأب مختار يونس، فقد جسد الفيلم ملامح شخصيته الرومانسية المنفتحة، بدا وهو فى الخامسة والسبعين مثل شاب منطلق، يداعب بائع الكشرى من السيارة، ويخبئ ثمار المانجو لكى يأكلها فى البيت، ويحلم بمشروعات مستقبلية بالتعاون مع وزير التعليم، ويغنى لعبدالحليم وفريد الأطرش، ويستمع لأفكار ابنته، ويبحث عن خطابات باتريسيا بحب ولهفة، حتى ثورته مثل طفل كبير، سرعان ما تنتهى، يقبّل ابنته ويحتضنها، ويسير معها فى رحلة البحث حتى النهاية.

وباتريسيا كذلك تتضح معالم شخصيتها فى النهاية، إنها تمتلك طاقة حب واضحة لمختار، وتعترف أنه هو الذى لم يكن يحبها، ولكنه ينفى مستعيدًا لحظات ظلت فى مكانها تنتظر الخروج طوال 33 عامًا، حتى شخصيات الفيلم المساعدة مثل زوجة مختار فى القاهرة، أو الشاب سعيد نصف المصرى فى إيطاليا، يلعبان دورا مهما فى بناء الفيلم: الزوجة المحبة المتفهمة ترى أنه لا مشكلة فى تحقيق رغبة قديمة لزوجها، لن تغير شيئًا فى الحاضر، والشاب نصف المصرى تدهشه فكرة هدية الابنة لأبيها، فيهدئ من التوتر، ويصور لحظة لقاء الحبيبين القدامى.

أما التفاصيل فى فيلمنا فهى تتلون بألوان المشاعر الإنسانية، فمرة يبدو الأب متوترا وخائفا وغير مستعد للقاء الماضى العائد بعد غياب، ومرة يبدو متحمسًا وسعيدًا، مرة يبدو محبطًا بعد الفشل الأول فى معرفة المكان الذى انتقلت إليه باتريسيا، ومرة يصبح متأملا، وهو يتذكر موقفه القديم من حبيبته، ومرة أخرى يظهر غضبه العارم من تحكم ابنته فى رحلته وفى حياته، وتتسع الرحلة للحظات ظريفة حقا خاصة عندما نشاهد الأب وهو يستعيد شاربه «الدوجلاس» مثلما كان فى الماضى، ويستعيد ارتداء عباءته التى انبهرت بها باتريسيا قديمًا، ونضحك كثيرًا ونحن نسمع الأب وهو يقول لابنته إنه يريد مقابلة باتريسيا لأهداف أخلاقية وقومية، حتى لا تظن أن المصريين يخدعون الجميلات الإيطاليات، ويتركوهن ويعودون إلى القاهرة، بدون مقدمات.

هذا فيلم بديع عن سحر الحب الذى يستعيده سحر الفن، إنه عمل يحق بسببه أن تفخر الابنة بأبيها المحب، وأن يفخر الأب بابنته الموهوبة، وأن نفخر نحن كبشر بنعمة العواطف الصادقة التى لا تموت.
التعليقات