ضجيج الفضاء العربى - خولة مطر - بوابة الشروق
الخميس 24 يونيو 2021 5:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

ضجيج الفضاء العربى

نشر فى : الإثنين 8 ديسمبر 2014 - 8:25 ص | آخر تحديث : الإثنين 8 ديسمبر 2014 - 8:25 ص

تنتابك حالة من السهد والتعب، والليل سقط سريعا أو ربما تسلل إلى أواخر اليوم، فكلما حركت مؤشر المحطات على جهاز التليفزيون كلما ازددت غمة وحزنا أو ربما أصبت بشيء من الغثيان.. كلها وجوه صارخة.. كلها خطابات متدنية وبعضها يندس بين كل هذا الكم من القبح لينشر بصيصا من النور ما يلبث أن يرحل وسط زحام الصراخ الفضائى.

انه ليل المدينة العريقة، شديدة الجمال هى ونيلها يلعب بين الضفة والضفة لحن الفرح ويمضى بين مدينة ومدينة حتى يصل بها لقلب المدن كلها وأم العواصم.. ومع نهاية النهار الطويل وصخب الايام تبقى هى لؤلؤة بين الجواهر ترسم لليل معنى آخر غير ليالى المدن المصطنعة. كل ما بها حقيقى جدا، كل ما بها يرسم بشيء من العفوية وخاصة ليلها.. تأتى انعكاسات أنوار المدينة على نيلها والسفن الملونة تعبر ببطء حاملة فتيان وفتيات يرقصن على أنغام الاغانى الشعبية الصاخبة.. شيء ما فى هذه المدينة يبعث على الفرح ربما هو كثرة سخرية أهلها من أهلها أو خفة ظلهم التى ترسم حتى على مواقع مثل الفايس بوك والتويتر كثيرا من الحزن والتعب المغلف بالبسمة أو الضحكة الواسعة.

•••

ليس بعيدا عن هذا السحر الفطرى، يجلس القبح كله فى الفضاء الواسع ..القبح الليلى كما يسميه البعض أو هو الهم الليلى. تمسك بمحرك المحطات مرة اخرى وتعيد الكرة فتنتقل سريعا من محطة إلى أخرى وكأنك تدرك مسبقا أنك لن تجد ما يشفى حبك للمعرفة أو العلم أو حتى التسلية الرزينة.. لا شيء هناك سوى هم نفس الوجوه التى لا تزينها إلا كثير من المساحيق الباريسية.. هى نفس الوجوه التى تكرر بعض من خطاب الكراهية وكثيرا من خطاب التحريض والتطبيل والمجاملة الفجة والكذب المعلب بفخامة الصنعة!! لا تعرف من أين جاء كل هؤلاء وأية كليات وجامعات قد خرجت كل هذا السفه الذى لا يحرك سوى مشاعر حسية سطحية لدى العامة ولا يثير إلا كثيرا من الإثارة الرخيصة.. تقوم بسباق آخر وتعيد الكرة مرة بعد الأخرى فتقرر بعدها أن الأفضل لك حتى تحافظ على بعض من عقلك ولا تفقده كله وأن تبقى على نافذة صغيرة جدا لضوء الأمل، أن تترك هذا الفضاء إلى فضاءات أخرى، ألسنا عالما عربيا واحدا؟؟!!

•••

تنتقل إلى سرب من محطات الإقليم الإخبارية فيدهشك حجم الاختلاف فى الخبر الواحد وتعيد التذكير أليست هذه مجرد أخبار وليست آراء كتلك التى لونتها الوجوه القبيحة؟؟ تذكر نفسك أن كثيرا منها لا يسكن بعيدا عن سياسات ذلك البلد الممول وأن تدارى فى ثوب رجل أعمال ثرى يهوى صناعة الحقيقة أو كلها كما يدعون!!!! كلها تحمل شعارات رنانة مثل «كل الحقيقة» أو «الصورة كما هي» رغم أن الصورة تكذب أيضا رغم انهم قالوا فى القديم أن الصورة لا تكذب ولا تتجمل!! هم من تفننوا فى صناعة الخبر كما يشاءون وعلى أهواء سياساتهم الصبيانية والفجة، وهم من احترفوا تشويه الحقائق حتى انصرف عنهم كثيرون إلى محطات بعيدة جدا لتلك القابعة فى مدينة الضباب القادمة من رحم ممولها أيضا، ولكنها اكتسبت حرفية اكثر فاصبحت قادرة على المزج بين هذا وذاك وهى التى عرفت أنك تستطيع الكذب على الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تكذب عليهم كل ليلة ومساء!!!

•••

آه ما أطول الليل العربى ما اطوله وانت لا تزال تعبث بمحرك التلفاز والصورة لا تزال شديدة التشوية إن لم تكن شديدة القبح. وحين تدير ظهرك لحمامات الدم حتى لا يتحول ليلك إلى سلسلة من الكوابيس المزعجة تذهب إلى دلوعة المدن العربية، هناك حيث كانت الصحافة تدرس لكل الوطن وحيث عمر ابنائها وبناتها صحف كثيرة فى مدن العرب كافة.. ينتابك بعض الفرح لانهم لم يدمنوا برامج «التوك شو» كما هنا وانهم نوعوا برامجهم كما تتنوع تضاريس الارض التى هى الوطن الصغير، إلا أن سعادتك وفرحك يتحولان سريعا إلى شيء من الدهشة المزعجة لحجم الإسفاف والتسفيه ودغدغة الحسيات الرخيصة فيما البلد بلا ناطور أو حارس لشهور طويلة فلا تحرسها سوى الملائكة ربما؟

•••

ستتعب وانت تتجول بين مدن العرب كلها وانت جالس فى غرفة منزلك تقلب طويلا لتكتشف أنها كلها تعيش نفس الداء، فالداء لا يزال يعم كما هى كل الظواهر العربية حيث تبدأ من بقعة وما تلبث وأن تنتشر كالطاعون فى طول الوطن الكبير فقدرتنا على نشر القبح والكراهية اكبر بكثير من قدرتنا على بناء الجمال والفرح وصناعة الأمل.. هناك حيث القبيلة قد تزينت بعباءة التكنولوجيا الحديثة واندست الطوائف والعصبيات تحت الحداثة المصطنعة، هناك اكتظ الفضاء بتلاوين من المحطات المتلفزة حتى تصورت تلك المدينة المصطنعة انها عاصمة النور العربية تنشر الثقافة والعلم وتدعو الإعلاميين والصحفيين العرب من كل بقاع الكون فتكرمهم وتكرمهم وما تلبث وأن تقدم لكثير منهم ومنهن الثمن المطلوب لتجميل القبح.

ينالك كثير من الزهق والتعب فتعود للنيل وللفتية الراقصين على صفحته بكثير من الحرية البعيدة عن تلصص الأعين السوداء المنتشرة على طول الوطن... لا عزاء للإعلام العربى.. لا عزاء للمشاهد العربى.. لا عزاء لنا جميعا وها نحن لا نزال بعد سنين النفط وزمنه نبحث عن حقيقة ما يجرى فى مدينتنا عبر محطاتهم هم!!!

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات