الحوار.. نعمة أم نقمة؟ - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 24 يناير 2021 5:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

الحوار.. نعمة أم نقمة؟

نشر فى : السبت 8 نوفمبر 2014 - 8:25 ص | آخر تحديث : السبت 8 نوفمبر 2014 - 8:25 ص

بعد طلب الرئيس السيسى من «الشروق» أن تقوم بحوار مجتمعى لأجل مستقبل مصر، كان لابد أن تستجيب «الشروق» لهذا الطلب، لأن مصر ــ فعليا ــ بحاجة ماسة للحوار المجتمعى. وبنظرة عامة لما يدور فى مجتمعنا اليوم نجد أن هناك خطين رئيسين لتحليل الواقع ورؤى المستقبل هما: الخط الذى يردد أن ما نحن فيه هو أفضل الاختيارات، لأن مصر عانت من فقدان الأمن والأمان لسنين ومن فوضى عارمة ضاربة فى كل جوانب الدولة، ومن فساد تعمَّق وبشدة بعد الثورة، لذلك عندما ظهر الفريق السيسى فى الصورة كان معظم الشعب فى ظهره مؤيدين له؛ طلبا للاستقرار والأمن والأمان، أما الخط الثانى: فيتحدث عن القمع فى الجامعات والاعتقالات الواسعة، والدولة البوليسية وحقوق الإنسان... إلخ.

لذلك نحن لا نحتاج إلى حوار بين القوى السياسية والمجتمعية التقليدية من الأحزاب والهيئات والنخبة بقدر ما نحن بحاجة للحسم بين هذين الخطين الأساسيين والمتحكمين فى مستقبل مصر.

لماذا؟ السبب البسيط والمباشر لذلك أن الحوار الإنسانى الدائر فى مصر الآن ليس حوارا منطقيا بالمرة، لأن المفروض أن تكون الآراء اجتهادات شخصية نصيبها من الخطأ هو نصيبها من الصواب، وأن يكون هذا رأى ومبادئ الطرفين فى الحوار، وعلى كل طرف أن يثبت أن رأيه هو الأفضل نسبيا وظرفيا وليس الأسمى وجوديا.

ففى الإقرار بتعدد الآراء والحوار حولها ممارسة صعبة ومتعبة وأحيانا قاسية، فكل طرف من أطراف الحوار يعتبر أن رأيه مطلقا ومتساميا، وأنه يتماهى مع إنسانيته فيعلى بصورة مبالغا فيها من كيانه، من هنا يشتد الصراع حول إثبات ما هو الرأى الأفضل، مما يستنزف وقتا أطول بكثير من الوقت الذى يختصره الرأى الواحد من صاحب السلطة فى فرض رأيه وتوجهه.

فتنافس المتحاورين فى أجواء التعددية والديمقراطية يثير الملل وأحيانا النقمة على تسامح مساحة الحوار الذى يبدأ وكأنه رصين وجاد فى عناوينه ثم ينتهى إلى ما هو تافه وخالٍ من المضمون، هذا كله وغيره من تدنى مستوى الحوار مع الوقت الطويل واستخدام أمور شخصية لا تليق ينتج حنينا إلى آلية للحسم، حيث إن استنزاف الوقت فى الحوارات الطويلة مع ما يواكبها من تململ وإحباط مع تطلع الجماهير المتابعة للحسم رغبة فى الانطلاق عمليا إلى الأمام يجعل الشعوب تبحث عن الرأى الواحد لصاحب سلطان مقبول.

وهو ما تم فعلا فى بلادنا فالذى حدث بدءا من ثورة 25 يناير من كل قوى الحوار الشباب والمجلس العسكرى والإخوان والمدنيون والأحزاب وتمسك كل صاحب توجه ورأى إلى أن رأيه هو المقدس أوقع بلادنا فى الفوضى وعمق الفساد بها وشعر كل مصرى بعدم الأمان، وكان الحل الأمثل هو ما حدث فى 30 يونيو.

•••

واليوم بالتطلع إلى الحوارات الدائرة نعود إلى نفس الدائرة المغلقة، والسؤال الذى يجب أن يطرح وبقوة هو: كيف تقوم الدولة بالإنجاز والتقدم بخطى ثابتة وواسعة بالتوازى مع تقديس الحرية لأفراد الشعب، وليس على حسابهم أو حسابها. إن المعركة بين العقل والدين والتى بدأت فى أعقاب ثورة 25 يناير، كانت معركة غير متكافئة بالمرة، فمن السهل جدا أن تنتقد منهجا ينقد ذاته (عقل ناقد) قبل أن ينقده الآخرون، فهو نظام مفتوح على النقد، أما الفكر الدينى فهو فى معظمه فكر مغلق، ولقد تم ذلك فى بيئة وجمهور مغلق يسيطر عليه الدين ويتحكم فيه وهكذا تصبح المعركة هزلية أكثر منها جادة، ومحسومة من قبل أن تبدأ، هذا ما نستطيع أن نلاحظه فى معظم وسائل الإعلام المصرية والعربية.

وما لاحظته فى الحوار مؤخرا إن الذين يضعون العقل كمقياس للحوار رفضوا أن يضعوا عقولهم وآراءهم للأخذ والعطاء فقد اعتبرو ما يقولونه وحى يوحى وهذا إلغاء للعقل القابل للنقد بطبيعته، وهذه كارثة لأن توقف النقد للعقل المحاور يحول العقل إلى دين آخر غير قابل للنقاش.

•••

من هنا كان الاحتياج للحوار بين العقلانيين الذين اعتبروا آراءهم غير قابلة للنقاش، ويتحدثون عن أن ما حدث فى 30 يونيو وما بعدها وحتى اليوم هو أفضل العصور التى تعيشها مصر وبين أولئك الذين يرون أن ما حدث فى 30 يونيو وما بعدها وحتى اليوم هو كارثة بكل المقاييس ونحن نعيش أسوأ عصور التاريخ المصرى ويتحدثون عن الرئيس المدنى المنتخب الذى عزل عن الصراع الذى دار فى مصر على مدى أكثر من ثلاث سنوات على أنه الأفضل!، بل ويعتبرونه أقرب إلى الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان!!.

ونحن إذ نرى أنه لا توجد تجربة انسانية بلا أخطاء؛ فنحن نحتاج إلى أن نضع معا التصور الأفضل لمصر المستقبل فى ظل ما وصلنا إليه من أمن وأمان ودستور ورئيس منتخب، فليس من المعقول أن نتحدث عن عودة أخرى لنقطة الصفر ولثورات جديدة ما أنزل الله بها من سلطان فلا عودة للوراء. مع التأكيد أن هناك الكثير الذى يجب أن يتحقق لكى نصل إلى تحقيق طموحات الشعب المصرى الذى خرج فى 30 يونيو. ومن هنا يصبح الحوار نعمة وليس نقمة.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات