قواسم مشتركة - محمد عبدالمنعم الشاذلي - بوابة الشروق
الجمعة 30 أكتوبر 2020 9:03 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

قواسم مشتركة

نشر فى : الثلاثاء 8 سبتمبر 2020 - 8:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 8 سبتمبر 2020 - 8:40 م

شهد النظام الإقليمى العربى، إذا جاز لنا أن نعتبر أنه مازال قائما، عددا من الهزات العنيفة فى مجموعة من الدول تركتها ممزقة مدمرة منقسمة على نفسها متقاتلة فيما بينها بحيث خرجت تماما حسابات القوة العربية حتى إنها باتت تحسب على العرب بدلا من أن تحسب لهم ونفذت من خلالها العديد من القوى الإقليمية والدولية التى تعمل على شيوع الفوضى وعدم الاستقرار فى العالم العربى لخدمة أجنداتها.
حدث هذا فى العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان والصومال التى نسينا أنها دولة عربية وعضو فى جامعة الدول العربية.
لماذا هذه الدول تحديدا؟ وهل هناك قواسم مشتركة سائدة بين هذه الدول؟
***
لأول وهلة لا تبدو هناك سمات مشتركة تجمع بين هذه الدول، فمنها دول فى المشرق العربى وأخرى فى المغرب العربى ودول إفريقيا العربية ومنها دول ثرية مثل ليبيا والعراق ودول فقيرة مثل اليمن والصومال والسودان ومنها دول نسبة التعليم والثقافة عالية مثل العراق وسوريا ولبنان وبلاد نسبة التعليم بها متدنية مثل اليمن والصومال والسودان.
إلا أنه بنظرة أكثر تمحيصا نجد العديد من القواسم المشتركة بين هذه الدول؛ أولها خضوعها جميعا لحكم سلطوى فردى قوى استمر لمدة طويلة ولم يسمح بأى تعددية أو معارضة أو قواعد سياسية قادرة على تحمل مسئولية الحكم من بعده.
لعل أطول فترة حكم هى من نصيب آل الأسد، امتدت من عام 1971 إلى عام 2000 للأب حافظ وتلاه ابنه بشار من عام 2000 ومازال مستمرا إلى اليوم، أى نحو أربعين سنة. يليه حكم معمر القذافى الذى امتد أربعين عاما وحده، ثم حكم على عبدالله صالح الذى دام أربعة وثلاثين عاما، يليه عمر البشير الذى حكم ثلاثين عاما، ثم صدام حسين الذى حكم أربعة وعشرين عاما، ثم سياد برى الذى حكم الصومال اثنين وعشرين سنة.
وفى سبيل تثبيت أركان حكمهم ارتكب هؤلاء الحكام مذابح هائلة ضد شعوبهم منها مذبحة حماة التى راح ضحيتها عشرون ألفا عام 1982، ومذبحة الأنفال ضد الأكراد ومنها عملية حلبجة التى استخدم فيها الغازات السامة فضلا عن مذابح ضد الشيعة فى الجنوب ويقدر ضحايا هذه العمليات بمائة ألف وبلغ عدد ضحايا البشير فى دارفور والجنوب قبل انفصاله أعدادا هائلة، فضلا عن مذبحة التيلفون عندما أطلق الجيش النار على طلبة الجامعة الذين كانوا يقضون فترة تدريب عسكرى أثناء العطلة ومذابح نظام سياد برى فى الصومال ضد طائفة الايساك عام 1989 والتى راح ضحيتها 30 ألفا، ثم مذبحة سجن أبو سليم فى ليبيا التى راح ضحيتها أكثر من 1200 قتيل. وأراد هؤلاء الحكام تأبيد حكمهم بالتخطيط لتوريث الحكم لأولادهم ونجح حافظ الأسد فى توريث الحكم لابنه بشار بينما خلع القذافى قبل أن يتاح له توريث ابنه سيف الإسلام الحكم وصدام حسين سقط قبل أن يتاح له توريث ابنيه عدى وقصى، وعلى عبدالله صالح لم يتح له توريث ابنه أحمد الذى نصبه قائدا لقوات الحرس الجمهورى، وسياد برى قبل سقوطه وضع ابنه مصلح على رأس الجيش ليكون فى موضع قوة ليخلفه، أما لبنان فكان التوريث فى الطوائف سمة ثابتة؛ وليد جنبلاط خلفا لكمال أمين، وبشير الجميل خلفا لبيار الجميل، وعمر كرامى خلفا لرشيد كرامى، تيم سلام خلفا لصائب سلام، وسعد الحريرى خلفا لرفيق الحريرى.
عندما سقط هؤلاء الطغاة من الحكم تركوا بلادهم بدون بديل صالح، فقد قضوا أثناء فترة حكمهم على كل شخصية أو مؤسسة يمكن أن تكون بديلا، لشعورهم بأن ذلك يمثل تهديدا لوجودهم... والأخطر والأسوأ أنهم تركوا شعبا ضعيفا مرتعشا يخشى المبادرة بعد أن ماتت روحه نتيجة القهر الذى مورس ضده فضلا عن انقسامه والدماء التى سالت بين مكوناته والتى فتحت الباب أما التدخلات الخارجية.
***
وهناك أيضا قواسم مشتركة تجمع بين الدول التى سقطت فى الحطمة تجعل منها دولا لها قيمتها الكبيرة ووزنها على الساحة العربية، فمن الناحية الحضارية فإن دمشق كانت حاضرة الدولة الأموية وبغداد حاضرة الدولة العباسية ويمثلان أوج عظمة الحضارة العربية كما أن اليمن هى أصل ومنبت العرب وحضارته وهى أيضا مدخل البحر الأحمر وممرات التجارة بين الشرق والغرب عبر قناة السويس.
السمة الأخرى التى تجمع بين هذه الدول أنها صمام الأمن الغذائى للعرب، السودان بمساحات شاسعة من الأراضى الزراعية التى إذا أحسن استغلالها ستكون كافية لإطعام العرب والأفارقة معا، والعراق بلاد بين النهرين الخصبة، وقليل منا يعرف أن مساحة الأراضى الزراعية فى سوريا ضعف مساحة الأراضى الزراعية فى مصر، حتى الصومال حباه الله بثروة حيوانية وسمكية كبيرة.
العراق وليبيا بلدان منتجان للبترول وأعضاء فى منظمة أوبك، كما أن العراق كان له تجارب وخطت خطوات واسعة فى مجال الطاقة النووية واستهدفته إسرائيل بغارتها التى دمرت مفاعلها أوزيراك فى عام 1981 ثم دمره تماما الغزو الأمريكى، كذلك ليبيا كان لها برنامج نووى تم تفكيكه بالتراضى بعد تزايد الضغوط الدولية فأهدرت الأموال الطائلة التى أنفقت على هذه البرامج فضلا عن الاغتيالات التى طالت العلماء المشاركين فى هذه البرامج وأشهرهم الدكتور يحيى المشد.
يجب الإشارة أيضا إلى الغارة الإسرائيلية على ما ادعت أنه مفاعل نووى تحت الإنشاء فى سوريا، مما يشير إلى إمكانية وجود خبرات نووية متراكمة فى سوريا.
لبنان والعراق وسوريا من أهم منارات الإشعاع الفكرى والثقافى فى العالم العربى وإطفاء هذه المنارات يؤثر تأثيرا كبيرا على العرب، ولدينا أيضا الصومال والسودان اللذان يمثلان حلقة الوصل والتمازج بين العرب والأفارقة اللازمة لدحض مقولة إفريقيا شمال الصحراء وجنوب الصحراء التى تفرق بين الأفارقة كما تفرق بين الأبيض والأسود والعربى والإفريقى وهو المخطط الذى نجح فى تقسيم السودان وانسلاخ الجنوب، وهو مخطط أبعد من مجرد تقسيم السودان لكنه يرمى إلى تحويل العروبة إلى مفهوم عنصرى لا يقبل الإفريقى الأسود ولا المسلم الشيعى ولا الأكراد ولا البربر ولا المسيحيين وينهى مفهوم العالم العربى وطنا لكل من أقام فيه وأبدع فى حضارته وحارب من أجل سلامته وتحدث لغته ومن ثم كان الإصرار على إلغاء اسم العالم العربى واستبداله بمصطلح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذى يعيش فيه مختلف الأجناس والنحل كل فى بلده منعزلا عن الآخر تطبيقا لفكرة الشرق الأوسط الجديد.
هل ما حدث هو أحداث منعزلة حدثت فى بلاد مختلفة دون تخطيط أو هدف منشود أم أن هناك قواسم مشتركة تشير إلى عمل مخطط؟
إن ما مرت به الدول المذكورة هو خارطة طريق إلى الدمار والهاوية علينا أن ندركها بحق حتى لا نمشى فى طريقها.

محمد عبدالمنعم الشاذلي عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية
التعليقات