قول في الحوكمة وفصل الملكية عن الإدارة - مدحت نافع - بوابة الشروق
الثلاثاء 4 أغسطس 2020 1:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

قول في الحوكمة وفصل الملكية عن الإدارة

نشر فى : الإثنين 8 يونيو 2020 - 7:25 م | آخر تحديث : الإثنين 8 يونيو 2020 - 7:25 م

شخصيا أسعدنى الحظ بأن أعمل على ملفات مرتبطة بتعزيز ونشر مفاهيم الحوكمة فى أكثر من سياق. فقد كنت حاضرا لدى تأسيس مركز المديرين المصرى عام 2003 وكلّفت بتقييم ملفات الجامعات المعنية بالتقدّم لهيكلة وتطوير وتفعيل المركز.
الدليل الأول للحوكمة فى مصر والذى أذكر أنه كان نتاجا لجهد استثنائى للدكتور زياد بهاء الدين حمل الكثير من المعانى والمفاهيم التى جاءت بها جهات عدة فى مقدمتها منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية OECD والتى تم الاستعانة به لدى تطوير وتحديث قواعد القيد والإفصاح بالبورصة المصرية، وهو مجهود مشترك لعدد كبير من الزملاء شرفت بأن أكون أحدهم. كذلك كنت مسئولا عن إدارة المؤشرات بالبورصة المصرية لفترة تم خلالها استحداث أول مؤشر للاستدامة بأعمدتها الثلاثة الرئيسية وهى البيئة والمسئولية المجتمعية والحوكمة ESG والذى تم تطويره عام 2010 بالتعاون مع مؤسسة S&P كأول مؤشر إقليمى من نوعه والثانى على مستوى العالم.
كذلك كان لعملى على ملف الاستدامة فى البورصة المصرية لفترة امتدت من العام 2009 وحتى عام 2016 أثره فى انتخابى نائبا لرئيس لجنة الاستدامة بالاتحاد العالمى للبورصات كأول مصرى وعربى يحظى بهذا الشرف فى تاريخ الاتحاد. كما مثلت البورصة المصرية فى عضوية مبادرة «الأمم المتحدة لاستدامة أسواق الأوراق المالية المستحدثة عام 2012 وعلى خلفية ذلك تم اختيار بورصتنا كنموذج مرجعى لتواصل أسواق الأوراق المالية مع الأطراف الفاعلة فى السوق Communication to Stakeholders، من قِبل المبادرة فى فبراير 2015، والتى أشادت بنموذج البورصة المصرية للتواصل مع أطراف السوق، ودعت البورصات أعضاء المبادرة للاقتداء به.
***
كانت تلك مقدمة ضرورية لإضفاء لمحة من المصداقية على ما هو تال فى مقال اليوم. ولأن المقام لا يتسع لتناول جميع قواعد الحوكمة وأهميتها، فسوف أخصص تلك المساحة للتعريج على عنصر واحد من عناصر حوكمة الشركات، وهو فصل منصب رئيس مجلس الإدارة عن العضو المنتدب، وكيف تعامل معه التشريع المصرى فى السنوات الأخيرة، بل وكيف تحققت أهدافه فى بعض النصوص التشريعية السابقة على صدور قواعد الحوكمة فى صورها المختلفة سواء الطوعية أو الإلزامية.
بداية حق للقارئ غير المتخصص أن يعرف شيئا يسيرا عن مفهوم الحوكمة والمقصود بها باختصار كما تعرفها منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية بأنها مجموعة من العلاقات فيما بين القائمين على إدارة الشركة ومجلس الإدارة وحملة الأسهم وغيرهم من المساهمين وهى وفقا لمعهد المراجعين الداخليين (IIA) عبارة عن العمليات التى تتم من خلال الإجراءات المستخدمة من ممثلى أصحاب المصالح بغية الإشراف على إدارة المخاطر ومراقبة مخاطر الوحدة الاقتصادية والتأكيد على كفاية الضوابط لإتمام الأهداف والمحافظة على قيم المنشأة.
إذن وضعت قواعد الحوكمة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الشفافية لدى التعامل بشكل حكيم ومتوازن مع صور وأشكال تعارض المصالح بين أهداف حملة الأسهم والإدارة.. بين أهداف العمالة والإدارة التنفيذية.. بل وبين المؤسسة بوحداتها المختلفة والبيئة المحيطة من أصحاب المصالح. ولمّا كان منصب رئيس مجلس الإدارة يقع على قمة الهرم المؤسسى لأى شركة، فقد دعت الحاجة إلى عدم الجمع بين سلطات هذا المنصب وبين منصب العضو المنتدب التنفيذى CEO والذى يمتلك صلاحيات تنفيذية هى الأعلى فى الهرم المؤسسى. وعلى الرغم من اتفاق قواعد الحوكمة للشركات (خاصة المتداولة بالبورصات) على فصل المنصبين لتحسين ظروف العمل وفصل الملكية عن الإدارة، فإن عددا كبيرا من الشركات حول العالم لم تتحول بعد إلى هذا الفصل، لأسباب عدة منها أن بعض الشركات انطلقت سريعا فى النمو على يد شخص واحد يجمع الصفتين ولم يتسنَ بعد اتخاذ التدابير للفصل، إذ لم تنشأ حاجة ملحة له، ومنها ما يتعلق بعدم وجود صلاحيات محددة لوظيفة الرئيس غير التنفيذى وكيفية إثابته على أداء عمله، ومنها احتمالات التصادم بين شاغلى المنصبين عند عرض أى قرار استراتيجى على المجلس يستلزم انحياز رئيس المجلس له... خلاصة الأمر فقد جمعت الكاتبة الاقتصادية آنجى مور Angie Mohr أهم أسباب الفصل بين منصبى رئيس الشركة والعضو المنتدب فى ثلاث نقاط مهمة تلخّص فلسفة الفصل وهى:
المقابل المادى للعضو التنفيذى: إذ يتعين على مجلس الإدارة الذى يترأسه العضو التنفيذى الجامع بين الصفتين أن يحدد المقابل المادى والمكافآت والحوافز التى تتقرر للعضو المنتدب، وهنا تنشأ حالة واضحة من تعارض المصالح إذ إن رئيس المجلس الذى يملك التأثير على سائر الأعضاء وخاصة أولئك المستقلين سوف يكون من حقه التصويت على زيادة راتبه الخاص وحصته فى توزيعات الأرباح ومكافآت عضويته فى اللجان.. إلى غير ذلك من بنود مالية يكون من مصلحة المدير التنفيذى أن ترتفع ومن مصلحة حملة الأسهم أن ترشّد لتخفيف العبء المالى عن الشركة. هنا وجبت الإشارة إلى أن الشارع المصرى قد فطن إلى هذا الوجه من تعارض المصالح لدى صياغته لقانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر برقم 203 لسنة 1991 وذلك بقصر إقرار أى مقابل مادٍ لرؤساء الشركات القابضة على الجمعية العمومية للشركة، والتى تمثّل ملكية الشعب لحصص المال العام من خلال شخصيات عامة وتجتمع برئاسة الوزير المختص، كذلك لا تقر أى استحقاقات مالية لرؤساء الشركات التابعة وأعضائها المنتدبين إلا من خلال الجمعية العامة للشركة التابعة والتى تنعقد برئاسة رئيس الشركة القابضة وعضوية أساسية لمجلس إدارتها. هذا الأمر لا يمكن قوله فى حالة القانون 159 لسنة 1981 إذ إن رئيس الجمعية العامة للشركة المساهمة الخاضعة لهذا القانون هو رئيس مجلس إدارتها.
الحوكمة المؤسسية: وخلاصة هذه النقطة هى أن أحد أبرز مهام مجلس الإدارة هو متابعة وتقييم الأداء التنفيذى للشركة، وهناك احتمال آخر لتعارض فى مصلحة الإدارة التنفيذية للشركة مع أعضاء مجلس إدارتها الممثلين لحقوق الملكية وحتى الأعضاء المستقلين وذلك إذا كان ثمة مدعاة لتقويم الأداء إن حاد عن الخط العام الذى رسمه مجلس الإدارة. وهذا أيضا أمر تم تلافيه فى التطبيق العملى للقانون 203 المشار إليه سابقا بل وتطبيقات القوانين الأخرى المنظمة للشركات، ومن خلال عدد آخر من معايير الحوكمة التى منها ما يستلزم إنشاء لجان محايدة للمراجعة الداخلية وإدارة المخاطر المؤسسية. فعلى سبيل المثال تعتمد مشروعات الموازنة وتقارير مجلس الإدارة واللجان التخصصية المهمة للشركات القابضة الخاضعة للقانون 203 من الجمعية العامة برئاسة الوزير المختص، وتشتمل على رؤية مستقبلية وخطط استراتيجية يتم محاسبة الإدارة التنفيذية وفقها من قبل مجلس الإدارة، ويتم محاسبة المجلس كله وفقها من قبل الجمعية العمومية. وكذلك تحاسب الإدارة بالأهداف السابق اعتمادها على مختلف المستويات، ويتحول الالتزام إلى إلزام بمجرد اعتماده من جهة الاختصاص. وإذا كانت ثمة مخاطر تكتنف تأثير الرئيس التنفيذى على مجلس الإدارة لدى اتخاذ القرار بشأن الخطط والاستراتيجيات بادئ الرأى، فإن تطبيق الفصل بين وظيفتى رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لا يضمن ألا يتمتع أحدهما بفرض وجهة نظره، خاصة إذا كان العمل التنفيذى شديد التخصصية بما يمكّن العضو التنفيذى من تدعيم وجهة نظره بمعطيات يعز على غير المختص فهمها ناهيك عن التحقق منها. كذلك من المحتمل تحالف الرئيس والعضو المنتدب بشكل تتماهى معه آراؤهما أو نشوء خلاف مستدام بينهما ينتج عنه تنافر الآراء بشكل تام بما يؤدى فى أى من الحالتين إلى نتائج غير مرجوة.
استقلالية لجنة المراجعة الداخلية: السبب الثالث للفصل بين وظيفتى رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب هو ضمان استقلالية لجان المراجعة الداخلية بالشركات. فقد صدر تشريع سربانس ــ أوكسلى (SarbanesــOxley Act) عام 2002 كرد فعل لكثير من التجاوزات المالية والتلاعبات فى الولايات المتحدة الأمريكية التى مكّنت شركات عملاقة بحجم «إنرون» أن تتحايل على الكثير من قواعد الإفصاح، وأن تفرط فى تأسيس شركات ذات غرض خاص لإخفاء الخسائر، وذلك فى نموذج واحد (لكن خطير) للفضائح المالية التى تعددت فى مطلع الألفية الحالية. ومنذ صدور هذا التشريع عكفت العديد من الدول على محاكاته فى وضع النظم والقواعد المنظمة لتشكيل وعمل لجان المراجعة.
كان أبرز ما فى شروط تأسيس تلك اللجان هو اقتصار تشكيلها على أعضاء مجلس الإدارة الخارجيين فقط، مما يعنى أن أحدا ممن ينتمى إلى فريق الإدارة التنفيذية لا يمكنه عضوية لجنة المراجعة. وعلى الرغم من انصياع مجالس إدارات الشركات لتلك القواعد والتى منها فى مصر دليل عمل لجان المراجعة الصادر عن مركز المديرين المصرى عام 2008 فإن «مور» مازالت تعتقد أن رفع تقارير المراجعة إلى مجلس الإدارة الذى يترأسه عضو تنفيذى يحد من قدرة اللجان على مباشرة أعمالها بحرية، خاصة ما يتصل منها بتحقيق شكاوى بعض العاملين الذين من المحتمل أن يحول عملهم تحت قيادة رأس الإدارة التنفيذية دون إبلاغهم عن بعض المخالفات منعا للتعرض لمخاطر التنكيل بهم لاحقا. لكن هذه النقطة أيضا مردود عليها، إذ مازالت السيطرة التنفيذية للعضو المنتدب وعضويته فى مجلس الإدارة تتيح له مضايقة أى من العاملين بذات الدوافع! الراجح أن يحصن أى شاكى من التعسّف معه أو الإضرار به بسبب شكواه عبر لوائح وأنظمة عمل حاسمة، يتم اعتمادها من السلطات الأعلى والتى تراعى حقوق العاملين وتخضع لرقابة الأجهزة الرقابية والتى اختص منها القانون 203 الجهاز المركزى للمحاسبات بمراقبة الحسابات وتقييم الأداء.
الشاهد أن فلسفة القانون 203 والتى خصصنا لها مقالا سابقا قد راعت بالفعل فصل ملكية المال العام عن إدارته عبر العديد من الضمانات التى أضافت قيدا على الشركات الخاضعة لأحكامه فوق أى قيد آخر وضعه القانون 159 والذى تسرى أحكامه وأحكام قانون العمل الصادر برقم 137 لسنة 1981 فيما لم يرد بشأنه نص خاص فى هذا القانون.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات