«عياش».. فن الصعود إلى الحضيض! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 6:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«عياش».. فن الصعود إلى الحضيض!

نشر فى : الخميس 8 يونيو 2017 - 8:45 م | آخر تحديث : الخميس 8 يونيو 2017 - 8:45 م
هذه رواية ممتازة بعالمها، بشخوصها، بشهادتها على زمنها، وبنجاح مؤلفها البارع فى أن يمزج بين المأساة والمهزلة، وفى أن ينسج ــ بذكاء ــ نموذجًا أدبيًا، يضاف إلى ما أسميته قديمًا بالأبطال الضد الذين يصعدون إلى الحضيض، بمعنى أنهم كلما صعدوا وتقدموا فى عملهم، حفروا فى الواقع حضيضًا أخلاقيًا يهبطون إليه، حتى يجدوا أنفسهم فى القاع، وكأن كل صعود يخصم من إنسانيتهم، وكل فوز يجعلهم من الخاسرين.
«عياش» لمؤلفها أحمد مجدى همام، والصادرة بالتعاون بين دار الساقى والصندوق العربى للثقافة والفنون (آفاق)، لا تأسرك فحسب بهذا السرد الحميم لتفصيلات شخصيتها المحورية «عمر عياش»، ولكنها تحقق أيضًا نجاحات فى أكثر من اتجاه: إنها بالأساس رواية عن شخصية، ترسم بورتريها لنموذج بشرى نصادفه كثيرًا، انتهازى يفلسف انتهازيته مثل محجوب عبدالدايم، وهو أيضًا مثله انتهازى خائب وغبى!.
نجاح آخر تحققه الرواية، هو تقديم صورة حية ونابضة للصراع فى كواليس الحياة الصحفية، وبينما تظهر هذه الكواليس فى روايتى فتحى غانم الكبيرتين «الرجل الذى فقد ظله» و«زينب العرش» فى مؤسسات صحفية حكومية، فإن «عياش» ترصد الصراع فى صحيفة خاصة اسمها «المواطن»، وكأن شيئًا لم يتغير، فالانتهازيون يقفون طابورًا استعدادًا لبيع أنفسهم فى كل عصر وعهد، مهما تغير مالك الصحيفة، يأخذون ألوان المكان والزمان، ويصنعون العجب العجاب، مثلما فعل محفوظ عجب، بطل رواية «دموع صاحبة الجلالة» لموسى صبرى، وتتقاطع قصة هذا البطل الضد (عجب) مع
بطلنا عمر عياش فى كثير من النقاط، خاصة فى مبدأ الصعود على أشلاء الآخرين.
نجاح ثالث شديد الأهمية حققه أحمد مجدى همام هو الجمع بين المأساة والملهاة فى سبيكة واحدة، موضع المأساة فى الرواية له وجهان، أوله أن عياش، بدلالات اسمه المبالغة فى العيش بأى ثمن، وكما رسمت الرواية تفاصيله، ليس شخصيًا خاليًا من الموهبة، له رواية ومجموعة قصصية، ويمكن فعلًا أن يكون كاتبًا جيدًا، من دون هؤلاء الضحايا، الذين صعد فوق جثثهم، من مجرد محرر للديسك إلى مدير للتحرير.
كان يمكن أن يصعد من دون أن يعمل مخبرًا للواء، مدير أمن مؤسسة «المواطن» الإعلامية، ولكن نظرته العدمية للحياة، وفشله فى استثمار ميراثه بعد وقوعه فى يد محتال، وشعوره الداخلى بالعجز أمام الآخر، كل ذلك جعل سقوطه مأساويًا، يضاف بالطبع إنه ليس شريرًا خالصًا، علاقته بنورا التى أحبها، وبأخته بطة المقيمة فى أمريكا، وإحساسه الخافت بالذنب، مما يجعله يتواصل مع والد زميله الراحل محمد كرم، الذى كان عياش سببًا فى فصله، كلها نقاط تجعل الحكاية/ الفضيحة مثيرة للازدراء وللرثاء فى نفس الوقت.
أما الوجه الآخر للمأساة فهم أولئك الزملاء الذين يتساقطون بسبب مكائد عياش، وكأننا أمام صراع شرس لا يختلف كثيرًا عن صراعات الحيوانات والزواحف، التى يهوى عياش مشاهدتها فى التليفزيون، مأساة حقيقية أن ينتهى حفيد شيخ العرب همام، إلى هذا الحضيض، أن يتسبب فى كوارث، بينما يرى نفسه فى الصفحات الأولى مشروع أمير، لولا تقلبات الأزمان والأحوال.
ولكن المأساة تمتزج بالمهزلة التى تعبر عن نفسها فى النص البديع من خلال تعليقات عياش التلقائية، وتعبيراته وأوصافه اللاذعة، مثلما تعبر عن نفسها من خلال تجسيد انبطاح وانسحاق عياش المجازى أمام اللواء وتكليفاته، لتصبح انبطاحًا حقيقيًا بسبب المرض الغريب الذى أصاب عياش، والذى يجبره فعليًا على الانبطاح من أجل العلاج!.
هنا سخرية سوداء تليق بمعنى الحكاية كلها، وعلى الرغم من أننا نشفق على عياش بسبب معاناته الجسدية، فإن تجسيد المهانة على هذا النحو، منح الأمر طابع المهزلة، وخصوصًا مع وصول المعنى إلى عياش نفسه، بدأ عياش من الحضيض، وإليه عاد، بل إن الرواية كلها يمكن أن تقرأ جسديًا على هذا النحو الساخر: هذا الرجل يمتلك عقلًا (موهبة)، وقلبًا (علاقته مع نورا)، ولكنه اختار أن يكون مؤخرة، فكان، ولعله حقق فى النهاية ما غبط عليه كيم كارداشيان، ولكن بطريقة تليق به، وبزمنه الذى سمح بذلك، وأتاح للكثيرين فرصة الصعود من خلال بيع أنفسهم.
لهذا يكتسب جسد عياش أهمية كبرى فى بناء الرواية، سواء جسده البدين، وكرشه المترهل، أو إمكانياته الجنسية التى لا تكتمل أبدًا، أو حدود جسده الجنوبية كما يسميها السارد ساخرًا، وكلها إشارات «تجسد» العجز والرخاوة الأخلاقية، فى صورة حسية واضحة، لعبة الجسد هنا ليست مجانية، ولا هى أداة وصف بائسة إضافية، ولكنها جزء أساسى من بناء الشخصية، ووسيلة من وسائل التعبير عنها، لون فاقع يلفت النظر إلى معنى اللوحة، الفقر الأخلاقى يتحول إلى فقر جسدى، والعجز الجنسى يكشف عن عجز أكبر وأهم عن الفعل، عن التحقق بالجهد الشخصى، وليس بالركوب فوق أكتاف الآخرين.
ثم إن هناك نجاحًا آخر هو تقسيم السرد إلى أجزاء صنعت فى النهاية ذروة ممتازة، على الرغم من أن رواية الشخصية لا تحتاج إلى ذلك، ينقسم البناء إلى مقدمة، أو عزف منفرد قبل البداية، للتعبير عن معاناة عياش ووحدته، وعمله فى شركة لاستيراد الكيماويات، ثم بداية التحول مع عمله فى جريدة «المواطن»، ثم الجزء الثانى عن انهماك عياش فى الصعود إلى أسفل، وفى الامتلاء بالحياة بجرعات كبيرة، وأخيرًا الجزء الثالث عن فضيحة عياش، بنشر تقاريره عن زملائه على المواقع الإلكترونية.
ويلاحظ أن المؤلف منح نورا ضمن السرد أرقامًا مسلسلة، مختصًا حكايتها مع عياش باستقلال هى جديرة به، تكتمل اللعبة لتدور على عياش نفسه، من دون أن يعرف الشخص الذى سرب هذه التقارير، وتكتمل السخرية لأن الكاتب الذى لم ينشر عملًا جديدًا منذ سنوات، ستنشر له تقارير كتبها عن زملائه، لتحقق أعلى نسب قراءة.
لا يعاقب أحمد مجدى همام بطله عقابًا أخلاقيًا بهذا الفشل، وإنما هو فقط يصف ويشرح الحالة والشخصية، ويعتمد على نقاط كثيرة لا تغلق أقواس الرواية: فالمناخ الذى سمح لرئيس التحرير «الأمنجى»، أن يعود كصاحب مؤسسة إعلامية، يمكن أن يسمح لعياش أن يتعافى من جرحه (الجسدى والنفسى)، لكى يعود فينبطح من أجل أن يصعد من جديد، وعدم معرفتنا كقراء باسم الذى سرب التقارير، يأخذ شعور عدم الارتياح الذى ينتابنا كقراء، إلى منطقة أبعد من النص، ويليق حقًا بمناخ ملتبس ومتقلب، ويحول العمل الصحفى برمته من بحث عن الحقيقة، إلى بحث عن الوشاة والخونة، ويا لها من سخرية مريرة.
لا تنفصل لغة السارد، مثل النصوص الناضجة، عن شخصية السارد، وعن مزاجه، وعمر عياش شخصية ساخرة، ولكن وراء سخريته مرارة هائلة، من حياته ووضعه ووحدته وفشله وإحساسه الدائم بالفشل، عاش فى حفرة، فلما خرج منها، وقع فى حفرة أكبر، تتلخص حكايته فى جملتين مثل محجوب عبدالدايم، ومحفوظ عجب وآخرين: كان مستعدًا لبيع نفسه، وكان هناك سوق للنخاسة يسمح بذلك.

 

التعليقات