سألت «بيكيتى» - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 10:52 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

سألت «بيكيتى»

نشر فى : الأربعاء 8 يونيو 2016 - 10:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 8 يونيو 2016 - 10:15 م

كتاب «رأس المال فى القرن الحادى والعشرين» لصاحبه «توماس بيكيتى» من الكتب التى أثارت جدلاً واسعاً فى الأوساط الاقتصادية، وكان أكثر الكتب مبيعا فى سنة صدوره على الرغم من كونه كتاباً متخصصاً فى علم الاقتصاد، وعلى الرغم من اقتراب عدد صفحاته من السبعمائة صفحة. تُرجم الكتاب إلى عدد من اللغات أحدثها الترجمة العربية، التى صدرت منذ أيام بجهد كبير من الأستاذ وائل جمال والأستاذة سلمى حسين.


لقاء «بيكيتى» بنخبة من الاقتصاديين، والمثقفين المصريين بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى الثانى من يونيو الحالى شهد إقبالاً غير مسبوق على هذا النوع من اللقاءات الذى اعتادت الكلية الدعوة إليه وتنظيمه فى قاعات صغيرة نسبيا بمبنى الكلية، إذ قرر منظمو اللقاء نقله إلى مدرج «زكى شافعى»، وهو المدرج الأكبر فى كلية الاقتصاد ومع هذا كان من بين الحضور من لم يعثر على مقعد شاغر للمشاركة فى الندوة المرتقبة.


افتتح «بيكيتى» الندوة بعرض ملخص لكتابه مبرزا أهم سمات عدم العدالة فى توزيع الثروات الناتجة عن تراكم الدخول، والتى تتراكم بشكل أسرع من رأس المال مقارنة بالدخل الناتج عن العمل، كما أنها تتراكم بانحياز كبير بين أيدى من لا تزيد نسبتهم على 10% من السكان، مؤكدا ذلك بالرسوم البيانية والبيانات التاريخية لعدد كبير من الدول فى الشرق والغرب، باستثناء مصر والشرق الأوسط الذى كانت دوله أقل الدول حرصا على الإفصاح عن بيانات ضرائب الدخل بصورة تاريخية عالية الشفافية تسمح بدراسته وفقا للمنهج التاريخى الذى انتهجه المؤلف.


حاول «بيكيتى» بعد ذلك أن يتطرق إلى تحليل الوضع فى مصر لكن من واقع البيانات الرسمية، والتى تبرز أن مستوى العدالة فى توزيع الثروات فى مصر يجعلها فى مرتبة أفضل من متوسط دول أوروبا وأفضل بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، كما أبرزت بيانات البرازيل وجنوب أفريقيا تحيزا كبيرا فى تركز الثروات وتراجع العدالة فى توزيعها بين السكان.


هذا التحيز فى تراكم وتوزيع الثروات لم يكسره تاريخيا سوى الأزمات الكبرى، وفى مقدمتها الحربان العالميتان اللتان أعادتا توزيع الثروات بصورة أفضل نسبيا نتيجة لتباطؤ التراكم الرأسمالى بفعل الحروب، لذا يتمنى «بيكيتى» عودة مستوى توزيع الثروة فى أوروبا إلى ما كانت عليه إبان الحرب العالمية الثانية وليس أكثر، منتقدا بلده فرنسا التى يقول مسئولوها أنهم لن يطبقوا ضرائب على الثروة، لأن مستوى التفاوت فى التوزيع عندهم يختلف كثيرا عما هو فى بريطانيا مثلا، بينما أكد «بيكيتى» أن مستوى التراكم والتحيز فى البلدين كان شديد التقارب قبل الحرب العالمية وفقا للبيانات.


***


انتهج «بيكيتى» منهجا تاريخيا إذن واقترح إعادة توزيع الثروة بضرائب تصاعدية «على الثروات»، وقد كانت مداخلتى فى هذا الإطار منصبة على النقد الذى وجه إليه من إغفاله لأثر الإهلاك على تقديره لتراكم الثروات الناتجة عن دخل رأس المال، كما أنه أغفل أيضا أثر الارتفاع المتزايد فى الأصول العقارية، والتى تؤدى بشكل تلقائى إلى تشويه بيانات توزيع الثروات وإلى تضخم تقديرات تركز الثروة.

كما أشرت فى مداخلتى إلى المفارقة التى جعلت من كتابه سببا لزيادة شعبية علم الاقتصاد الذى أطلق عليه «توماس كارليل» الفيلسوف والكاتب الأسكتلندى «العلم الكئيب»، على الرغم من أن سبب هذه التسمية كان نظرية «مالتس» عن السكان الذين يتزايدون بمتوالية هندسية بينما يتزايد الغذاء والموارد بمتوالية عددية مما يحدث خللا فى توزيع الموارد لا يقيمه من جديد سوى الحروب والكوارث والمجاعات.

وقد رأيت أوجه الشبه بين تلك النظرية الشهيرة وما أثبته «بيكيتى» فى كتابه «عمليا» من أثر الحروب والكوارث على تحسن توزيع الثروة، ومع ذلك حظى الكتاب بشعبية كبيرة على الرغم من كآبة مستخلصاته! أشرت أيضا إلى نجاح كتابه فى إثارة الكثير من الانتقادات التى كان لها أثر مهم فى اقتراح حلول ــ بعضها غير مقصود ــ لأزمات هيكلية بعيدا عن ضرائب الثروة، التى يقترحها، ومن تلك الحلول إعادة مراجعة السياسات العقارية فى الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من البلدان.


سألت «بيكيتى» عن أثر المعلومات فى تشويه القيمة الفعلية للثروات وكيفية تعظيم الاستفادة من المعلومات لتحسين عدالة توزيع تلك الثروات، وكانت إجابته على مداخلتى شاملة لأربع مداخلات أخرى افتتحت بهم إدارة الندوة مساهمات الحضور كجولة أولى من الأسئلة قبل تلقى المزيد منها، وانصب معظمها حول منهجية البحث وحجم البيانات وغياب مصر عن الكتاب بل وغياب الإسلام شبه التام عن الكتاب رغم أهمية الفكر الإسلامى فى تحقيق عدالة توزيع الثروات.


أوضح «بيكيتى» فى إجابته أنه سعيد بكل نقد وجه للكتاب وأثرى أجواء التحليل والبحث بمزيد من الجدل، حتى إنه يجزم أن كثيرا من النقد الموجه إليه جاء من أشخاص لم يقرأوا الكتاب! أكد «بيكيتى» أنه مهتم بأثر الزيادة فى قيمة وأسعار الثروة العقارية لكنه لم يقتنع بها كسبب منطقى لانحراف التوزيع بالصورة التى أبرزها فى كتابه، إلا أنه لم يتطرق إلى رؤية واضحة خاصة به فيما يتعلق بحسن استغلال تدفق المعلومات لتحسين عدالة توزيع الثروات.


***


اللقاء كان حيويا ومفعما بالتفاعل مع الحضور، والمداخلات كانت مهمة حتى من طلاب قسم الاقتصاد.

إدارة الندوة كانت أكثر من رائعة وعكست وعيا وعلما من عميدة الكلية المحترمة الدكتورة هاله السعيد، ووكيلة الكلية النشيطة الدكتورة شيرين الشواربى وسائر فريق العمل المحترم، لكنه انتهى دون إضافة جديدة لمن سبق له قراءة الكتاب، ودون بلورة رؤية جادة للحلول المنطقية لأزمة تركز الثروات بعيدا عن ضرائب الثروة التصاعدية التى اعترف «بيكيتى» أنها محل رفض من الجميع تقريبا!

ودون تطرق إلى أهمية التحول الهام الذى حل أخيرا فى رؤية اقتصاديى صندوق النقد الدولى ــ معقل الفكر الرأسمالى ــ لعيوب النيوليبرالية وآثارها السلبية على المجتمعات التى توسعت فى تبنيها، خاصة ما تم تحت مظلة من القمع والفاشية، وذلك مع دعوة الصندوق المستمرة إلى الحاجة إلى التطور evolution وليس الثورة revolution وذلك إدراكا منه للآثار المدمرة لهذا النوع من الثورات المجتمعية إذا ما كان شاملاً.


مزيد من عدالة توزيع الدخول والثروات لم يعد مطلبا استثنائيا إذن، بل هو ضرورة مهمة لاستدامة المجتمعات البشرية، وحاجة إنسانية ملحة فى ظل اتساع دائرة الفقر عالميا، لكن الخروج من ثنائية الحلول الرأسمالية والحلول الاشتراكية بات أمرا مهما لتطوير طاقات التعامل مع مقتضيات العصر وعناصر القوة فيه وفى مقدمتها التراكم المعرفى لتحسين توزيع الدخول والثروات.

وكذلك يجب الفصل التام بين مفهومى التضامن الاجتماعى والاستثمار المسئول مجتمعيا، لأن الأخير عائداته أكبر وأكثر استدامة ويحقق النفع لكل الأطراف، بينما تحويلات الصدقة والتبرعات الخيرية لم يعد أثرها وحده مناسب لتحقيق مزيد من عدالة التوزيع.

خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات